لم تكن المهاجرة الكاميرونية سيلين تتوقع أن تتحول رحلة بحثها عن مكان أكثر أماناً إلى لحظة تصارع فيها الموت، ففي يونيو 2023 اعترض خفر السواحل التونسي القارب الخشبي الذي كانت تستقله بعد انطلاقه من المنطقة الشرقية لصفاقس، وكان على متنه نساء وأطفال.
تقول سيلين في شهادة وثّقتها منظمة العفو الدولية إن عناصر من خفر السواحل ضربوا القارب بعصي طويلة ذات أطراف حادة حتى ثقبوه، فيما كانت امرأتان وثلاثة أطفال على الأقل من دون سترات نجاة، مؤكدة مشاهدتها أشخاصا يغرقون قبل أن تختفي أجسادهم عن الأنظار.
قصة سيلين واحدة من شهادات جمعتها المنظمة ضمن بحث أجرته بين فبراير/ شباط 2023 ويونيو/ حزيران 2025 وشمل 120 لاجئا ومهاجرا من نحو 20 دولة، ووثقت خلال الفترة بين يونيو/حزيران 2023 ومايو 2025 ما لا يقل عن 70 عملية طرد جماعي شملت أكثر من 11,500 لاجئ ومهاجر، غالبيتهم من السود، إلى جانب الاعتقال والاحتجاز التعسفيين والتنميط العنصري والعنف وسوء المعاملة.
هذه الوقائع تضع الحماية القانونية للمهاجرين في تونس أمام اختبار التطبيق، ففي بلد يملك قانوناً خاصاً لمناهضة التمييز العنصري، يواجه مهاجرون، خصوصاً القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، مخاطر تبدأ بالتمييز والاستغلال وتمتد -وفق توثيق حقوقي- إلى العنف والطرد الجماعي وتعطل الوصول إلى اللجوء.
حماية قانونية واختبار التطبيق
أصدرت تونس عام 2018 القانون الأساسي رقم 50 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والذي يعرف التمييز بأنه كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، يؤدي إلى تعطيل أو عرقلة أو حرمان الشخص من التمتع بحقوقه وحرياته على قدم المساواة.
ولا يكتفي القانون بتجريم التمييز، بل يلزم الدولة بوضع سياسات واستراتيجيات للوقاية منه ومكافحة القوالب النمطية ونشر ثقافة حقوق الإنسان والمساواة والتسامح وقبول الآخر.
وينص الفصل 23 من دستور تونس الصادر عام 2022 على أن المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وأمام القانون دون تمييز، فيما ينص الفصل 25 على حماية كرامة الإنسان وحرمة الجسد ومنع التعذيب المعنوي والمادي.
لكن اختبار هذه الحماية يصبح أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المهاجرين غير النظاميين، إذ تجعل هشاشة أوضاعهم القانونية بعضهم أكثر عرضة للاستغلال وأقل قدرة على الوصول إلى الجهات المختصة عند تعرضهم للانتهاك.
وتونس طرف في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي تلزم الدول باتخاذ تدابير للقضاء على التمييز وضمان المساواة في التمتع بالحقوق والحريات.
ويضاف إلى ذلك ملف اللجوء، إذ طلبت السلطات التونسية في يونيو 2024 من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وقف تسجيل ومعالجة طلبات اللجوء، وهو ما تقول منظمة العفو الدولية إنه أوقف المسار الوحيد المتاح لتقديم طلبات اللجوء في البلاد.
هشاشة تفتح باب الاستغلال
يقول رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج محمد إقبال بن رجب لـ”صفر”، :”إن القوانين التونسية تبدو من حيث النص داعمة لحقوق المهاجرين والمهمشين“، مشيرا إلى أن تونس كانت من أوائل الدول الإفريقية التي ألغت العبودية، إلا أن الأزمة الأساسية تكمن في صعوبة تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع.
ويرى بن رجب أن الخطاب السياسي خلال السنوات الأخيرة أسهم في زيادة صعوبة أوضاع المهاجرين، خصوصا مع التركيز على أن تونس ليست بلدا لاستقرارهم، بالتوازي مع النظر إليها باعتبارها نقطة عبور نحو أوروبا، لافتا إلى أن الهجرة غير النظامية لا تقتصر على الأفارقة الموجودين في تونس، إذ يتوجه تونسيون أيضا إلى أوروبا ويقيم بعضهم فيها بصورة غير نظامية.
ويربط صعوبة تطبيق القوانين كذلك بالظروف العامة التي تمر بها البلاد والضغوط التي تواجهها منظمات المجتمع المدني، خصوصا العاملة في حقوق المهاجرين ومناهضة التعذيب والدفاع عن الحقوق والحريات، مؤكدا أن هذه الضغوط لا تقتصر على ملف المهاجرين بل تطال نشطاء وصحفيين وفئات أخرى.
وبحسب بن رجب، يواجه المهاجرون غير النظاميين أوضاعا هشة تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال بسبب افتقاد كثير منهم إلى التغطية الاجتماعية والوثائق القانونية، فضلا عن خشيتهم من التوجه إلى الجهات المختصة لتقديم شكاوى ضد من يستغلونهم أو ينتهكون حقوقهم خوفا من إلقاء القبض عليهم.
ويضيف أن الملف ازداد تعقيدا مع الجهود الأوروبية للحد من تدفقات المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء وما يرتبط بها من دعم ومساعدات لتونس، مشيرا إلى أن الحكومة التونسية تشعر بما وصفه بـ”الخذلان” من الجانب الأوروبي بسبب ما تعتبره عدم كفاية الدعم المقدم لها، ما جعل الهجرة قضية تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والحقوقية والأمنية والاقتصادية.
أزمة بأبعاد أمنية وسياسية
في المقابل، يرى الإطار الأمني المباشر بالأمن الوطني والباحث في القانون والعلاقات الدولية عصام الدردوري أن تناول الهجرة في تونس يقتضي النظر إليها باعتبارها قضية تجاوزت أبعادها الاقتصادية والاجتماعية لتأخذ بعدا سياسيا وأمنيا متزايدا في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
ويقول الدردوري لـ”صفر” إن الهجرة لم تعد مرتبطة فقط بتردي الأوضاع الاقتصادية في دول المصدر والبحث عن فرص العمل والعيش الكريم، وإنما أصبحت في حالات عدة متأثرة بتوجهات سياسية لبعض الفاعلين الإقليميين والدوليين وتحولت إلى ورقة ضغط في العلاقات الدولية، مستشهدا بما شهدته أوروبا عقب اندلاع الحرب السورية.
ويضيف أن الموقع الجغرافي لتونس جعلها دولة عبور رئيسية ضمن مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، بينما تمثل دول جنوب الصحراء في الغالب مناطق انطلاق وتبقى الضفة الأوروبية الوجهة النهائية، في ظل نشاط شبكات إجرامية منظمة تدير جانبا من هذه المسارات.
وبحسب الدردوري، أسهم تنامي أعداد المهاجرين بالتزامن مع ما أعلنته السلطات التونسية عن وجود تمويلات أجنبية مشبوهة مرتبطة بالملف، في انتقال الهجرة من قضية اجتماعية واقتصادية إلى ملف ذي أبعاد أمنية ووطنية.
ويشير إلى أن تونس وجدت نفسها أمام تحديين متزامنين، أولهما تنامي أعداد المهاجرين على أراضيها، وثانيهما التزاماتها الدولية وفي مقدمتها مذكرة التفاهم الموقعة مع الاتحاد الأوروبي في يوليو 2023.
ويوضح أن السلطات شددت الرقابة على الحدود البرية وفككت عددا من مخيمات الهجرة غير النظامية، خصوصا في العامرة وجبنيانة بولاية صفاقس خلال عامي 2024 و2025، بالتوازي مع التنسيق مع دول المصدر لدعم العودة الطوعية.
وفي ما يتعلق بالانتهاكات التي قد ترافق ملف الهجرة، خصوصا العنصرية أو سوء المعاملة، يقول الدردوري إن أي تجاوزات فردية لا ينبغي تحميلها للدولة ومؤسساتها بصورة عامة، مشيرا إلى تعامل السلطات الأمنية والقضائية مع وقائع مسجلة في هذا السياق.
ويستشهد بتجربة تونس في استقبال أعداد كبيرة من الليبيين خلال أحداث عام 2011 وموجات النزوح القادمة من الجزائر خلال “العشرية السوداء”، معتبرا أن معالجة ملف الهجرة تتطلب تقليص الفجوة الاقتصادية بين ضفتي المتوسط والحد من توظيف الهجرة كورقة ضغط، إلى جانب استمرار تدريب العاملين في المؤسسات الأمنية والقضائية على قضايا الهجرة وحقوق الإنسان.
ويشير -في هذا السياق- إلى ندوات وأنشطة توعوية تنظمها وزارة الداخلية.
أوروبا في قلب المعادلة
لا تقف القضية عند الحدود التونسية، فمنظمة العفو الدولية ترى أن استمرار تعاون الاتحاد الأوروبي مع تونس في مجال ضبط الهجرة من دون ضمانات فعالة لحقوق الإنسان يعرضه لخطر التواطؤ في انتهاكات جسيمة، ويؤدي إلى محاصرة مزيد من الأشخاص في أوضاع تعرض حياتهم وحقوقهم للخطر.
وقبل نشر تقريرها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، قالت المنظمة إنها شاركت نتائج بحثها مع السلطات التونسية والاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء فيه والسلطات الليبية، لكنها لم تتلقَ رداً حتى موعد النشر.
وبين قانون يجرم التمييز العنصري وواقع توثق فيه منظمة حقوقية الطرد الجماعي والعنف وسوء المعاملة، تنتقل القضية من سؤال وجود الحماية في النصوص إلى إمكانية الوصول إليها فعليا، فالمهاجر الذي يخشى تقديم شكوى بسبب وضعه القانوني، وطالب اللجوء الذي أُغلق أمامه مسار التسجيل، لا يختبران القانون بما كُتب فيه، بل بما يستطيعان الحصول عليه من حماية. وهنا تكمن الفجوة الحقوقية الأوسع: بين حق تكفله النصوص وحماية قد لا يصل إليها صاحب الحق حين يكون في أمس الحاجة إليها.
