منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المهاجرون المغاربة على الطريق الليبي.. احتجاز وتعذيب وفدية بدل الوصول إلى أوروبا

17 يونيو 2026
مهاجرون محتجزون في ليبيا
مهاجرون محتجزون في ليبيا

لم يعد الطريق الليبي نحو السواحل الإيطالية مجرد مسار محفوف بالمخاطر للهجرة غير النظامية، بل تحول إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية المرتبطة بالهجرة في منطقة المتوسط، وبينما يغادر شبان مغاربة بلادهم أملاً في الوصول إلى أوروبا، يجد كثير منهم أنفسهم داخل شبكة معقدة من التهريب والاحتجاز والابتزاز والاتجار بالبشر في ليبيا، وفق ما تكشفه شهادات ميدانية وتقارير أممية وحقوقية متواترة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “هسبريس” المغربية، فقد تصاعد اعتماد بعض الشباب المغاربة على شبكات تهريب تنشط داخل ليبيا وتستقطب الراغبين في الهجرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأشارت مصادر تحدثت للصحيفة إلى أن المهربين يقدمون وعوداً بالوصول الآمن إلى السواحل الإيطالية مقابل مبالغ مالية كبيرة، قبل أن يصطدم المهاجرون بواقع مختلف تماماً بعد وصولهم إلى الأراضي الليبية.

رحلة تبدأ بالأمل

بحسب المعطيات التي أوردتها “هسبريس”، تعتمد شبكات التهريب على مجموعات مغلقة ومنصات رقمية لنشر قصص نجاح وصور لمهاجرين تمكنوا من الوصول إلى أوروبا. وتستهدف هذه المواد الشباب الباحثين عن فرص اقتصادية أفضل أو الراغبين في مغادرة أوضاع اجتماعية صعبة.

وتؤكد المصادر ذاتها أن كثيراً من المهاجرين المغاربة يصلون إلى ليبيا بعد دفع مبالغ مالية كبيرة، ليكتشفوا أن الرحلة لا تسير وفق ما وعدهم به المهربون، وتبدأ في هذه المرحلة سلسلة من الانتهاكات تشمل سحب الوثائق الشخصية والاستيلاء على الأموال ونقل المهاجرين إلى مواقع احتجاز غير رسمية.

ليبيا مركز إقليمي للهجرة

تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة حجم التحول الذي شهدته ليبيا خلال السنوات الأخيرة. ووفق تقرير مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا 939 ألفاً و638 مهاجراً خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2025، وهو أعلى رقم تسجله المنظمة منذ بدء عمليات الرصد المنتظمة. وأوضحت المنظمة أن ليبيا ما زالت تؤدي دوراً محورياً كمركز عبور رئيسي ضمن مسارات الهجرة نحو أوروبا.

كما أظهرت أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن ليبيا استضافت 936 ألفاً و134 مهاجراً خلال شهري يناير وفبراير 2026، ما يعكس استمرار تدفق المهاجرين رغم المخاطر الأمنية والإنسانية الواسعة.

اقتصاد قائم على الاستغلال

يرسم تقرير منظمة رصد الجرائم في ليبيا صورة أكثر قتامة لطبيعة شبكات التهريب العاملة داخل البلاد. وأكد التقرير السنوي لعام 2025 أن التهريب والاتجار بالبشر لم يعودا من الأنشطة المعزولة، بل تحولا إلى منظومة متكاملة تمتد عبر مناطق الجنوب والشرق والغرب الليبي.

ووثق التقرير وجود شبكات تعمل وفق أدوار متخصصة تشمل الاستقطاب والنقل والاحتجاز والابتزاز وطلب الفدية، كما أشار إلى وجود ما يعرف بين المهاجرين باسم مخازن البشر، وهي مواقع تستخدم لتجميع المهاجرين واحتجازهم خلال مراحل الرحلة المختلفة.

وتؤكد المعطيات التي جمعتها المنظمة أن بعض المحتجزين يتعرضون للابتزاز المباشر عبر التواصل مع أسرهم ومطالبتها بدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحهم.

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر

في فبراير 2026، أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تقريراً مشتركاً وصف أوضاع المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا بأنها تخضع لانتهاكات ممنهجة ووحشية، وأكد التقرير أن القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر أصبحت جزءاً من نموذج استغلال منظم يستهدف الفئات الأكثر هشاشة.

واستند التقرير إلى مقابلات مع نحو مئة مهاجر ولاجئ وطالب لجوء من ست عشرة دولة. ووثق حالات اختطاف واحتجاز تعسفي وتعذيب واغتصاب وعمل قسري واستعباد وابتزاز مالي، كما أشار إلى أن العديد من الضحايا تعرضوا لإعادة بيع ممتلكاتهم ووثائقهم الشخصية داخل شبكات الاتجار بالبشر.

وأكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن معاناة المهاجرين في ليبيا تحولت إلى واقع متجذر قائم على الاستغلال والربح المالي، داعياً إلى إنهاء هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

مهاجرون بين الميليشيات والفدية

تشير المعطيات التي أوردتها “هسبريس” إلى أن بعض المهاجرين المغاربة يجدون أنفسهم في قبضة جماعات مسلحة أو شبكات إجرامية تدير مراكز احتجاز خارج الرقابة الرسمية، وتؤكد المصادر أن المحتجزين يتعرضون أحياناً للبيع بين مجموعات مختلفة مقابل مبالغ مالية، بينما تضطر أسرهم إلى دفع فديات متكررة أملاً في إنقاذهم.

ويتوافق هذا الوصف مع ما ورد في تقرير الأمم المتحدة الذي تحدث عن احتجاز المهاجرين في مرافق رسمية وغير رسمية، وعن تعرضهم للاستغلال الاقتصادي والعنف الجسدي والنفسي بصورة متكررة.

البحر المتوسط.. الفصل الأكثر دموية

حتى في الحالات التي يتمكن فيها المهاجرون من مغادرة الأراضي الليبية، تبقى الرحلة البحرية واحدة من أخطر مراحل الهجرة، وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن الطريق الأوسط عبر البحر المتوسط لا يزال أخطر مسار هجرة في العالم.

وأظهرت بيانات أممية أن أكثر من 2100 شخص لقوا حتفهم أو فقدوا خلال محاولات عبور البحر المتوسط في عام 2025. كما سجلت الأشهر الأولى من عام 2026 أرقاماً مقلقة، حيث أعلنت المنظمة الدولية للهجرة تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة أو فقدان بحلول فبراير فقط، وهو أعلى مستوى يسجل خلال بداية عام منذ بدء عمليات الرصد عام 2014.

كما حذرت الأمم المتحدة من أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أعلى بكثير بسبب حوادث الغرق غير الموثقة وما يعرف بحالات الاختفاء الصامت للقوارب في عرض البحر.

الجدل الأوروبي

أثار التقرير المشترك الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نقاشاً جديداً بشأن السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة.

وأكد التقرير أن اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى ليبيا يعرضهم لخطر العودة إلى بيئة تشهد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ودعت الأمم المتحدة الاتحاد الأوروبي وشركاءه إلى مراجعة سياسات الإعادة القسرية وتعليق عمليات الإرجاع إلى حين توفير ضمانات حقيقية لحماية الحقوق الأساسية للمهاجرين.

كما أشار التقرير إلى أن العديد من المهاجرين الذين تعترضهم الجهات الليبية في البحر ينتهي بهم المطاف مجدداً داخل دوائر الاحتجاز والاستغلال نفسها التي حاولوا الهروب منها.

تحديات أمام القنصلية المغربية

تواجه البعثات القنصلية المغربية في ليبيا تحديات معقدة في متابعة أوضاع المهاجرين المحتجزين. وتفيد “هسبريس” بأن السلطات القنصلية تنجح في بعض الحالات في متابعة ملفات محتجزين داخل مراكز رسمية، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى المحتجزين داخل المواقع السرية التي تديرها جماعات مسلحة أو شبكات تهريب.

ويؤدي غياب المعلومات الدقيقة حول أماكن الاحتجاز إلى تعقيد جهود الحماية القنصلية وتقديم المساعدة القانونية للمهاجرين المغاربة.

البعد القانوني

تصنف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وبروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين العديد من الممارسات الموثقة في ليبيا باعتبارها جرائم خطيرة. وتشمل هذه الجرائم الاتجار بالبشر والعمل القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب والابتزاز المالي.

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن حماية المهاجرين ليست مسألة سياسية فحسب، بل التزام قانوني تفرضه قواعد القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان، كما شددت على ضرورة ملاحقة المتورطين في الانتهاكات وضمان وصول الضحايا إلى العدالة.

أزمة مفتوحة

تكشف الوقائع الميدانية والتقارير الأممية أن الطريق الليبي نحو أوروبا تحول بالنسبة إلى كثير من المهاجرين المغاربة من مشروع للهجرة إلى مسار محفوف بالانتهاكات والابتزاز والموت، وبينما تستمر شبكات التهريب في استغلال الراغبين في الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط، تتزايد التحذيرات الحقوقية من أن غياب الحلول الجذرية واستمرار الإفلات من العقاب سيبقيان آلاف المهاجرين عرضة لدائرة متواصلة من الاستغلال والعنف، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً على حدود أوروبا الجنوبية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print