منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بلجيكا تقلّص شبكة إيواء طالبي اللجوء وسط تحذيرات من أزمة إنسانية في بروكسل

22 يوليو 2026
مركز لإيواء المهاجرين وطالبي اللجوء في بلجيكا
مركز لإيواء المهاجرين وطالبي اللجوء في بلجيكا

أثار قرار الحكومة البلجيكية تقليص شبكة الإيواء الطارئ لطالبي اللجوء موجةً واسعةً من القلق داخل الأوساط الإنسانية، بعدما أعلنت وزيرة اللجوء والهجرة أنلين فان بوسويت إلغاء 700 مكان إضافي في مراكز الإيواء، ليرتفع إجمالي الأماكن التي قررت الحكومة إغلاقها خلال أسابيع قليلة إلى ألف مكان.

 وأشعل القرار مخاوف من عودة مشاهد التشرد والمخيمات العشوائية في العاصمة بروكسل، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن تراجع أعداد طالبي اللجوء يبرر إعادة هيكلة منظومة الاستقبال.

قرار وزيرة اللجوء والهجرة جاء بعد إعلان سابق في نهاية يونيو الماضي بإلغاء 300 مكان إيواء، بينما يبدأ تنفيذ التقليص الجديد تدريجيًا بين الأول من أغسطس والأول من سبتمبر، ضمن مراجعة حكومية لبرنامج الإيواء الطارئ الذي أطلقته السلطات البلجيكية عام 2022 لمواجهة أزمة استقبال طالبي اللجوء.

الحكومة تربط القرار بتراجع طلبات اللجوء

أكدت وزيرة اللجوء والهجرة البلجيكية أنلين فان بوسويت أن الحكومة اتخذت قرار تقليص مراكز الإيواء بعد انخفاض عدد طلبات الحماية الدولية خلال الأشهر الماضية، مشيرة إلى أن هذا التراجع يسمح باستقبال عدد أكبر من طالبي اللجوء داخل شبكة الإيواء الدائمة التابعة لوكالة فيداسيل، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تقليص أعداد الأشخاص الموجودين على قوائم الانتظار في بلجيكا.

وأوضحت الوزيرة أن بيانات مفوضية شؤون اللاجئين وعديمي الجنسية في بلجيكا أظهرت تسجيل 34439 طلب حماية دولية خلال عام 2025، بانخفاض نسبته 13 بالمئة مقارنة بعام 2024، وتراجع بنسبة 3 بالمئة مقارنة بعام 2023.

وأضافت أن عدد الأشخاص الذين ينتظرون الحصول على مكان داخل مراكز الاستقبال انخفض إلى نحو 1300 شخص، بعدما بلغ قرابة 3000 شخص خلال عام 2024.

منظمات إنسانية تعترض على التقليص

رفضت المنظمات الإنسانية العاملة في بلجيكا مبررات الحكومة، وأكدت أن منظومة الإيواء لا تزال تعمل عند حدودها القصوى، وأن تقليص القدرة الاستيعابية في هذا التوقيت قد يدفع مئات الأشخاص إلى البقاء في الشوارع دون مأوى.

وأعلنت منظمة ساموسيال البلجيكية أن نحو 40 بالمئة من أماكن الإيواء التي تديرها تعتمد بصورة مباشرة على التمويل الفيدرالي الذي وفره اتفاق بروكسل عام 2022، مؤكدة أن تقليص هذا التمويل خلال فترة قصيرة سيؤثر بصورة مباشرة في قدرة المنظمة على استقبال الأشخاص الأكثر احتياجًا.

وأضافت المنظمة أن مراكزها تواجه ضغوطًا يومية بسبب ارتفاع الطلب على خدمات الإيواء، مشيرة إلى أن العاملين يضطرون باستمرار إلى رفض طلبات بسبب امتلاء المراكز وعدم توفر أسرّة كافية لاستقبال الجميع.

أرقام تكشف حجم الضغط

كشفت منظمة ساموسيال أن فرقها اضطرت في يوم 17 يوليو وحده إلى رفض استقبال 78 رجلًا من أصل 132 طلبًا، إضافة إلى رفض استقبال 6 نساء من أصل 42 طلبًا، و55 شخصًا من العائلات من أصل 83 طلبًا، بسبب عدم توفر أماكن شاغرة.

وأكدت المنظمة أن هذه الأرقام تعكس استمرار الضغط على شبكة الإيواء، رغم تراجع عدد طلبات اللجوء مقارنة بالأعوام السابقة، موضحة أن انخفاض أعداد الوافدين لا يعني انتهاء أزمة الاستقبال، لأن المراكز الحالية تستقبل أيضًا أشخاصًا ما زالت طلباتهم قيد الدراسة وآخرين يواجهون أوضاعًا إنسانية معقدة.

مخاوف من عودة المخيمات

حذّرت منصة بيل ريفيوجيز، التي تضم عددًا من الجمعيات المدنية الداعمة للاجئين، من أن تقليص ألف مكان إيواء خلال فترة زمنية قصيرة قد يؤدي إلى عودة المخيمات العشوائية في شوارع بروكسل، معتبرة أن الحكومة تجاهلت واقع الميدان ولم تجر مشاورات كافية مع الجهات التي تدير مراكز الإيواء.

وأكدت المنصة أن استمرار وجود نحو 1300 شخص على قوائم الانتظار يثبت أن منظومة الاستقبال لم تتجاوز مرحلة الضغط، بل ما زالت تحتاج إلى دعم إضافي بدلاً من تقليص قدرتها الاستيعابية.

وأشارت المنصة إلى أن بروكسل شهدت خلال السنوات الماضية تكرار مشاهد نوم طالبي اللجوء في الشوارع وأمام مباني التسجيل الرسمية، بعدما عجزت مراكز الإيواء عن استيعاب جميع الوافدين، وهو ما أثار انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية والمؤسسات الأوروبية.

أزمة التشرد تثير القلق

أعربت المديرة العامة لمنظمة ساموسيال، ساره دو ليامشين، عن خشيتها من أن يؤدي القرار الحكومي إلى تفاقم أوضاع الأشخاص الأكثر ضعفًا، مؤكدة أن العاصمة البلجيكية قد تواجه أزمة إنسانية جديدة إذا فقد مئات الأشخاص أماكن إقامتهم خلال الأسابيع المقبلة.

وأضافت أن بروكسل لا تمتلك بدائل كافية لتعويض الأماكن التي ستغلق، محذرة من عودة الخيام والمخيمات العشوائية إلى الفضاء العام، وهو ما قد يفاقم أوضاع طالبي اللجوء ويزيد الضغوط على الخدمات الاجتماعية والصحية في المدينة.

جدل بين إدارة الهجرة والاعتبارات الإنسانية

يعكس الجدل الدائر في بلجيكا التحدي الذي تواجهه الحكومات الأوروبية في تحقيق التوازن بين إدارة أنظمة اللجوء وضمان الحقوق الأساسية لطالبي الحماية الدولية، وتؤكد الحكومة أن تراجع أعداد الطلبات يسمح بإعادة تنظيم شبكة الاستقبال، بينما ترى المنظمات الإنسانية أن استمرار وجود مئات الأشخاص دون مأوى يفرض الإبقاء على مراكز الإيواء الحالية حتى زوال أسباب الأزمة بالكامل.

ويحذّر العاملون في المجال الإنساني من أن أي تقليص سريع في خدمات الاستقبال قد يؤدي إلى زيادة أعداد المشردين، ويخلق أوضاعًا معيشية قاسية للفئات الأكثر هشاشة، خاصة العائلات والأشخاص الذين ما زالت طلبات لجوئهم قيد الدراسة.

تجدر الإشارة إلى أن الحكومة البلجيكية أنشأت شبكة الإيواء الطارئ عام 2022 ضمن اتفاق بروكسل، بعدما واجهت البلاد ارتفاعًا كبيرًا في أعداد طالبي اللجوء وعجزًا في مراكز الاستقبال التابعة لوكالة فيداسيل، ووفر البرنامج تمويلًا لنحو 2000 مكان إضافي بهدف منع بقاء طالبي اللجوء في الشوارع وضمان امتثال بلجيكا لالتزاماتها القانونية بموجب التشريعات الأوروبية والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية اللاجئين.

 وخلال الأعوام الأخيرة تعرضت بلجيكا لانتقادات من منظمات حقوق الإنسان والمحاكم الوطنية بسبب عدم توفير أماكن إيواء لجميع طالبي اللجوء، بينما تؤكد الحكومة الحالية أن انخفاض طلبات الحماية الدولية يتيح تقليص شبكة الإيواء الاستثنائية، في حين ترى المنظمات الإنسانية أن استمرار قوائم الانتظار وارتفاع أعداد الأشخاص الذين يفتقرون إلى المأوى يستدعي الحفاظ على الطاقة الاستيعابية الحالية لتجنب تفاقم الأزمة الإنسانية في العاصمة بروكسل.