في الأنظمة التي تضيق فيها المساحة العامة، لا يكون استهداف المعارضين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحده مؤشراً على التراجع الحقوقي، بل يصبح استهداف المحامين علامة أكثر خطورة على انهيار منظومة العدالة نفسها، فالمحامي، في أي نظام قانوني سليم، ليس طرفاً في الخصومة السياسية، بل ضمانة أساسية للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة وسيادة القانون، لكن ما عُرض أمام مجلس حقوق الإنسان بشأن بيلاروس يكشف أن مهنة المحاماة تحولت إلى هدف مباشر، وأن الدفاع عن الحقوق قد يصبح سبباً للملاحقة والتجريم والسجن أو النفي.
خلال الحوار التفاعلي حول حالة حقوق الإنسان في بيلاروس، تكررت مداخلات المنظمات القانونية والحقوقية التي حذرت من تدهور غير مسبوق في استقلال مهنة المحاماة، فقد أشارت جمعية القانون في إنجلترا وويلز، ومنظمة مراقبة حقوق المحامين في كندا، والرابطة الدولية للمحامين، ومنظمة “محامون من أجل المحامين”، إلى نمط متواصل من التضييق على العاملين في المجال القانوني، من خلال التدخل في التراخيص، والإجراءات التأديبية، والرقابة على نقابات المحامين، واحتجاز محامين بسبب قيامهم بعملهم المهني.
ولا يتعلق الأمر هنا بحالات فردية أو خلافات إدارية داخل قطاع مهني، بل بمنظومة متكاملة تمس الحق في العدالة، فعندما يُسكت المحامون أو يُجبرون على مغادرة المهنة، لا يخسرون هم وحدهم حريتهم المهنية، بل يخسر المتقاضون حقهم في دفاع مستقل، وتخسر المحاكم أحد أهم شروط العدالة، ويفقد المجتمع خط دفاعه الأخير أمام الاعتقال التعسفي والمحاكمات السياسية.
أحد أبرز المؤشرات التي طُرحت أمام المجلس هو تدخل وزارة العدل البيلاروسية في منح التراخيص والإجراءات التأديبية بحق المحامين، ويُعد هذا التدخل خطيراً لأنه يربط استمرار المحامي في ممارسة مهنته برضا السلطة التنفيذية عنه، لا بمدى التزامه بالمعايير المهنية، وهنا تصبح الرخصة المهنية أداة للضبط السياسي، ويمكن استخدامها لمعاقبة من يتولون قضايا حساسة أو يدافعون عن معارضين أو ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.
المحامون في بلاروس
في ظل هذا الواقع، لا يعود المحامي حراً في اختيار موكليه أو الدفاع عنهم بجرأة، فالخوف من فقدان الترخيص، أو التعرض لإجراءات تأديبية، أو الملاحقة الجنائية، يدفع كثيرين إلى تجنب القضايا السياسية أو الحقوقية، وهذا يعني أن الدولة لا تحتاج دائماً إلى منع الدفاع بشكل مباشر؛ يكفي أن تخلق بيئة تجعل الدفاع المستقل مكلفاً وخطيراً.
وقد أشارت الرابطة الدولية للمحامين، بالتعاون مع اللجنة الدولية للحقوقيين، إلى أن نحو 600 محامٍ أُجبروا منذ عام 2020 على ترك المهنة نتيجة إجراءات تعسفية، وهذا الرقم لا يعكس أزمة مهنية عابرة، بل عملية تفريغ ممنهجة للقطاع القانوني من الأصوات المستقلة، فخروج هذا العدد الكبير من المحامين من المهنة يعني تقليص قدرة المجتمع على الوصول إلى المشورة القانونية المستقلة، وتضييق فرص الضحايا في توثيق الانتهاكات والدفاع عن حقوقهم.
وتحدثت منظمات قانونية عن استمرار احتجاز عدد من المحامين بسبب عملهم المهني، فقد أشارت جمعية القانون في إنجلترا وويلز ومنظمة مراقبة حقوق المحامين في كندا إلى أن ستة محامين لا يزالون خلف القضبان لمجرد أدائهم مهامهم المهنية، في حين تحدثت منظمة “محامون من أجل المحامين” عن احتجاز ما لا يقل عن خمسة محامين استناداً إلى تهم يُزعم أنها ملفقة، ورغم اختلاف الأرقام بحسب مصادر الرصد وتوقيت التوثيق، فإن الرسالة واحدة: المحامون في بيلاروس لم يعودوا محميين بوصفهم جزءاً من منظومة العدالة، بل أصبحوا جزءاً من الفئات المستهدفة.
وتحمل هذه الممارسات أثراً مباشراً على الحق في المحاكمة العادلة، فالمتهم السياسي أو المحتجز تعسفياً يحتاج إلى محامٍ قادر على زيارته، والاطلاع على ملفه، والطعن في قانونية احتجازه، ورفع صوته أمام المحكمة دون خوف، أما إذا كان المحامي نفسه مهدداً، فإن الحق في الدفاع يصبح شكلياً، وتتحول المحاكمة إلى إجراء بلا مضمون.
السجناء السياسيون في بيلاروس
من هنا، فإن استهداف المحامين لا يمكن فصله عن ملف السجناء السياسيين في بيلاروس، فكلما ازداد عدد المعتقلين لأسباب سياسية، ازدادت الحاجة إلى محامين مستقلين، وكلما تعرض المحامون للترهيب والإقصاء، أصبح من الأسهل استمرار الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والمحاكمات غير العادلة، وبذلك تصبح الهجمة على المحاماة جزءاً من بنية أوسع لإغلاق الطريق أمام المساءلة.
وقد حذرت المنظمات من خضوع نقابات المحامين لرقابة الدولة بدلاً من قيامها بدورها الطبيعي في الدفاع عن أعضائها وحماية استقلال المهنة، وهذه نقطة محورية؛ لأن نقابات المحامين في الأنظمة الديمقراطية تشكل عادة خط الدفاع المؤسسي عن استقلال المحامي، أما عندما تتحول هذه النقابات إلى أداة رقابة أو صمت، فإن المحامي يُترك وحيداً أمام السلطة، من دون حماية مهنية أو تضامن مؤسسي فعال.
فشل النقابات في حماية أعضائها لا يضعف المحامين فقط، بل يضرب ثقة الجمهور في العدالة، فالمواطن الذي يرى المحامي خائفاً أو مهدداً أو عاجزاً عن الدفاع بحرية، لن يثق بأن القضاء قادر على إنصافه، وهكذا تنتقل الأزمة من مهنة المحاماة إلى المجتمع بأكمله؛ لأن العدالة لا يمكن أن تعمل إذا فقد الناس الثقة في استقلال من يدافعون عنهم.
أوضاع المحامين في بيلاروس
في مداخلته الختامية، أكد المقرر الخاص نيلسميزنيكس أن أوضاع المحامين في بيلاروس مقلقة للغاية، وأن تحقيق العدالة والمساءلة يتطلب وجود محامين مستقلين قادرين على العمل بحرية داخل البلاد، وهذا الربط بين استقلال المحامين والمساءلة بالغ الأهمية، فلا يمكن بناء ملفات انتهاكات، أو الدفاع عن الضحايا، أو الطعن في الاعتقال التعسفي، أو ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، إذا كان المحامون أنفسهم خاضعين للرقابة والتهديد.
ويمتد استهداف المحامين في الداخل إلى المنفى، فقد أُجبر عدد من المحامين على مغادرة البلاد بسبب القمع، إلا أنهم يواجهون عقبات كبيرة تحول دون مواصلة ممارسة مهنتهم في الخارج، وهذه المسألة تضيف طبقة أخرى من الانتهاك: فالمحامي الذي يُطرد عملياً من مهنته داخل بلاده، قد يجد نفسه في الخارج غير قادر على العمل القانوني بسبب صعوبات الاعتراف بالمؤهلات أو الوثائق أو الوضع القانوني، وبهذا تستمر آثار القمع حتى بعد الخروج من البلاد.
وتنتهك هذه الممارسات المعايير الدولية ذات الصلة، ومنها المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين التي تؤكد ضرورة تمكين المحامين من أداء مهامهم المهنية دون ترهيب أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق، كما تشدد هذه المبادئ على حق المحامين في تشكيل والانضمام إلى جمعيات مهنية مستقلة تمثل مصالحهم وتحمي استقلالهم.
لكن الواقع المعروض في بيلاروس يشير إلى عكس ذلك: تدخل تنفيذي، رقابة على النقابات، إجراءات تأديبية مسيسة، احتجاز، نفي، وحرمان من الانتصاف الفعال، وهذه كلها عناصر تجعل من أزمة المحاماة أحد أخطر مؤشرات انهيار سيادة القانون.
ولا يمكن التعامل مع هذا الملف بوصفه شأناً مهنياً داخلياً، فكل محامٍ يُسجن أو يُمنع من العمل يعني موكلاً محروماً من دفاع حقيقي، وكل نقابة تُخضع للسلطة تعني قطاعاً قانونياً أقل قدرة على حماية المجتمع، وكل تدخل في الترخيص أو التأديب يعني أن العدالة باتت مشروطة بالولاء لا بالكفاءة والنزاهة.
إعادة الاعتبار لاستقلال العدالة
أي مسار حقوقي جاد في بيلاروس يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار لاستقلال العدالة، ومنها استقلال المحامين، وهذا يتطلب الإفراج عن جميع المحامين المحتجزين بسبب عملهم المهني، وإلغاء الإجراءات التعسفية بحقهم، ووقف تدخل وزارة العدل في عمل المهنة، وضمان استقلال نقابات المحامين، وتمكين المحامين في الداخل والمنفى من أداء دورهم دون خوف.
كما يجب فتح تحقيقات مستقلة في جميع حالات استهداف المحامين، ومراجعة القوانين والإجراءات التي تسمح بالتدخل السياسي في الترخيص والتأديب، فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق فقط بإطلاق سراح بعض الأفراد، بل بإزالة البنية التي جعلت من ممارسة المحاماة المستقلة فعلاً محفوفاً بالخطر.
ما يجري في بيلاروس يكشف أن القمع لا يكتفي بإسكات الضحية، بل يسعى أيضاً إلى إسكات من يدافع عنها، وعندما يصبح المحامي متهماً، ويصبح الدفاع عن الحقوق سبباً للعقاب، فإن العدالة كلها تصبح في موقع الاتهام.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن دولة قانون في حين يُحاكم المحامون أو يُجبرون على الصمت أو المنفى، ولا يمكن الحديث عن محاكمات عادلة إذا كان الدفاع نفسه خائفاً، ولا يمكن الحديث عن مساءلة مستقبلية إذا كانت أدوات الوصول إلى العدالة تُفكك اليوم، لذلك، فإن حماية المحامين في بيلاروس ليست مطلباً مهنياً محدوداً، بل شرط أساسي لحماية كل الحقوق الأخرى.
