منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

حقوق النساء في تقارير مجلس حقوق الإنسان.. بين القوانين المتقدمة وفجوات الحماية

22 يونيو 2026
حماية النساء تحتاج إلى قوانين فعالية ودعم مجتمعي
حماية النساء تحتاج إلى قوانين فعالية ودعم مجتمعي

تُظهر تقارير الدول والزيارات الأممية المعروضة ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان أن ملف حقوق النساء والفتيات لم يعد يُقاس فقط بوجود قوانين أو سياسات وطنية أو لجان متخصصة، فدول كثيرة تعرض تقدماً تشريعياً ومؤسسياً واضحاً، لكنها في الوقت نفسه تواجه فجوات عميقة في الحماية، الوصول إلى العدالة، الخدمات، والقدرة على تغيير الممارسات الاجتماعية التي تعيد إنتاج التمييز والعنف.

من نيبال إلى موريتانيا، ومن عُمان إلى سانت لوسيا وسانت كيتس ونيفيس، ومن ساو تومي وبرينسيب إلى زيمبابوي، تتكرر الفكرة نفسها.. القانون مهم، لكنه لا يكفي وحده، فالسؤال الحقيقي هو هل تصل النساء والفتيات فعلاً إلى الحماية؟ هل توجد خدمات كافية؟ هل تستطيع الضحايا الإبلاغ دون خوف أو وصمة؟ وهل تتحول السياسات الوطنية إلى موازنات وملاجئ ومساعدة قانونية ومساءلة؟

القانون والحماية الناقصة

في عدد من التقارير، تعرض الدول قوانين وسياسات تبدو متقدمة، سانت لوسيا، مثلاً، قدمت قانون العنف المنزلي لعام 2022 باعتباره تحولاً مهماً نحو نظام قانوني يركز على الناجين والناجيات، ويوسع الحماية لتشمل العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي والرقمي، ويضمن الوصول إلى العدالة دون تمييز، كما أطلقت إطاراً وطنياً للاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي وفريق عمل متعدد الجهات في عام 2024.

لكن وجود القانون لا يعني أن الحماية أصبحت تلقائية، فالمؤشر الحقيقي هو عدد النساء القادرات على الوصول إلى أوامر الحماية، الملاجئ، الدعم النفسي، المساعدة القانونية، والخدمات الصحية، لذلك، لا يكفي الاحتفاء بالقانون، بل يجب مراقبة أثره العملي: هل يعرف الناس به؟ هل تطبقه الشرطة؟ هل تتعامل المحاكم بجدية مع البلاغات؟ وهل توجد خدمات كافية خارج العاصمة والمناطق المركزية؟

في نيبال يظهر ملف حقوق النساء من زاوية أكثر حساسية، وهي العدالة الانتقالية والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، فقد دعمت الدولة عدداً كبيراً من التوصيات، لكنها أخذت علماً بأجزاء تتعلق بإزالة المهلة الزمنية لتقديم شكاوى العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، وكذلك توصيات مرتبطة بإلغاء مدد التقادم في قضايا الاغتصاب والعنف الجنسي.

هذه النقطة تكشف أن الاعتراف العام بحقوق النساء لا يكفي إذا بقيت الإجراءات القانونية تمنع الضحايا من الوصول إلى العدالة، ففي قضايا العنف الجنسي، قد لا تستطيع الضحية الإبلاغ فوراً بسبب الخوف، الوصمة، الصدمة، أو غياب الحماية، لذلك، فإن مدد التقادم ليست تفصيلاً فنياً، بل قد تكون معوقاً فعلياً أمام العدالة.

موريتانيا وحقوق النساء

في موريتانيا قبلت الدولة عدداً من التوصيات المتعلقة بتعزيز حقوق النساء ومكافحة العنف والتمييز، لكنها أخذت علماً بتوصيات أخرى ترتبط بسحب التحفظات على بعض مواد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، أو الانضمام إلى البروتوكول الاختياري للاتفاقية.

وربطت الدولة بعض هذه الملفات بالحاجة إلى حوار وطني واسع يراعي الدستور والمبادئ الأساسية للشريعة، خاصة في مسائل الأحوال الشخصية.

هذا النمط يتكرر في أكثر من سياق: تقبل الدولة تحسين أوضاع النساء بشكل عام، لكنها تتحفظ عندما يصل الأمر إلى تغيير قوانين الأحوال الشخصية أو الجنسية أو المساواة داخل الأسرة، وهنا تظهر الفجوة بين الخطاب العام حول تمكين النساء وبين الإصلاح القانوني العميق.

عُمان والمفاهيم القانونية

في عُمان يظهر ملف حقوق النساء من خلال التعامل مع توصيات العنف الأسري والاغتصاب الزوجي، فقد أخذت الدولة علماً بتوصيات تتعلق بتجريم العنف الأسري والاغتصاب الزوجي.

وأشارت إلى أن مصطلح “الاغتصاب الزوجي” غير موجود في التشريع العُماني، وفي المقابل، قبلت أجزاءً تتعلق بتدريب سلطات إنفاذ القانون وتوفير الوصول إلى الحماية والعدالة للنساء.

هذا يعكس مقاربة شائعة؛ قبول الإجراءات الداعمة مثل التدريب والخدمات، مع التحفظ على إدخال جرائم أو مفاهيم قانونية محددة، لكن من منظور حقوقي، فالسؤال لا يتعلق بالمصطلح فقط، بل بمدى قدرة القانون على حماية النساء من جميع أشكال العنف، ومنها التي تقع داخل الأسرة أو العلاقة الزوجية.

إطار قانوني وعنف مستمر

تقرير زيمبابوي يقدم مثالاً واضحاً على الفجوة بين القانون والواقع، فالدستور والقوانين يقدمان حماية مهمة للنساء والفتيات، ومنها تجريم أشكال متعددة من العنف الجنسي، والاغتصاب الزوجي، والاتجار لأغراض جنسية، وتجريم العنف المنزلي بأشكاله الجسدية، والجنسية والعاطفية والاقتصادية.

ويشير التقرير إلى أن نحو 27% من النساء في زيمبابوي أفدن بأنهن تعرضن لعنف جسدي، و9% تعرضن لعنف جنسي منذ سن 15 عاماً، كما أشار إلى انتشار التحرش الجنسي، ووجود معلومات حول ما يعرف بـ“الابتزاز الجنسي”، حيث تُطلب خدمات جنسية من النساء مقابل وظائف أو خدمات عامة.

هذه الحالة توضح أن قوة النص القانوني لا تلغي الحاجة إلى تمويل الخدمات، حماية الناجيات، تدريب الشرطة والقضاء، دعم المجتمع المدني، وتغيير الثقافة المؤسسية والاجتماعية التي قد تمنع النساء من الإبلاغ أو الوصول إلى العدالة.

العنف ضد النساء

تُظهر التقارير أن العنف ضد النساء والفتيات لا ينتج فقط عن ضعف القانون، فقد يكون القانون موجوداً، لكن الضحية لا تعرف كيف تستخدمه، وقد تكون آليات الشكوى موجودة، لكنها غير آمنة أو بعيدة جغرافياً، وقد تكون الملاجئ موجودة، لكنها قليلة أو ممولة بشكل ضعيف، وقد تكون المحاكم مفتوحة، لكن الوصمة أو الخوف من الانتقام يمنعان النساء من الوصول إليها.

لذلك، فإن معالجة العنف القائم على النوع الاجتماعي تحتاج إلى منظومة كاملة: قانون واضح، شرطة مدربة، قضاء حساس للنوع الاجتماعي، ملاجئ، دعم نفسي، مساعدة قانونية، خدمات صحية، تمويل مستدام، بيانات، وحملات توعية.

بعض التقارير تعرض تقدماً في مشاركة النساء في مواقع القرار، ففي ساو تومي وبرينسيب، اعتمدت الدولة قانون التكافؤ لعام 2022 الذي يضمن حداً أدنى من التمثيل بنسبة 40% لكل جنس في المناصب المنتخبة ومواقع صنع القرار.

هذا تطور مهم، لكنه لا يعني تلقائياً أن قضايا النساء أصبحت محمية بالكامل، فالتمثيل السياسي يحتاج أن ينعكس على السياسات العامة: مكافحة العنف، تحسين الخدمات، تعديل القوانين التمييزية، تمويل الحماية، وتمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً.

قراءة تحليلية

تكشف تقارير مجلس حقوق الإنسان أن ملف حقوق النساء يعيش اليوم بين مستويين: مستوى قانوني وسياساتي يشهد تقدماً في كثير من الدول، ومستوى عملي لا تزال فيه الحماية غير مكتملة. فالدول قد تقر قوانين، وتطلق استراتيجيات، وتعلن خططاً وطنية، لكنها تبقى أمام اختبار التنفيذ.

الاختبار الحقيقي لا يكون في وجود سياسة وطنية للمساواة فقط، بل في قدرة المرأة على الإبلاغ عن العنف دون خوف، ولا يكون في وجود قانون للعنف المنزلي فقط، بل في توفر ملجأ آمن ومساعدة قانونية وحماية فورية، ولا يكون في رفع نسبة التمثيل السياسي فقط، بل في تحويل هذا التمثيل إلى قرارات تغير حياة النساء والفتيات.

وتؤكد تقارير مجلس حقوق الإنسان أن حقوق النساء لا تُقاس بالنصوص وحدها، فالقوانين والسياسات مهمة، لكنها تصبح محدودة الأثر إذا لم ترافقها خدمات، موارد، بيانات، ومساءلة، وفي كثير من الحالات تكشف التوصيات التي تتحفظ عليها الدول أن الملفات الأعمق لا تزال مرتبطة بالأحوال الشخصية، العنف الجنسي، الاغتصاب الزوجي، الجنسية، ومدد التقادم.

لذلك، فإن السؤال الحقوقي الأهم لم يعد فقط، هل توجد قوانين لحماية النساء؟ بل: هل تستطيع النساء استخدام هذه القوانين؟ وهل تصل الحماية فعلاً إلى الضحايا والفئات الأكثر هشاشة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print