لم يعد التهديد الذي يواجه الديمقراطيات الحديثة يقتصر على التزوير التقليدي أو التدخلات السياسية المباشرة، بل انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً وخطورة، حيث بات الذكاء الاصطناعي قادراً على تصنيع الأكاذيب وإعادة تشكيل الوعي العام والتأثير في إرادة الناخبين بصورة غير مسبوقة، وفي عام 2025 الذي يشهد أكبر دورة انتخابية في التاريخ الحديث بمشاركة أكثر من أربعة مليارات ناخب في أكثر من سبعين دولة، تتزايد التحذيرات الأممية والحقوقية من أن العالم يدخل مرحلة جديدة أصبحت فيها الحقيقة نفسها موضع نزاع.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة، عبر تقرير المقررة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير إيرين خان، أن نزاهة الانتخابات باتت مرتبطة بشكل مباشر بنزاهة المعلومات، محذرة من أن الفضاء الرقمي يشهد انفجاراً غير مسبوق في المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والتزييف العميق المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وأوضحت خان في تقريرها المقدم إلى الدورة التاسعة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف عام 2025 أن التلاعب بالمعلومات أصبح يهدد الحق في حرية التعبير والحق في التصويت معاً، خاصة في ظل تراجع استقلالية الإعلام التقليدي وتصاعد النزعات الشعبوية والاستبدادية.
تضليل بلا حدود
وأصبحت تقنيات التزييف العميق التي تسمح بإنتاج مقاطع فيديو وصوت وصور مزيفة شديدة الواقعية، أحد أخطر أدوات التأثير السياسي الحديثة، ووفق تقديرات شركات الأمن السيبراني وتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، ارتفعت نسبة استخدام تقنيات التزييف العميق بأكثر من 245 بالمئة خلال عامين فقط، في حين تضاعف حجم المحتوى الاصطناعي السياسي على منصات التواصل بصورة غير مسبوقة.
وحذرت منظمة اليونسكو من أن البشرية تواجه ما وصفته بأزمة معرفة حقيقية، بعدما بات من الصعب التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المفبرك، وأكدت المنظمة في تقريرها حول التزييف العميق أن الوسائط الاصطناعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تهدد فقط الثقة بالمعلومات، بل تضرب أيضاً قدرة المجتمعات على بناء فهم مشترك للواقع.
وفي الولايات المتحدة، كشفت تقارير رسمية صادرة عن وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي خلال 2025 عن رصد تسجيلات صوتية مزيفة لمرشحين سياسيين استخدمت لمحاولة تثبيط الناخبين والتأثير على التصويت في الانتخابات التمهيدية، كما شهدت انتخابات سلوفاكيا والهند والأرجنتين خلال العامين الأخيرين موجات واسعة من المحتوى المفبرك الذي استهدف المرشحين والناخبين عبر مقاطع مزيفة ومنشورات مضللة.
وترى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الخطر لا يكمن فقط في انتشار الأكاذيب، بل في السرعة الهائلة التي تنتشر بها مقارنة ببطء عمليات التحقق والتصحيح، وقال المفوض السامي فولكر تورك إن الانتخابات أصبحت تجري في عصر يمكن فيه إنتاج التزييف العميق بسهولة وفعالية كبرى، وسط مناخ سياسي قائم على الانقسام والإلهاء والكراهية.
الفضاء الرقمي ساحة انتخابية
وفي المغرب، حذرت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان آمنة بوعياش من التحولات العميقة التي باتت تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي على مستقبل الديمقراطيات، وقالت خلال المؤتمر الدولي العاشر حول حقوق الإنسان والانتخابات المنعقد بمدينة مراكش إن العالم يعيش لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والمعلومة والفضاء العمومي.
وأكدت بوعياش أن الخوارزميات الرقمية لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت تتحكم في تدفق المعلومات وترتيب أولويات الظهور والانتشار داخل المنصات الرقمية، ما يمنحها قدرة هائلة على التأثير في النقاش العمومي وتشكيل الإرادة الجماعية، وأضافت أن التضليل والتزييف العميق والاستهداف الرقمي للرأي العام أصبحت تمثل تهديداً مباشراً لنزاهة العمليات الانتخابية والثقة المجتمعية.
وكشفت أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان بدأ منذ انتخابات 2021 تطوير أدوات رقمية لرصد الخطاب السياسي وتحليل انتشار المعلومات المضللة وتتبع أنماط التأثير داخل شبكات التواصل الاجتماعي، استعداداً لتوسيع هذه الآليات خلال الانتخابات التشريعية المغربية المقبلة عام 2026.
ضحايا جدد للحروب الرقمية
ولا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على الانتخابات فقط، بل يمتد إلى انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان والحريات الفردية، فقد أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام 2025 أن تقنيات التزييف العميق أصبحت تستخدم بشكل متزايد لاستهداف الصحفيين والنشطاء والمعارضين السياسيين عبر حملات تشويه وابتزاز وتحريض.
وأشارت تقارير حقوقية إلى أن النساء يمثلن الفئة الأكثر تعرضاً لهذا النوع من الاستهداف، خصوصاً عبر الصور والفيديوهات الجنسية المزيفة، ووفق تقديرات متداولة في تقارير الأمن الرقمي، فإن أكثر من 90 بالمئة من محتوى التزييف العميق الإباحي يستهدف النساء، في حين تتزايد المخاوف من استخدام هذه الأدوات في إسكات الصحفيات والناشطات السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان.
كما سجلت منظمة فريدوم هاوس في تقريرها لعام 2025 التراجع الخامس عشر على التوالي في مستوى حرية الإنترنت عالمياً، مؤكدة أن الحكومات والأحزاب السياسية باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي وأدوات المراقبة الرقمية والروبوتات الإلكترونية للتأثير في الرأي العام وقمع المعارضة، وأوضحت المنظمة أن أوضاع الحقوق الرقمية تدهورت في 27 دولة خلال عام واحد، في حين شهدت 17 دولة فقط تحسناً محدوداً.
خوارزميات تغذي الكراهية
ويرى خبراء حقوقيون أن أخطر ما في الأزمة الحالية يتمثل في الطريقة التي تعمل بها الخوارزميات الرقمية، إذ تقوم المنصات بتفضيل المحتوى الصادم والمثير للغضب والانقسام لأنه يحقق نسب تفاعل ومشاهدة عليا.
وأظهرت دراسات صادرة عن معهد أكسفورد للإنترنت أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع بكثير من الأخبار الحقيقية، في حين تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على تضخيم المحتوى الاستقطابي ودفعه إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات قليلة.
كما حذرت تقارير بحثية حديثة من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها قد تعاني من انحيازات تؤثر في فهم الحقوق والحريات العامة، وأظهرت دراسة أكاديمية منشورة عام 2025 أن نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى تبدي أحياناً تقييماً مشوهاً لمستوى حرية الصحافة والحقوق المدنية في عدد من الدول، ما يثير مخاوف إضافية بشأن مستقبل الاعتماد على هذه الأنظمة بوصفها مصادر للمعلومات.
تراجع الثقة العالمية
ومع تصاعد التضليل الرقمي، بدأت الثقة العامة بالمؤسسات الديمقراطية تتآكل بصورة مقلقة، ووفق استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات إعلامية وبحثية دولية خلال 2025، أعربت أغلبية واسعة من المواطنين في عدد من الدول الغربية عن قلقهم من عدم قدرتهم على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك خلال المواسم الانتخابية.
وفي أستراليا، كشف تقرير انتخابي حديث أن 52 بالمئة من المواطنين يشعرون بقلق مرتفع تجاه الأخبار الكاذبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في حين أقر نحو 10 بالمئة من مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي بإمكانية استخدامها لإنتاج محتوى سياسي مزيف.
ويحذر خبراء الأمم المتحدة من أن أخطر نتائج هذه الظاهرة ليست فقط انتشار الأكاذيب، بل ما يسمى بتآكل الحقيقة، حيث يصبح الجمهور غير قادر على الوثوق بأي محتوى، حتى الحقيقي منه، وهو ما يهدد أسس النقاش العام ويضعف المشاركة السياسية ويغذي نظريات المؤامرة والانقسام المجتمعي.
سباق عالمي لتنظيم الذكاء الاصطناعي
وفي مواجهة هذه التهديدات، بدأت الحكومات والمنظمات الدولية سباقاً متسارعاً لإقرار أطر قانونية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال السياسي والانتخابي، فقد دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ التدريجي خلال 2025، متضمناً قواعد صارمة بشأن الشفافية والإفصاح عن المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي.
كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أول قرار دولي شامل يدعو إلى تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تراعي حقوق الإنسان وتحترم القانون الدولي وتحمي الخصوصية والحريات الأساسية.
ودعت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير إيرين خان الحكومات إلى الامتناع عن استخدام مكافحة التضليل ذريعة لتقييد حرية التعبير أو فرض الرقابة الجماعية، مؤكدة أن الحل لا يكمن في القمع الرقمي بل في بناء استراتيجيات متعددة الأطراف ترتكز على الشفافية وحرية الإعلام والتربية الرقمية والمساءلة القانونية.
معركة الديمقراطية المقبلة
ويرى خبراء القانون الدولي وحقوق الإنسان أن العالم يقف اليوم أمام معركة تتجاوز التكنولوجيا نفسها، لتصبح معركة حول مستقبل الحقيقة والثقة العامة وحق المواطنين في اتخاذ قرارات سياسية حرة ومستقلة، في ظل تصاعد تأثير الخوارزميات والتضليل الرقمي والتزييف العميق في النقاشات العامة والعمليات الانتخابية، وحذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن وسائل التواصل الاجتماعي والاستهداف الرقمي والمعلومات المضللة باتت تؤثر بشكل مباشر في الحملات الانتخابية والديمقراطية، مؤكداً أن المجتمعات قد تتعرض لما وصفه بالتلاعب الجماعي في تشكيل القناعات السياسية.
كما أكدت المقررة الأممية الخاصة بحرية الرأي والتعبير إيرين خان أن نزاهة الانتخابات أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بنزاهة المعلومات، وأن التلاعب بالمحتوى الرقمي يهدد الحق في حرية التعبير والحق في التصويت معاً، وفي السياق نفسه، اعتبر المنتدى الاقتصادي العالمي أن التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة يمثلان أحد أخطر التهديدات العالمية خلال السنوات المقبلة، خاصة مع التوسع السريع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
فمع اتساع قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد البشر وصناعة محتوى مزيف شديد الواقعية، تتزايد المخاوف من تحول الانتخابات إلى ساحات للتلاعب النفسي والمعلوماتي، حيث تصبح الخوارزميات قادرة على توجيه النقاشات العامة وتضخيم الانقسام وإضعاف المؤسسات الديمقراطية.
وتؤكد الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن حماية الديمقراطية في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بصناديق الاقتراع، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بحماية الحق في الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة، وضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة لإعادة إنتاج الخوف والكراهية والتلاعب الجماعي.
بدأت المخاوف العالمية من استخدام البيانات والمنصات الرقمية للتأثير السياسي تتصاعد منذ فضيحة كامبريدج أناليتيكا عام 2018، عندما كشفت التحقيقات استغلال بيانات ملايين المستخدمين على فيسبوك للتأثير في الانتخابات الأمريكية واستفتاء بريكست البريطاني، ومنذ ذلك الحين، شهدت تقنيات الذكاء الاصطناعي تطوراً هائلاً، خاصة مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو وأصوات يصعب تمييزها عن الواقع، ومع دخول العالم مرحلة الانتخابات الرقمية الشاملة، باتت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تعد حماية نزاهة المعلومات جزءاً أساسياً من حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين.

