منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حزب العمال تخلى عن الرسالة التي أوصلته إلى السلطة… وبإمكان آندي بورنهام إحياؤها

28 يونيو 2026
كل جنيه إسترليني من الأموال العامة التي تنفق على صافي انبعاثات صفرية تحقق عائداً يتراوح بين 2.20 و 4.10 جنيه إسترليني
كل جنيه إسترليني من الأموال العامة التي تنفق على صافي انبعاثات صفرية تحقق عائداً يتراوح بين 2.20 و 4.10 جنيه إسترليني

ماريانا ماتسوكاتو

مع تنحي كير ستارمر عن رئاسة الوزراء واتجاه الأنظار نحو آندي بورنهام، لا ينبغي اختزال هذه اللحظة في مجرد تبدل للأسماء أو صراع بين الشخصيات، فالقضية الحقيقية هي الاستراتيجية، وما يزال أمام حزب العمال ثلاث سنوات لتصحيح المسار.

عندما حقق الحزب انتصاره الكاسح في يوليو/تموز 2024، لم يفز على أساس وعود تقليدية، بل تعهد بنمط جديد من الحكم يقوم على خمس مهام وطنية لمعالجة أعمق التحديات الهيكلية التي تواجه المملكة المتحدة، من التحول إلى الطاقة النظيفة وصولاً إلى مكافحة فقر الأطفال. وقد استُلهم هذا النهج من كتابي Mission Economy؛ لأنه قدّم الإجابة الصحيحة عن سؤال جوهري: ما الغاية من الاقتصاد، ولماذا ينبغي أن ينعكس أثره على حياة الناس اليومية؟ فالحكم القائم على المهام ليس مجرد شعار سياسي، بل منهج أثبت نجاحه في مواجهة أكبر التحديات المجتمعية، مع توفير وظائف جيدة وتحقيق نمو اقتصادي أكثر صلابة في الوقت نفسه.

لقد ساعد هذا النهج حكومات عديدة حول العالم على تحديد أهدافها وتحقيقها، بدءاً من تعزيز الإنتاج المحلي للتقنيات الصحية في البرازيل، وصولاً إلى دعم التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية في باربادوس. والمملكة المتحدة تمتلك بدورها نماذج ناجحة يمكن البناء عليها، من مشاريع تطوير أحياء صحية ومستدامة في مجلس بلدية كامدن بلندن، إلى جعل النمو الأخضر محور الاستراتيجية الاقتصادية لمدينة مانشستر، وهي التجربة التي أسهمتُ في تقديم المشورة بشأنها إلى آندي بورنهام وهيئة مانشستر الكبرى منذ عام 2018.

لكن مع تشكل حكومة ستارمر، بدأ هذا المسار يفقد بوصلته. فتحولت أجندة «المهام» إلى مجرد أداة للتواصل السياسي، بدلاً من أن تكون الإطار الذي تُدار من خلاله الحكومة. ووحدة تنفيذ المهام التي أُنشئت داخل مكتب مجلس الوزراء لتنسيق العمل بين الوزارات لم تعش طويلاً؛ إذ أُلغيت في خريف 2025، ليحل محلها فريق داخل مقر رئاسة الوزراء يركز على ثلاث أولويات قصيرة الأجل: تقليص قوائم انتظار هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وتشديد أمن الحدود، ومواجهة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي الوقت نفسه، أخفقت وزارة الخزانة في مواءمة قواعدها المالية وآليات مراجعة الإنفاق مع أهداف هذه المهام. أما الاستراتيجية الصناعية، فقد عادت إلى النهج القديم القائم على اختيار ثمانية قطاعات توصف بأنها «عالية النمو»، وهو أسلوب مجزأ يقوم على انتقاء الفائزين مسبقاً ويتناقض مع جوهر فكرة المهام. وزادت الحكومة الأمر سوءاً عندما اعتبرت النمو الاقتصادي مهمة مستقلة بحد ذاته، والحقيقة أن النمو ليس مهمة، بل نتيجة طبيعية لمهام مصممة بإحكام تحشد الاستثمارين العام والخاص حول أهداف مشتركة.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار حدوث بعض التقدم. فبعد أن طالبتُ، إلى جانب عدد من الاقتصاديين، بإحداث نقلة نوعية في الاستثمار العام، أجرت راشيل ريفز تعديلات على القواعد المالية بحيث أصبح التقييم يأخذ في الاعتبار ما تمتلكه الدولة، لا ما تدين به فقط، وهو ما وفر صورة أكثر دقة عن الاستدامة المالية للمملكة المتحدة. كما أنشأت الحكومة مؤسسات تمويل عامة جديدة، منها «الصندوق الوطني للثروة» و«بريتيش إنرجي». وقد أثمرت هذه الخطوات، خصوصاً في مهمة الطاقة النظيفة، إذ ارتفعت إسهامات مصادر الطاقة منخفضة الكربون في إنتاج الكهرباء إلى 73.3% خلال عام 2025، مقارنة بـ60.3% في عام 2023.

غير أن استكمال أجندة المهام الحكومية يتطلب تحولاً أعمق في بنية الدولة، وهو التحول الذي لم يتحقق بعد. وهذا هو التحدي الذي سيرثه آندي بورنهام. ويوضح التقرير الجديد الصادر هذا الشهر عن معهد الابتكار والغاية العامة في كلية لندن الجامعية الذي شرفتُ بتأسيسه وإدارته، بعنوان «من الحديث عن المهام إلى تنفيذها»، أن النجاح يتطلب خمسة تغييرات رئيسية.

أول هذه التغييرات هو اعتماد نهج حكومي حقيقي تتكامل فيه جميع مؤسسات الدولة وتتحرك في اتجاه واحد. وهذا يقتضي إعادة إنشاء وحدة مركزية للتنسيق تتمتع بصلاحيات فعلية، لا أن تكون مجرد جهة للمتابعة، بل محرك للتنفيذ يحظى بالدعم الكامل من رئاسة الوزراء ومكتب مجلس الوزراء ووزارة الخزانة. ويمكن للمملكة المتحدة أن تستفيد من تجربة البرازيل، حيث جعل الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا مواجهة الأزمة البيئية محوراً لعمل الرئاسة وللأجندة الاقتصادية بأكملها. كما ينبغي إعادة تصميم الاستراتيجية الصناعية بحيث تتمحور حول التحديات المطلوب حلها، مثل الصحة أو المياه النظيفة، بدلاً من الاقتصار على دعم قطاعات بعينها، لتصبح المهام في صميم السياسة الاقتصادية لا على هامشها.

أما التغيير الثاني، فهو المضي في إصلاح القواعد المالية لتشجيع الاستثمار طويل الأجل. فحتى مكتب مسؤولية الموازنة يقر في تحليلاته بأن زيادة الاستثمار العام بنسبة 1% يمكن أن تحقق عائداً يبلغ 8.7% للاقتصاد خلال عشر سنوات، وهي مكاسب لا تنعكس بالشكل الكافي في قرارات الإنفاق الحكومية. والأمر نفسه ينطبق على استثمارات الوصول إلى الحياد الكربوني، إذ إن كل جنيه إسترليني تنفقه الدولة يحقق عائداً يتراوح بين 2.20 و4.10 جنيه. ولهذا يجب إعادة تصميم الإطار المالي بحيث يقيس صافي ثروة القطاع العام، ومنه قيمة البنية التحتية والإسكان والأراضي، مع تمديد أفق التخطيط المالي من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات.

وثالثاً، ينبغي أن تنسجم أدوات السياسة العامة ومؤسساتها مع فلسفة المهام. فالمشتريات الحكومية التي تبلغ قيمتها 341 مليار جنيه إسترليني سنوياً، ما تزال واحدة من أقوى الأدوات وأكثرها إهمالاً. وعندما تُدار وفق نهج قائم على المهام، لا يعود الهدف شراء الأرخص، بل تحقيق أفضل النتائج للمجتمع. وبالمثل، يجب تمكين مؤسسات التمويل العامة، مثل الصندوق الوطني للثروة، لتكون المستثمر الأول في المشروعات المبتكرة المنسجمة مع المهام الحكومية، بدلاً من الاكتفاء بدور المقرض الأخير الذي يتدخل فقط عندما يعزف القطاع الخاص عن الاستثمار. فالأدوات موجودة بالفعل، وما ينقصها هو طموح أكبر في استخدامها.

أما التغيير الرابع، فهو أن تسريع تنفيذ المهام يتطلب دولة تمتلك القدرات اللازمة. وقد أوضحت في كتابي The Big Con كيف أدى الاعتماد المفرط على شركات الاستشارات على مدى عقود إلى إضعاف قدرة الخدمة المدنية على توجيه الاقتصاد، والتفاوض مع قطاع الأعمال، وصياغة شروط الاستثمار، بدلاً من الاكتفاء بتسهيل أنشطة القطاع الخاص. وتُعد القاعدة الجديدة التي اعتمدتها الحكومة، والتي تفرض اختبار ما إذا كان يمكن تنفيذ الخدمة داخل القطاع العام قبل إسنادها إلى شركات خاصة، خطوة مشجعة. لكن المطلوب أبعد من ذلك، عبر مراجعة شاملة للمهارات والقدرات والثقافة المؤسسية داخل القطاع العام، حتى يصبح قادراً على تنفيذ سياسات تحولية حقيقية.

نقلاً عن الجارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print