لا تقاس هشاشة العمال المهاجرين في إيطاليا بعدد ساعات العمل وحدها، بل بمدى قدرتهم على المطالبة بحقوقهم دون خوف، فبين الحاجة إلى الدخل، والاعتماد على تصاريح الإقامة، وضعف الوصول إلى العدالة، يجد كثير من العمال الأجانب أنفسهم داخل سوق عمل لا يمنحهم دائما الحماية التي تكفلها القوانين.
وفي قطاعات تعتمد بصورة كبيرة على العمالة الأجنبية، مثل الزراعة والبناء والخدمات والرعاية المنزلية والضيافة، يتحول العمل أحيانا من وسيلة للاستقرار إلى بيئة ضاغطة، تتداخل فيها الأجور المنخفضة، والعمل غير النظامي، وساعات التشغيل الطويلة، مع محدودية الرقابة الفعلية على الانتهاكات.
نتناول في هذا التقرير إيطاليا باعتبارها من أكثر الدول الأوروبية اعتمادا على العمالة المهاجرة في قطاعات منخفضة الأجر وعالية الهشاشة، كما أنها تواجه تحديات مستمرة مرتبطة بالعمل غير النظامي والاستغلال العمالي، خاصة في الزراعة والعمل المنزلي.
ويكشف النموذج الإيطالي كيف يمكن أن يتحول الاعتماد الاقتصادي على العمال المهاجرين إلى بيئة تسمح بتآكل الحقوق، في حال ضعف الرقابة والحماية القانونية الفعلية.
عمالة داخل اقتصاد هش
تشير بيانات وزارة العمل والسياسات الاجتماعية الإيطالية إلى أن عدد العاملين الأجانب في إيطاليا بلغ 2.514 مليون عامل، بما يعادل 10.5 بالمئة من إجمالي العاملين، وفق التقرير السنوي الخامس عشر عن الأجانب في سوق العمل في إيطاليا لعام 2025.
ورغم مساهمة هذه الفئة في قطاعات حيوية داخل الاقتصاد الإيطالي، تؤكد تقارير صادرة عن وزارة العمل والسياسات الاجتماعية الإيطالية أن العمال المهاجرين يواجهون أوضاعا أكثر هشاشة مقارنة بالعمال المحليين، نتيجة محدودية الوصول إلى الحماية القانونية، والاعتماد على وظائف غير مستقرة، والخوف من فقدان الإقامة أو العمل.
كما يشير تقرير رسمي سابق للوزارة إلى تركز العمال الأجانب في الوظائف التنفيذية واليدوية، وانخفاض الأجور، وارتفاع ظاهرة العمل في مهن أدنى من مستوى المؤهلات لدى المهاجرين مقارنة بالإيطاليين.
من تدني الأجور إلى انتهاك الحقوق
توضح تقارير رسمية أن استغلال العمال المهاجرين لا يقتصر على انخفاض الأجور، بل يمتد إلى ظروف تشغيل غير عادلة، تشمل ساعات عمل طويلة، وغياب العقود الواضحة، وضعف إجراءات السلامة المهنية، إضافة إلى أوضاع سكن مرتبطة بالعمل تفتقر أحيانا إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.
ومن أبرز مظاهر هذا الاستغلال ما يُعرف بنظام “الكابورالاتو”، وهو شكل غير قانوني من الوساطة في تشغيل العمال، خاصة في القطاع الزراعي، حيث يتم التحكم بالعمال وظروف عملهم بعيدا عن الأطر القانونية والرقابية.
وتصف المفوضية الأوروبية هذا النظام بأنه تشغيل أعداد كبيرة من العمال، غالبا بصورة غير قانونية، مقابل أجور زهيدة وفي ظروف معيشية قاسية، مشيرة إلى أن خططا محلية في عدة بلديات إيطالية طُورت لمواجهة الاستغلال في الزراعة ضمن الخطة الوطنية لمكافحة الاستغلال العمالي والكابورالاتو.
أرقام تكشف حجم الهشاشة
تكشف بيانات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء أن سوق العمل الإيطالي لا يزال يعرف حضورا واسعا للعمل غير المنتظم، إذ عرّف المعهد العمل غير النظامي بأنه الوظائف التي لا تلتزم بالتشريعات الضريبية والاجتماعية السارية.
كما أظهرت أحدث البيانات المتاحة أن معدل العمل غير المنتظم على المستوى الوطني تراجع من 11.3 بالمئة في عام 2021 إلى 10.8 بالمئة في عام 2022، مع استمرار نسب أعلى في بعض المناطق والقطاعات.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الحماية القانونية المتاحة نظريا والواقع العملي الذي يعيشه كثير من العمال.
وفي السياق نفسه، تؤكد منظمة العمل الدولية أن العمال المهاجرين أكثر عرضة من غيرهم للعمل القسري والاستغلال، مشيرة إلى أن البالغين المهاجرين يواجهون احتمالات أعلى بأكثر من ثلاثة أضعاف للوقوع في أوضاع العمل القسري مقارنة بالبالغين غير المهاجرين.
كما توضح المنظمة أن المخاطر تتصاعد عندما لا يكون العمال المهاجرون محميين بالقانون، أو غير قادرين على ممارسة حقوقهم، أو عندما تكون الهجرة غير نظامية أو سيئة الإدارة، أو عندما تقوم ممارسات التوظيف على أساليب غير عادلة أو غير أخلاقية.
بين القوانين وضعف الحماية
من منظور حقوق الإنسان، ترتبط قضية استغلال العمال المهاجرين بانتهاك مجموعة من الحقوق الأساسية، أبرزها الحق في العمل اللائق، والأجر العادل، وظروف العمل الآمنة، والحماية من الاستغلال والتمييز.
ورغم تبني إيطاليا تشريعات لمكافحة الوساطة غير القانونية والاستغلال العمالي، تؤكد تقارير رسمية ومنظمات دولية أن التحدي لا يزال قائما في التطبيق الفعلي للقوانين، وتوسيع نطاق التفتيش العمالي، وضمان وصول العمال المهاجرين إلى العدالة دون الخوف من فقدان العمل أو الوضع القانوني.
وتكشف تجربة العمال المهاجرين في إيطاليا أن الاندماج الاقتصادي لا يضمن تلقائيا الحماية الحقوقية، فبين حاجة سوق العمل إلى العمالة الأجنبية واستمرار أنماط التشغيل غير النظامي، تبقى حماية الكرامة الإنسانية وتعزيز إنفاذ الحقوق العمالية من أبرز التحديات المرتبطة بحقوق الإنسان داخل سوق العمل الإيطالي.
آليات الرقابة والتفتيش
في حديثه لـ«صفر»، يرى المحامي دخيل الدخيل، الخبير في القانون الدولي الإنساني، أن أوضاع العمال المهاجرين في إيطاليا تطرح تساؤلات جدية حول فعالية الحماية القانونية عندما لا تتحول النصوص إلى ضمانات عملية داخل بيئات العمل.
ويشير الدخيل إلى أن وجود قوانين تجرّم الاستغلال لا يعني بالضرورة تحقيق حماية فعلية، إذا استمرت بيئات العمل غير النظامية، وضعفت آليات الرقابة والتفتيش، موضحا أن العامل المهاجر يكون غالبا أكثر عرضة للانتهاكات بسبب ارتباط استقراره الاقتصادي أو القانوني باستمرار العمل، ما يدفع كثيرين إلى قبول ظروف لا تتوافق مع معايير العمل اللائق وحقوق الإنسان.
ويؤكد أن مواجهة استغلال العمال المهاجرين لا تقتصر على العقوبات القانونية فقط، بل تتطلب نهجا حقوقيا أشمل يقوم على تعزيز الوصول إلى العدالة، وتوفير قنوات آمنة لتقديم الشكاوى دون الخوف من فقدان الإقامة أو العمل، إلى جانب تشديد الرقابة على القطاعات الأكثر اعتمادا على العمالة المهاجرة.
ويشدد على أن الحق في العمل اللائق لا ينفصل عن حماية الكرامة الإنسانية، وأن أي نموذج اقتصادي يعتمد على هشاشة العمال أو ضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم يمثل تحديا مباشرا لالتزامات حقوق الإنسان.
