منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عائلات معلقة بين الأمل واليأس

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري.. غزة تفتح ملف آلاف الغائبين

30 أغسطس 2026
بعض صور ضحايا الاختفاء القسري
بعض صور ضحايا الاختفاء القسري

في قطاع غزة، لا تتوقف مأساة الحرب عند من فقدوا حياتهم أو أصيبوا أو اضطروا إلى النزوح؛ إذ تواجه آلاف العائلات مأساة أخرى عنوانها الغياب، بعدما فقدت الاتصال بأبنائها وأقاربها، دون أن تعرف على وجه اليقين أين هم، أو ماذا حل بهم، أو ما إذا كانوا على قيد الحياة.

ومع حلول اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري الموافق 30 أغسطس، يبرز ملف المفقودين والمشتبه بتعرضهم للاختفاء القسري في غزة باعتباره واحداً من الملفات التي تضع حق العائلات في معرفة مصير ذويها أمام اختبار بالغ القسوة.

قدّر المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً عدد الأشخاص الذين يُشتبه بتعرضهم للاختفاء القسري في قطاع غزة خلال الحرب بما بين 2500 و3000 شخص، استناداً إلى دراسة تحليلية شملت عينة من 317 حالة، مع تأكيد المركز أن هذه العينة لا تمثل جميع حالات الفقد أو الاختفاء القسري في القطاع.

وأظهرت الدراسة أن الذكور شكلوا 302 حالة من العينة، بنسبة 95.27%، مقابل 15 أنثى، في حين شملت الحالات 41 طفلاً و17 شخصاً تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر.

سجلت غزة العدد الأكبر من الحالات بـ89 حالة، تلتها شمال غزة بـ74، ثم خان يونس بـ59، والمحافظة الوسطى بـ37، ورفح بـ32 حالة.

ظروف اختفاء متعددة

وتوزعت ظروف الاختفاء، وفق الدراسة، بين اقتحامات القوات الإسرائيلية للمنازل وحصار الأحياء، ومحاولات العودة إلى المنازل أو جلب الاحتياجات، والنزوح أو المرور عبر الحواجز العسكرية، والبحث عن الغذاء أو انتظار المساعدات، إلى جانب حالات مرتبطة بمنشآت طبية ونقل المرضى، وأخرى وقعت أثناء العمل الصحفي والميداني.

وفي الوقت نفسه، ميّز المركز بين الأشخاص الذين يُشتبه بتعرضهم للاختفاء القسري وبين المفقودين الذين يُعتقد أنهم تحت أنقاض المباني المدمرة، مقدراً عدد الفئة الأخيرة بما بين 4000 و5000 شخص.

وذكرت وزارة العدل الفلسطينية في أبريل الماضي أن أكثر من 11 ألفاً و200 فلسطيني يعدون في عداد المفقودين أو المختفين قسراً منذ أكتوبر 2023، بينهم أكثر من 4700 امرأة وطفل.

ولا تمثل هذه الأرقام مجرد حالات غياب لأشخاص؛ إذ يرتبط الاختفاء القسري، وفق الأمم المتحدة، بحرمان الإنسان من حريته ثم رفض الاعتراف بذلك أو الكشف عن مصيره أو مكان وجوده، ما يجرده من حماية القانون.

ومن هنا تأتي أهمية 30 أغسطس، اليوم الذي اختارته الأمم المتحدة لتسليط الضوء على ضحايا الاختفاء القسري، وعلى الأسر التي تعيش في انتظار معرفة مصير أحبائها، وعلى ضرورة منع هذه الممارسة والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها وضمان حق الضحايا وأسرهم في الحقيقة والعدالة والجبر.

نضال أسر المختفين

يحل اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري هذا العام في الذكرى العشرين لاعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 ديسمبر 2006.

وتحيي الأمم المتحدة مناسبة 2026 تحت شعار “الضحايا أولاً.. التحرك الآن”، في إطار الذكرى العشرين للاتفاقية، مع التركيز على حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة والجبر، وعلى الحاجة إلى اتخاذ إجراءات لمنع الاختفاء القسري.

لكن جذور المناسبة تعود إلى ما قبل اعتماد الأمم المتحدة لليوم الدولي؛ فقد كان 30 أغسطس قد أصبح بالفعل موعداً تحييه أسر المختفين ومنظمات المجتمع المدني، قبل أن تعتمد الجمعية العامة القرار 65/209 في 21 ديسمبر 2010، وتقرر بموجبه إعلان 30 أغسطس يوماً دولياً لضحايا الاختفاء القسري، على أن يبدأ الاحتفال به اعتباراً من عام 2011.

وهكذا انتقلت قضية كانت تحملها أسر المختفين ومنظمات الضحايا إلى أجندة الأمم المتحدة باعتبارها قضية حقوق إنسان عالمية، لا ترتبط بمنطقة واحدة أو سياق سياسي واحد.

تعريف الأمم المتحدة

تعرّف الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه القبض على الأشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم رغماً عنهم، أو حرمانهم من حريتهم بأي شكل آخر، على أيدي موظفين حكوميين أو أشخاص أو مجموعات تعمل بدعم الدولة أو بموافقتها، ثم رفض الكشف عن مصيرهم أو أماكن وجودهم أو الاعتراف بحرمانهم من حريتهم.

ويعود الإطار الدولي الأول المخصص لحماية الأشخاص من هذه الممارسة إلى الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الذي اعتمدته الجمعية العامة في 18 ديسمبر 1992 بموجب القرار 47/133.

ثم جاءت الاتفاقية الدولية لعام 2006 لتوفر إطاراً قانونياً ملزماً للدول الأطراف، ولتكرس مجموعة من الحقوق والالتزامات المتعلقة بمنع الاختفاء القسري والتحقيق فيه ومعاقبة مرتكبيه وحماية الضحايا وأسرهم.

ويختلف الاختفاء القسري، وفق هذا التعريف، عن حالات الفقد التي تحدث نتيجة النزاعات أو الكوارث أو انهيار المباني؛ إذ يرتبط تحديداً بالحرمان من الحرية من جانب سلطات الدولة أو جهات تعمل بدعمها أو بموافقتها، وما يتبعه من إنكار أو إخفاء للمصير أو المكان.

الأسرة والمجتمع

لا تنحصر آثار الاختفاء القسري في الشخص الذي اختفى، فالأمم المتحدة تؤكد أن الضحية قد يتعرض للتعذيب والخوف المستمر على حياته، في حين يعيش أفراد أسرته سنوات من الانتظار دون معرفة ما إذا كان حياً أو أين يوجد أو ما ظروف احتجازه.

وتتحول حالة الغياب إلى عبء نفسي ومادي على الأسرة، خصوصاً عندما يكون المختفي هو المعيل الرئيسي أو الشخص الوحيد القادر على توفير دخل الأسرة أو إدارة مصدر رزقها.

كما قد تواجه الأسر تكاليف إضافية أثناء البحث عن المختفي، في وقت تظل فيه عاجزة عن بناء حياة مستقرة لأنها لا تعرف ما إذا كان سيعود يوماً.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن النساء غالباً ما يتحملن الجزء الأكبر من الصعوبات الاقتصادية المصاحبة للاختفاء، في حين قد تتعرض النساء اللاتي يبحثن عن أقاربهن المختفين للمضايقات والاضطهاد والانتقام.

ويمتد الأثر كذلك إلى الأطفال، سواء عندما يكون الطفل نفسه ضحية للاختفاء أو عندما يختفي أحد والديه، ما يمس عدداً من الحقوق التي تكفلها اتفاقية حقوق الطفل، ومنها الحق في الهوية.

ممارسة تتجاوز انتهاك حقوق الفرد

تصف الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه ممارسة يمكن أن تستخدم لبث الرعب داخل المجتمع؛ لأن الخوف الناتج عنها لا يظل محصوراً في أسرة الشخص المختفي، وإنما يمتد إلى مجتمعه المحلي.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف اختفوا خلال النزاعات أو فترات الاضطهاد فيما لا يقل عن 85 دولة حول العالم.

وتثير المنظمة الدولية مخاوف بشأن استمرار المضايقات التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان وأقارب الضحايا والشهود والمحامون الذين يتابعون قضايا الاختفاء القسري، إضافة إلى مخاطر الإفلات من العقاب، واستخدام مكافحة الإرهاب ذريعة لانتهاك الالتزامات الحقوقية.

وتؤكد كذلك ضرورة إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر عرضة للخطر، ومنها الأطفال والأشخاص ذوو الإعاقة.

حقوق تختفي مع الضحية

يمس الاختفاء القسري مجموعة واسعة من الحقوق المدنية والسياسية، منها الحق في الاعتراف بالشخصية القانونية، والحق في الحرية والأمن الشخصي، والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وقد يصل الانتهاك إلى الحق في الحياة عندما يُقتل الشخص المختفي، كما يمس الحق في الهوية، والحق في محاكمة عادلة والضمانات القضائية، والحق في سبيل انتصاف فعال، ومنه الجبر والتعويض.

وتضع الأمم المتحدة كذلك الحق في معرفة الحقيقة بشأن ظروف الاختفاء ضمن الحقوق المرتبطة بهذه القضية.

ويمتد أثر الاختفاء القسري إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للضحايا وأسرهم، ومنها الحق في حماية الأسرة والمساعدة، والحق في مستوى معيشي مناسب، والحق في الصحة والتعليم.

تواصل آليات الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري متابعة الحالات والتواصل مع الدول والنظر في البلاغات والدعوة إلى الكشف عن مصير المختفين، والتحقيق في الحالات ومحاسبة المسؤولين وتوفير الجبر للضحايا وأسرهم.

ويعمل في هذا المجال كل من الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي واللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، ضمن منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

حق لا يسقط بالغياب

ومن غزة إلى مختلف مناطق العالم، يعيد اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري طرح قضية لا تتعلق فقط بمكان وجود شخص غائب، وإنما بحق أسرة كاملة في أن تعرف الحقيقة.

فبالنسبة إلى عائلات المختفين، لا يمثل مرور الوقت نهاية القضية؛ لأن غياب الإجابة يبقي المصير معلقاً بين الأمل والخوف، في حين تظل معرفة الحقيقة والعدالة والجبر حقوقاً تؤكدها منظومة الأمم المتحدة.

وفي عام يحمل الذكرى العشرين للاتفاقية الدولية، تختصر الأمم المتحدة رسالتها في شعار واضح: “الضحايا أولاً.. التحرك الآن”، لتبقى قضية المختفين حاضرة، ولتبقى حقوقهم وحقوق أسرهم جزءاً أساسياً من مسؤولية المجتمع الدولي في مواجهة الاختفاء القسري.