في شوارع المدن الكبرى، يقضي ملايين السائقين وعمال التوصيل والعاملين المستقلين ساعات طويلة خلف المقود أو أمام شاشات الهواتف الذكية، ينتظرون إشعارا جديدا من تطبيق رقمي قد يحدد قدرتهم على دفع الإيجار أو شراء الطعام أو تسديد تكاليف العلاج، وبينما تتوسع شركات المنصات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة حول العالم، تتصاعد التحذيرات الحقوقية والأممية من اتساع دائرة العمالة الهشة وغياب الحماية القانونية والاجتماعية للعاملين في الوظائف المؤقتة.
وبحسب تقرير حديث أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان “خوارزميات الاستغلال: انتهاكات الحقوق في اقتصاد العمل المؤقت والنضال العالمي من أجل التغيير”، فإن العاملين عبر المنصات الرقمية يواجهون ساعات عمل طويلة وأجورًا متقلبة ومتناقصة ومخاطر جسيمة على السلامة، في ظل غياب أو ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي والضمانات القانونية.
اقتصاد عالمي يتوسع بسرعة
وأكدت منظمة العمل الدولية أن اقتصاد المنصات الرقمية أصبح من أسرع قطاعات العمل نموا في العالم خلال السنوات الأخيرة، مع تضاعف حجم العمل عبر المنصات تقريبا بين عامي 2016 و2021، كما أشار تقرير للبنك الدولي إلى أن ما يصل إلى 435 مليون شخص حول العالم يحصلون حاليا على دخل من خلال العمل عبر المنصات الرقمية والتطبيقات الإلكترونية، سواء في خدمات النقل أو توصيل الطعام أو العمل الحر عبر الإنترنت.
وأوضح مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، استنادا إلى بيانات البنك الدولي، أن العاملين في الوظائف المؤقتة عبر الإنترنت يمثلون ما بين 4.4 و12.5 بالمائة من القوى العاملة العالمية، مع نمو متسارع منذ جائحة كورونا التي دفعت ملايين الأشخاص نحو الاقتصاد الرقمي والعمل المرن.
ورغم هذا التوسع الضخم، تؤكد منظمة العمل الدولية أن التشريعات العمالية في كثير من الدول لم تواكب التحولات المتسارعة في طبيعة العمل الرقمي، ما جعل ملايين العاملين خارج نطاق الحماية المرتبطة بالحد الأدنى للأجور والتقاعد والإجازات المرضية والتأمين ضد إصابات العمل.
معاهدة دولية مرتقبة
وفي يونيو 2026، تبدأ الحكومات وأطراف العمل داخل منظمة العمل الدولية مفاوضات تاريخية لإعداد أول معاهدة دولية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية، في خطوة وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها أول محاولة عالمية لمعالجة الثغرات القانونية التي يعيشها العاملون في الوظائف المؤقتة.
وقالت لينا سيمت، المستشارة الأولى للعدالة الاقتصادية في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن شركات المنصات بنت نماذجها التجارية على نقل المخاطر والتكاليف إلى العمال، بينما تحافظ الشركات على السيطرة الفعلية على بيئة العمل والأجور وتوزيع المهام.
كما أكد الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، خلال مشاركته في مؤتمر العمل الدولي بجنيف عام 2025، أن إدراج ملف اقتصاد المنصات على جدول أعمال منظمة العمل الدولية يمثل خطوة مهمة نحو اعتماد أول اتفاقية دولية تنظم هذا القطاع المتسارع النمو.
ساعات طويلة وأجور متراجعة
ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش شهادات لعمال منصات رقمية من لبنان وكينيا والمملكة المتحدة وإندونيسيا والمكسيك وباكستان وإيطاليا، كشفت عن أوضاع معيشية ومهنية صعبة تتسم بانعدام الاستقرار المالي وغياب الحماية الاجتماعية.
وقال إبراهيم، وهو سائق يعمل عبر تطبيق أوبر في بيروت، لمنظمة هيومن رايتس ووتش، إن دخله تراجع باستمرار منذ عام 2015، حتى أصبح عاجزا عن تغطية نفقات الحياة اليومية أو دفع رسوم الضمان الاجتماعي، وأضاف أنه فقد مصدر رزقه بالكامل بعد تعرضه لعملية سطو مسلح أثناء العمل، دون أن يتلقى دعما ماليا من الشركة.
وفي نيروبي، نقلت المنظمة عن السائقة أغنيس موانغيرا تعرضها لاعتداء من أحد الركاب، مؤكدة أنها لم تحصل على استجابة فعالة بعد إبلاغ الشركة بالحادث.
أما في اسكتلندا، فقال عامل التوصيل غرايم فرانيس إنه اضطر للتوقف عن العمل ستة أشهر بعد تعرضه لاعتداء أدى إلى كسر ذراعه، مضيفا أنه اعتمد خلال تلك الفترة على الأصدقاء والعائلة بسبب غياب أي شبكة حماية مالية.
التحكم بالخوارزميات
وأكدت منظمة العمل الدولية أن إحدى أبرز المشكلات المرتبطة باقتصاد المنصات تتمثل في سيطرة الخوارزميات والأنظمة الرقمية على العمال دون شفافية كافية، وتتحكم التطبيقات في توزيع الطلبات وتحديد الأجور والحوافز والتقييمات وحتى إيقاف الحسابات، في كثير من الأحيان دون وجود آليات واضحة للطعن أو المراجعة.
وأوضحت منظمة هيومن رايتس ووتش أن شركات المنصات تصنف العاملين باعتبارهم متعاقدين مستقلين وليسوا موظفين رسميين، رغم ممارستها مستويات واسعة من الرقابة والتحكم في ظروف العمل، ويسمح هذا التصنيف للشركات بتجنب الالتزامات المتعلقة بالحد الأدنى للأجور والتأمينات الاجتماعية والسلامة المهنية.
وفي أوروبا، بدأت عدة محاكم وهيئات تنظيمية مراجعة الوضع القانوني للعاملين عبر التطبيقات الرقمية، وكانت إسبانيا من أوائل الدول التي أقرت تشريعات تعتبر عمال التوصيل موظفين رسميين يتمتعون بحقوق العمل الكاملة، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل قطاع التكنولوجيا والعمل الرقمي.
مخاطر صحية متزايدة
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن العاملين في خدمات التوصيل والنقل يواجهون مخاطر صحية متزايدة مرتبطة بحوادث الطرق والإرهاق الجسدي والإجهاد الحراري، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في عدد من مناطق العالم نتيجة التغير المناخي.
كما حذّرت منظمة العمل الدولية من أن موجات الحر الشديدة أصبحت تشكل خطرا مباشرا على ملايين العاملين في الوظائف الميدانية المؤقتة، خصوصا أولئك الذين يعملون لساعات طويلة في الشوارع دون حماية كافية أو تأمين صحي.
وأشار تقرير لمنظمة العمل الدولية إلى أن النساء والمهاجرين والشباب يمثلون الفئات الأكثر هشاشة داخل اقتصاد المنصات، بسبب اعتمادهم بشكل أكبر على الوظائف غير المستقرة أو منخفضة الحماية الاجتماعية.
فجوات اقتصادية واجتماعية
وأكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن العاملين المؤقتين يواجهون معدلات أعلى من انعدام الاستقرار المالي مقارنة بالعاملين بعقود دائمة، خاصة في ظل غياب الإجازات المدفوعة وتعويضات البطالة والتقاعد.
كما حذرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا من أن اتساع العمالة المؤقتة غير المحمية قانونيا قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وزيادة معدلات الفقر الحضري، خصوصا في الدول النامية التي تشهد بطالة مرتفعة بين الشباب.
ويرتبط توسع اقتصاد المنصات أيضا بتغيرات هيكلية في سوق العمل العالمي، حيث تسعى الشركات إلى تقليل التكاليف التشغيلية والاعتماد على العمالة المرنة بدلا من التوظيف التقليدي طويل الأجل، وفي المقابل، يتحمل العمال تكاليف الوقود والصيانة والتأمين والمخاطر اليومية المرتبطة بالعمل.
تحركات نقابية وضغوط حقوقية
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت عدة دول أوروبية وأمريكية إضرابات وتحركات احتجاجية لعمال التوصيل والسائقين العاملين عبر التطبيقات، للمطالبة بتحسين الأجور وتوفير الحماية الاجتماعية والاعتراف بحقهم في التنظيم النقابي.
وأكد الاتحاد الدولي للنقابات أن غياب الشفافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المستخدمة داخل تطبيقات العمل يجعل العمال عرضة لقرارات آلية قد تؤدي إلى خفض الدخل أو تعليق الحسابات دون تبريرات واضحة أو إجراءات عادلة للطعن.
كما دعت منظمة هيومن رايتس ووتش الحكومات إلى اعتماد معايير ملزمة تشمل افتراض وجود علاقة عمل عندما تمارس الشركات سيطرة فعلية على العمال، وضمان الأجر العادل والتأمين الاجتماعي والحق في التنظيم النقابي والتفاوض الجماعي.
حقوق مهددة في الاقتصاد الرقمي
أزمة الوظائف المؤقتة لم تعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبحت ترتبط مباشرة بحقوق الإنسان الأساسية، مثل الحق في العمل اللائق والضمان الاجتماعي والبيئة الآمنة للعمل.
وينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل شخص في ظروف عمل عادلة ومرضية، تشمل الأجر المنصف والسلامة المهنية والضمان الاجتماعي، وهي حقوق تقول منظمات حقوقية إن كثيرا من العاملين عبر المنصات ما زالوا محرومين منها.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في إدارة العمال، تتزايد المخاوف من أن يتحول الاقتصاد الرقمي إلى أحد أكبر أسواق العمل الهش في العالم إذا لم تنجح الحكومات في فرض قواعد تنظيمية أكثر صرامة.
شهد العالم خلال العقد الأخير نموا هائلا في اقتصاد المنصات الرقمية مع انتشار تطبيقات النقل والتوصيل والعمل الحر والخدمات الإلكترونية، وتسارعت هذه التحولات بعد جائحة كورونا التي دفعت ملايين الأشخاص إلى الاعتماد على الوظائف المؤقتة والعمل الرقمي كمصدر رئيسي أو إضافي للدخل، ومع هذا التوسع، تصاعد الجدل الدولي بشأن الوضع القانوني للعاملين عبر التطبيقات الرقمية، خاصة مع اعتماد كثير من الشركات على تصنيفهم كمتعاقدين مستقلين بدلا من موظفين رسميين، وخلال السنوات الأخيرة، بدأت عدة دول ومنظمات دولية مراجعة القوانين المتعلقة باقتصاد المنصات، بينما تمثل مفاوضات منظمة العمل الدولية المقررة في 2026 أول محاولة عالمية لوضع إطار قانوني دولي ينظم هذا النوع المتنامي من العمل ويضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية والاقتصادية للعاملين فيه.

