تتواصل موجة الغضب والاحتجاجات في الولايات المتحدة على خلفية أوضاع المهاجرين داخل مراكز الاحتجاز التابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، بعدما خرج عشرات المتظاهرين أمام مركز احتجاز في ولاية نيوجيرسي للمطالبة بإغلاق المنشأة والإفراج عن المحتجزين، في وقت يخوض فيه عدد من المهاجرين إضراباً عن الطعام احتجاجاً على ما وصفوه بظروف احتجاز غير إنسانية وسوء معاملة متواصل داخل المركز.
احتجاجات متصاعدة
وشهد محيط مركز الاحتجاز في مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي، تظاهرة شارك فيها أكثر من 50 محتجاً، رفعوا خلالها لافتات تطالب بوقف احتجاز المهاجرين وإنهاء ما وصفوه بسياسات فصل العائلات والتعامل القاسي مع المحتجزين، وردد المشاركون هتافات تدعو السلطات الأمريكية إلى احترام حقوق الإنسان وتوفير ظروف احتجاز ملائمة للمهاجرين، مؤكدين أن ما يجري داخل المنشأة يمثل انتهاكاً واضحاً للكرامة الإنسانية.
ووفقاً لما نقلته وكالة رويترز، فإن المحتجين اتهموا إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية بحرمان المحتجزين من الرعاية الطبية الكافية والغذاء المناسب، إلى جانب الإهمال المتكرر لشكاوى المهاجرين الصحية والإنسانية، كما أشار المتظاهرون إلى أن الظروف داخل المركز دفعت العشرات من المحتجزين إلى الدخول في إضراب عن الطعام للاحتجاج والضغط من أجل تحسين أوضاعهم.
رسالة استغاثة من داخل المركز
وجاءت الاحتجاجات بعد أسابيع من تسريب رسالة مفتوحة وقعها نحو 300 محتجز داخل المركز خلال شهر مايو الجاري، وُجهت إلى منظمات حقوقية وجهات مدافعة عن حقوق المهاجرين، وتحدث الموقعون في الرسالة عن تعرضهم لما وصفوه بسوء المعاملة والإهمال، مؤكدين أنهم يواجهون ظروفاً صعبة داخل المنشأة، تشمل نقص الرعاية الصحية والطعام غير الكافي، فضلاً عن حالة من القلق النفسي المستمر بسبب طول فترات الاحتجاز وعدم وضوح مصيرهم القانوني.
وأكد عدد من النشطاء المشاركين في الاحتجاجات أن الرسالة كشفت جانباً من المعاناة اليومية التي يعيشها المهاجرون داخل مراكز الاحتجاز، معتبرين أن ما يحدث يتطلب تدخلاً عاجلاً من السلطات الفيدرالية والمنظمات الحقوقية الدولية لضمان احترام حقوق المحتجزين الإنسانية والقانونية.
تحرك من أعضاء الكونغرس
وفي تطور لافت، زار عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي في الكونغرس الأمريكي مركز الاحتجاز الاتحادي في نيوجيرسي، في خطوة هدفت إلى الاطلاع على أوضاع المحتجزين والتحقق من التقارير المتداولة بشأن الإضراب عن الطعام والانتهاكات داخل المنشأة.
وقال النائب الديمقراطي أدريانو إسبايلات، عقب جولة داخل مركز “ديلاني هول”، إن عدداً من المحتجزين أكدوا له رفضهم تناول الطعام احتجاجاً على ما وصفه بالظروف غير الإنسانية داخل المركز، وأضاف أن استمرار هذه الأوضاع أمر غير مقبول، متعهداً بالعمل على إغلاق المنشأة ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة بحق المحتجزين.
كما انضم النائبان الديمقراطيان جيري نادلر ودان جولدمان إلى المتظاهرين وعائلات المحتجزين خارج المركز، حيث أكدا ضرورة فتح تحقيق شفاف حول أوضاع الاحتجاز والتأكد من التزام السلطات الأمريكية بالمعايير الإنسانية والقانونية في التعامل مع المهاجرين.
توتر في محيط المنشأة
وشهدت الاحتجاجات توتراً محدوداً مع عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية الذين انتشروا في محيط المركز لتأمين المنشأة ومنع أي محاولات لاقتحامها أو تعطيل عملها، وذكرت وسائل إعلام محلية أن بعض المحتجين حاولوا الاقتراب من بوابات المركز للمطالبة بالسماح لهم بالتواصل مع المحتجزين أو معرفة أوضاعهم الصحية، ما أدى إلى احتكاكات كلامية مع عناصر الأمن.
ورغم التوتر، استمرت التظاهرة لساعات وسط دعوات متزايدة من منظمات المجتمع المدني بضرورة إنهاء سياسات الاحتجاز المطولة للمهاجرين، خاصة بالنسبة للأسر وطالبي اللجوء الذين ينتظرون البت في ملفاتهم القانونية.
انتقادات لسياسات الهجرة
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية انتقادات متكررة من جماعات حقوق الإنسان بسبب أوضاع مراكز احتجاز المهاجرين المنتشرة في عدة ولايات أمريكية، وتقول منظمات حقوقية إن كثيراً من هذه المراكز يعاني من الاكتظاظ وضعف الخدمات الصحية والنفسية، إضافة إلى طول فترات الاحتجاز التي قد تمتد لأشهر بالنسبة لبعض المهاجرين.
كما يرى منتقدو سياسات الهجرة الحالية أن الاعتماد المتزايد على مراكز الاحتجاز أدى إلى تفاقم معاناة آلاف المهاجرين، خصوصاً الفارين من الأزمات الاقتصادية أو الصراعات السياسية في بلدانهم الأصلية، ويؤكد هؤلاء أن الحلول يجب أن تركز على بدائل إنسانية تضمن متابعة الملفات القانونية للمهاجرين دون احتجازهم في ظروف قاسية.
في المقابل، تدافع السلطات الأمريكية عن مراكز الاحتجاز باعتبارها جزءاً من آليات تنظيم الهجرة وضمان تنفيذ القوانين الفيدرالية، مؤكدة أنها تلتزم بالمعايير الصحية والأمنية المعمول بها، إلا أن التقارير المتكررة بشأن الانتهاكات وسوء المعاملة ما تزال تثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحقوقية الأمريكية.
وتعد قضية احتجاز المهاجرين من أكثر الملفات إثارة للجدل في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تزايد أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء القادمين من أمريكا اللاتينية ودول أخرى تشهد اضطرابات سياسية واقتصادية، وتعتمد السلطات الأمريكية على شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز التابعة لإدارة الهجرة والجمارك لاحتجاز المهاجرين الذين ينتظرون جلسات المحاكمة أو قرارات الترحيل، وقد تعرضت هذه المراكز مراراً لانتقادات من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بسبب تقارير تتعلق بالاكتظاظ وسوء الرعاية الصحية والانتهاكات النفسية والإنسانية، كما شهدت السنوات الماضية احتجاجات متكررة وإضرابات عن الطعام داخل بعض المنشآت، في ظل مطالب متزايدة بإصلاح نظام الهجرة الأمريكي وتبني سياسات أكثر إنسانية تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء.
