منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

يزيد أعداد المشردين.. أزمة حقوقية في فرنسا بعد إغلاق مركز إيواء

09 مايو 2026
غضب حقوقي في فرنسا بععد قرار إغلاق مأوى للاجئين
غضب حقوقي في فرنسا بععد قرار إغلاق مأوى للاجئين

أثار قرار محافظة منطقة باريس إغلاق مركز GL Events Center في شمال العاصمة الفرنسية موجة انتقادات واسعة من جمعيات دعم المهاجرين ومنتخبين محليين، وسط مخاوف من أن يؤدي الإغلاق إلى زيادة أعداد المشردين في باريس، في وقت تعاني فيه منظومة الإيواء الطارئ من ضغط متزايد.

المركز الذي افتُتح عام 2022 في حي بورت دولافيليت بالدائرة 19، كان واحداً من أكبر مراكز استقبال المهاجرين واللاجئين في العاصمة، وضم في مراحل مختلفة لاجئين أوكرانيين ومهاجرين من جنسيات متعددة.

وبينما تقول السلطات إن القرار يأتي ضمن إعادة تنظيم منظومة الإيواء الطارئ في منطقة إيل دو فرانس، ترى جمعية Utopia 56 أن الإغلاق قرار تعسفي وغير مسؤول، خصوصاً أنه يطول مئات الأماكن في مدينة تشهد ارتفاعاً مستمراً في أعداد من يعيشون في الشارع.

مركز محوري

افتُتح المركز عام 2022 في البداية استجابة طارئة مرتبطة بأزمة كوفيد-19، ثم تحول سريعاً إلى مركز استقبال للاجئين الأوكرانيين بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، قبل أن يستقبل لاحقاً أشخاصاً في أوضاع هشة من جنسيات مختلفة.

وبحسب الأرقام الرسمية الواردة، مرّ عبر المركز نحو 23 ألف شخص منذ افتتاحه، وتمت إعادة توجيه قرابة 14 ألفاً منهم إلى حلول إيواء دائم داخل المنطقة الباريسية، في حين نُقل آخرون إلى مناطق فرنسية مختلفة.

هذه الأرقام توضح أن المركز لم يكن مجرد مساحة إيواء مؤقتة، بل كان نقطة عبور رئيسية داخل منظومة استقبال المهاجرين واللاجئين في باريس، خصوصاً في لحظات الضغط الإنساني المرتبطة بالنزوح والحرب والتشرد.

قرار الإغلاق

أعلنت محافظة باريس، يوم الأربعاء 29 أبريل الماضي، الإغلاق النهائي للمركز الذي تبلغ قدرته الاستيعابية نحو 400 مكان. ويدخل القرار حيّز التنفيذ مع بداية مايو 2026.

وتبرر السلطات القرار بأن “الإطار الطارئ” الذي سمح بفتح المركز لم يعد قائماً، وأن اللاجئين الأوكرانيين بات بإمكانهم اليوم تقديم طلبات لجوء أو الاستفادة من نظام الإيواء العام، بدل استمرار التعامل معهم ضمن آلية استثنائية.

كما أشارت المحافظة إلى أن استمرار عقد تشغيل المركز مع الشركة المسيرة لم يعد ممكناً من الناحية القانونية، معتبرة أن الإغلاق جزء من إعادة تنظيم أوسع لمنظومة الإيواء الطارئ في منطقة إيل دو فرانس.

موقف السلطات

تؤكد محافظة إيل دو فرانس أن إغلاق المركز لا يعني خفضاً في القدرة الإجمالية للإيواء داخل المنطقة، مشيرة إلى أن العدد العام لأماكن الإيواء سيظل ثابتاً. كما أعلنت عن إنشاء 200 مكان جديد في باريس، من دون تحديد جدول زمني واضح لافتتاحها.

وتقول السلطات إن جميع الأشخاص المتبقين في المركز جرى توجيههم إلى حلول بديلة، موضحة أنه عُرضت حلول إيواء على 211 شخصاً، وقبل 128 شخصاً منها، في حين لا يزال نحو 80 شخصاً، معظمهم من غير الأوكرانيين، داخل الموقع أو في محيطه، مع استمرار البحث عن حلول لهم.

وبالنسبة للمحافظة، فإن إعادة توزيع مراكز الإيواء على مدن مثل روان وأنجيه وبورج تهدف إلى تحقيق “توازن جغرافي” أفضل، وتقليل الضغط على باريس مقارنة ببقية المناطق الفرنسية.

انتقادات حقوقية

في المقابل، ترى جمعية Utopia 56 أن القرار أحادي الجانب وتعسفي، وأن إغلاق مركز يضم أكثر من 400 مكان من دون ضمان بدائل مماثلة سيؤدي عملياً إلى دفع مزيد من الأشخاص نحو الشارع.

وتعد الجمعية المقترحات المقدمة للمقيمين، خصوصاً التوجيه إلى مراكز مؤقتة في مناطق أخرى، لا تراعي الروابط الاجتماعية والإدارية التي بناها هؤلاء الأشخاص في باريس، سواء على مستوى العمل أو التعليم أو المتابعة الصحية والقانونية.

وتحذر الجمعية من أن نقل الأشخاص خارج العاصمة قد يؤدي إلى تفكيك مسارات استقرار هشة، خصوصاً لمن لديهم أطفال في المدارس، أو مواعيد إدارية، أو وظائف، أو ارتباطات علاجية وقانونية قائمة داخل باريس.

تشرد متزايد

قال ناثان لوكو، منسق فرع باريس في جمعية Utopia 56، إن قرار الإغلاق “خطير للغاية وغير مسؤول وقاسٍ”، خصوصاً في سياق يتزايد فيه التشرد داخل العاصمة الفرنسية.

وبحسب لوكو، شهدت باريس ارتفاعاً في عدد المشردين بنسبة 10% مقارنة بالعام السابق، ما يجعل إلغاء مئات أماكن الإيواء خطوة غير منطقية في هذا التوقيت.

ويشير إلى أن المركز لا يستقبل الأوكرانيين فقط، بل يضم أو يستقبل أشخاصاً من جنسيات متعددة، بينهم إيفواريون، وغينيون، وكونغوليون، وأفغان، إلى جانب مواطنين فرنسيين، ما يجعل الإغلاق مؤثراً في طيف واسع من الفئات الهشة.

بدائل مؤقتة

تدافع السلطات عن نقل بعض المقيمين إلى مراكز في مدن أخرى باعتباره حلاً لإعادة توزيع العبء خارج باريس، لكن المنتقدين يرون أن هذه المراكز مؤقتة بطبيعتها، ولا توفر استقراراً حقيقياً.

وبحسب جمعية Utopia 56، قد يجد بعض الأشخاص أنفسهم في الشارع مجدداً بعد أسابيع قليلة من نقلهم، وهو ما تعده الجمعية إخلالاً بمبدأ استمرارية الإيواء الطارئ الذي يفترض أن يضمن عدم إخراج الأشخاص من الحماية من دون حل بديل مستقر.

وتربط الجمعية هذه الآلية بسياسات بدأت تظهر بوضوح منذ التحضير للألعاب الأولمبية في باريس، حين تزايد استخدام نقل المشردين والمهاجرين إلى مراكز خارج العاصمة لتخفيف حضورهم في الفضاء العام الباريسي.

مخاوف إدارية

من أبرز المخاوف التي أثارتها الجمعية أن بعض مراكز الاستقبال المؤقتة في الأقاليم قد تتحول، بالنسبة للأشخاص غير النظاميين، إلى “فخ إداري”.

وتقول الجمعية إن بعض الأشخاص تلقوا أوامر بمغادرة الأراضي الفرنسية، المعروفة اختصاراً بـOQTF، بعد خروجهم من هذه المراكز، وهو ما يثير قلقاً من أن تتحول حلول الإيواء المؤقتة إلى بوابة لإجراءات ترحيل بدل أن تكون مسار حماية اجتماعية.

هذا البعد يزيد من رفض بعض المقيمين مغادرة المركز؛ لأنهم لا يرون في النقل حلاً آمناً، بل احتمال لفقدان الروابط التي بنوها في باريس، أو الدخول في إجراءات إدارية قد تزيد وضعهم هشاشة.

روابط مهددة

لا يتعلق الاعتراض على الإغلاق بمكان النوم فقط، بل بشبكة حياة كاملة تكوّنت حول المقيمين. فبعضهم لديه أطفال مسجلون في مدارس باريس، وآخرون لديهم أعمال أو مواعيد علاجية أو متابعات قانونية وإدارية.

النقل المفاجئ إلى مدن أخرى قد يعني فقدان هذه الروابط دفعة واحدة، وهو ما يضع الأشخاص أمام خيارين قاسيين: قبول الانتقال إلى مكان لا يضمن لهم الاستقرار، أو البقاء في باريس من دون مأوى.

ومن هذا المنظور، ترى الجمعيات أن القرار يتعامل مع الإيواء بوصفه مسألة أرقام وتوزيع جغرافي، في حين يتجاهل الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والقانونية لحياة الأشخاص المعنيين.

تحرك احتجاجي

نظمت جمعية Utopia 56 وقفة أمام مركز GL Events Center صباح الخميس 30 أبريل 2026، للتنديد بقرار الإغلاق والمطالبة بتعويض الأماكن الملغاة بأماكن مماثلة داخل باريس أو قربها.

وشارك في التحرك عدد من المنتخبين المحليين في باريس، بينهم مستشارون ونواب، وجّهوا دعوات إلى وزير الداخلية والمحافظ لإعادة النظر في القرار، أو على الأقل ضمان حلول إيواء فعلية لجميع المتضررين.

ويعكس هذا التحرك انتقال القضية من ملف إداري إلى قضية سياسية ومحلية أوسع، تتعلق بسياسات الدولة تجاه التشرد والهجرة وتوزيع مراكز الإيواء بين العاصمة وبقية المناطق.

طعن قضائي

بالتوازي مع الاحتجاج، قُدم طعن مستعجل أمام المحكمة الإدارية في باريس عند الساعة 11:30 صباحاً للطعن في قرار الإغلاق والمطالبة بتوفير حلول إيواء لجميع المعنيين.

ويمثل هذا الطعن محاولة لاختبار مدى قانونية القرار، خصوصاً فيما يتعلق بمبدأ استمرارية الإيواء الطارئ، ومدى كفاية البدائل التي طرحتها السلطات، وحقوق الأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم بلا مأوى بعد إغلاق المركز.

وتكشف قضية مركز GL Events Center عن أزمة أعمق في سياسة الإيواء الفرنسية. فمن جهة، تقول الدولة إنها تحاول إعادة تنظيم المنظومة وتحقيق توازن بين باريس وبقية المناطق.

ومن جهة أخرى، ترى الجمعيات أن هذه السياسة تتحول عملياً إلى نقل للمشكلة بدل حلها، خصوصاً عندما لا تكون البدائل مستقرة أو ملائمة.

وتعكس القضية التوتر المستمر بين منطق الإدارة الأمنية والجغرافية للهجرة، ومنطق الحماية الاجتماعية والإنسانية، فالسلطات تتحدث عن عقود تشغيل، وأطر قانونية، وتوازن إقليمي، في حين تتحدث الجمعيات عن أطفال في المدارس، وعمال مهددين بفقدان وظائفهم، ومرضى قد تنقطع متابعتهم، وأشخاص قد يعودون إلى الشارع.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية