منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اللاجئون الصحراويون.. خمسة عقود في المنفى وأجيال تنتظر حق العودة

04 نوفمبر 2026
مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف بالجزائر
مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف بالجزائر

أعاد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “مينورسو”، في 31 أكتوبر 2026، تسليط الضوء على واحدة من أطول أزمات اللجوء في العالم، بعدما أمضت أجيال من الصحراويين عقوداً في مخيمات قرب مدينة تندوف جنوب غربي الجزائر، وسط انتظار حل سياسي يتيح لهم تقرير مستقبلهم، في حين تتواصل احتياجاتهم الإنسانية في الغذاء والمياه والتعليم والرعاية الصحية.

وكشفت شهادات لاجئين نقلتها وكالة “رويترز”، في تقرير نشرته في 2 نوفمبر 2026 بعنوان “مع رحيل قوات حفظ السلام.. لاجئو الصحراء الغربية يتوقون لإنهاء انتظار دام نصف قرن”، عن امتداد آثار النزوح إلى أجيال لم تعرف موطنها الأصلي.

روت اللاجئة الصحراوية بنينة محمد، البالغة من العمر 51 عاماً، أنها أمضت حياتها في مخيمات تندوف، وأن بناتها اللاتي أصبحن في العشرينات والثلاثينات من العمر لم يزرن المنطقة التي تنحدر منها والدتهن، معربة عن أملها في ألا يبلغن الخمسين دون أن يرين وطنهن.

وعبّرت ابنتها صفية الصالح، البالغة 33 عاماً، عن رغبتها في أن ينشأ أطفالها وأحفادها في بلدهم، بدلاً من أن يواصلوا حياة اللجوء التي عاشتها أسرتها.

وأشارت الوكالة إلى أن الزيارة التي التقت خلالها باللاجئين نُظمت بواسطة جبهة البوليساريو، وهو ما يوضح سياق الحصول على هذه الشهادات الإنسانية.

ويضع انتهاء ولاية البعثة التي أُنشئت عام 1991 لمراقبة وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لتنظيم استفتاء بشأن مستقبل الإقليم، العملية السياسية أمام مرحلة جديدة، بعدما ظل الاستفتاء المقرر جزءاً من التسوية الأممية دون أن يُنفذ.

وأكدت الأمم المتحدة أن انتهاء ولاية البعثة لا يلغي الحق غير القابل للتصرف لشعب الصحراء الغربية في تقرير المصير، وأنها ستواصل دعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي سلمي.

وتستضيف الجزائر منذ عام 1975 لاجئين صحراويين فروا من ديارهم في سياق النزاع حول الصحراء الغربية، ويعيشون في خمسة مخيمات قرب تندوف.

وتحدد خطة الاستجابة للاجئين الصحراويين 2026–2027، المنشورة على الموقع الرسمي للأمم المتحدة في الجزائر، عدد السكان المستهدفين بنحو 173600 شخص، وهو رقم تخطيطي يستند إلى دراسة مشتركة أُجريت عام 2018، في حين تركز المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على تقديم المساعدة لنحو 90 ألفاً من الفئات الأكثر احتياجاً.

تعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة؛ إذ تشير الخطة المنشورة على الموقع نفسه إلى أن 77% من اللاجئين يعتمدون على المساعدات لتلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

كما توضح الخطة أن 64% من الأسر التي شملها تقييم الأمن الغذائي لعام 2024 كانت تعاني انعدام الأمن الغذائي بدرجة متوسطة أو شديدة، مقابل 34% تعاني انعداماً هامشياً، وأقل من 2% يتمتع بالأمن الغذائي.

احتياجات تتجاوز المساعدات المتاحة

وتكشف بيانات خطة الاستجابة للاجئين الصحراويين 2026–2027 عن تراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الغذائية، بعدما خُفضت الحصص الغذائية المقدمة للاجئين بنسبة 30% خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2023 إلى فبراير 2025، في ظل نقص التمويل وارتفاع تكاليف توفير المساعدات.

وتظهر النتائج الأولية لمسح التغذية لعام 2025، الواردة في الخطة نفسها، أن معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهراً بلغ 13.6%، في حين وصل معدل التقزم، المرتبط بسوء التغذية المزمن، إلى 30.7%.

وسجلت النتائج إصابة 68.8% من النساء في سن الإنجاب بفقر الدم، مقابل 65.3% من الأطفال دون الخامسة، وهي مؤشرات تكشف حجم المخاطر الصحية التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة.

وتؤكد البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لبرنامج الأغذية العالمي بشأن عملياته في الجزائر استمرار هشاشة الأمن الغذائي في المخيمات؛ إذ يذكر الموقع أن 78% من اللاجئين الصحراويين يعانون انعدام الأمن الغذائي أو معرضون لخطره، كما يشير إلى أن البرنامج يقدم الدعم الغذائي والتغذوي للفئات الأكثر ضعفاً منذ عام 1986، بالتعاون مع السلطات الجزائرية.

ونقلت “رويترز” عن برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من 80% من سكان المخيمات يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية، وفق بيان للبرنامج صدر في وقت سابق من عام 2026.

ويختلف هذا التقدير عن نسبة 77% الواردة في خطة الاستجابة الأممية.

وتفرض الظروف المناخية القاسية في المنطقة الصحراوية تحديات إضافية على حياة السكان، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وندرة الأمطار والعواصف الرملية، فضلاً عن محدودية فرص العمل ومصادر الدخل، ما يجعل المساعدات الإنسانية عنصراً أساسياً في تلبية الاحتياجات اليومية.

تحديات المياه والتعليم

توضح خطة الاستجابة الأممية أن متوسط نصيب الفرد من المياه يبلغ نحو 19 لتراً يومياً، وهو مستوى يقل عن الحد الأدنى الإنساني المعتمد في حالات الطوارئ، وتشير البيانات إلى أن شبكات المياه تصل إلى نحو 68% من السكان، في حين يعتمد 32% على نقل المياه بالصهاريج، مع وجود عجز يومي يُقدر بنحو 373 متراً مكعباً للوصول إلى الحد الأدنى المطلوب.

وتكشف الخطة عن فجوات أخرى في خدمات النظافة والصحة العامة؛ إذ لم تتجاوز نسبة تلبية الاحتياجات الشهرية لمستلزمات النظافة الخاصة بالنساء 50% خلال عام 2025، في حين لم تتجاوز نسبة تلبية الاحتياجات من الصابون 25%، ما يحد من قدرة الأسر، ولا سيما النساء والفتيات، على الحفاظ على ممارسات النظافة الأساسية.

ويواجه الأطفال والشباب تحديات متداخلة في قطاع التعليم، رغم استمرار المدارس المجتمعية في توفير فرص التعلم داخل المخيمات، ووفقاً لموجز “التعليم شريان حياة” الصادر في سبتمبر 2026 عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في الجزائر، لا يتحول الانتظام في المدارس بالضرورة إلى اكتساب المهارات التعليمية المطلوبة، في ظل اعتماد النظام بدرجة كبيرة على معلمين متطوعين يعملون دون توافر الظروف الأساسية الكافية.

وتشير خطة الاستجابة إلى أن معدل تكرار الصفوف الدراسية يبلغ 23%، في حين لا تتجاوز نسبة النجاح في امتحان نهاية المرحلة الابتدائية 46%، كما توضح أن أكثر من 90% من المعلمين من النساء المتطوعات اللاتي يتلقين حوافز مالية محدودة، ما يضع استمرارية العملية التعليمية وجودتها أمام تحديات إضافية.

تؤكد هذه المؤشرات أن استمرار إتاحة التعليم لا يكفي وحده لضمان حق الأطفال في تعلم جيد، ما لم يصاحبه توفير بيئة مدرسية ملائمة، ودعم المعلمين، وتحسين التغذية والمياه والخدمات الصحية، فضلاً عن معالجة العوائق التي تواجه الأطفال ذوي الإعاقة في الوصول إلى تعليم شامل ومناسب لاحتياجاتهم.

حماية الحقوق وإنهاء النزوح الممتد

حذر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، خلال إحاطته أمام مجلس الأمن في 25 سبتمبر 2026، من استمرار تدهور الظروف التي يعيشها اللاجئون الصحراويون، مشيراً إلى أن أجيالاً منهم نشأت في مخيمات تندوف، وأن الاحتياجات الإنسانية لا تزال تعاني نقص التمويل.

نشر الموقع الرسمي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نص الإحاطة التي شدد فيها صالح على أن إدارة النزوح إلى أجل غير مسمى لا يمكن أن تكون طموحاً للمجتمع الدولي، داعياً إلى حلول تبدأ من اللاجئين أنفسهم، وتحترم تطلعاتهم، وتضمن لهم خيارات مستنيرة وطوعية بشأن مستقبلهم.

ويؤكد انتهاء ولاية “مينورسو” في 31 أكتوبر 2026، وفقاً لما أورده موقع عمليات حفظ السلام التابع للأمم المتحدة في تقريره المنشور في الأول من نوفمبر، دخول البعثة مرحلة تصفية عملياتها، دون أن يعني ذلك انتهاء مسؤولية المنظمة الدولية عن دعم التسوية السياسية.

ومن جانبه، شدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على استمرار جهود المنظمة من خلال مبعوثه الشخصي، مؤكداً أن انتهاء ولاية البعثة لا ينتقص من حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير.

وتبقى حماية اللاجئين الصحراويين من مخاطر النزوح الممتد مسؤولية تتجاوز توفير الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، لتشمل صون كرامتهم وحقوقهم، وضمان حصول الأطفال على التعليم والرعاية الصحية، وتوفير الحماية للفئات الأكثر ضعفاً، وعدم ترك المجتمعات التي عاشت عقوداً في المخيمات رهينة نقص التمويل وتقلب أولويات الاستجابة الإنسانية.

وتظل المساعدات الإنسانية ضرورة لا غنى عنها لحماية حياة اللاجئين وتلبية احتياجاتهم الأساسية، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى بديل دائم عن الحل السياسي الذي ينهي حالة النزوح الممتد.

ويتطلب احترام حقوق اللاجئين الصحراويين ضمان مشاركتهم في أي مسار يحدد مستقبلهم، وصون حقهم في تقرير المصير، والعمل من أجل حل يتيح لهم خيارات حقيقية وآمنة وطوعية، ويحفظ كرامتهم وحقوق الأجيال التي وُلدت ونشأت بعيداً عن موطنها.