منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العمال البريطاني يملك رواية قوية حول الهجرة.. حتى لو لم يرغب أحد في سماعها

23 مايو 2026
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود تطلع على جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود تطلع على جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية

منذ تأسيس صحيفة «ذا إندبندنت» قبل نحو أربعة عقود، دافعت باستمرار عن فكرة أن تظل بريطانيا دولة منفتحة ومتسامحة، ترحب بالمهاجرين الذين يسهمون في دعم الاقتصاد وإثراء الحياة الثقافية في البلاد.

ولهذا احتفلنا قبل نحو أربع سنوات بتعيين أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندوسية، وكان أكثر ما أثار فخرنا حينها أن الحدث مرّ من دون ضجيج أو حساسيات تُذكر.

لكن الدفاع عن الانفتاح لا يعني تأييد سياسة «الأبواب المفتوحة»، ولا يعني أن أعداد المهاجرين مسألة بلا أهمية. فهناك دائماً مستوى مثالي للهجرة الصافية، يحقق التوازن بين المكاسب الاقتصادية وقبول الرأي العام، حتى لو كان من الصعب تحديد رقم دقيق لذلك.

ومع ذلك، من السهل إدراك متى تصبح الأرقام مفرطة وغير قابلة للاستدامة. فقد شهدت بريطانيا خلال العام المنتهي في مارس 2023 دخول نحو مليون شخص أكثر ممن غادروا البلاد، وهو مستوى لم يكن ممكناً استمراره، وكان نتيجة مباشرة للفوضى وسوء الإدارة اللذين رافقا تعامل حكومة بوريس جونسون مع نظام الهجرة الجديد بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

الانخفاض الذي تحقق لاحقاً لم يكن نتيجة خطة مدروسة، بل جاء في الأساس بسبب إجراءات ارتجالية اتخذتها الحكومة المحافظة بعدما اتضح حجم التناقض بين وعود «بريكست» والواقع. فقد جرى تقليص تأشيرات العمل، خصوصاً في قطاع الرعاية منخفض الأجور، كما فُرضت قيود على أعداد المرافقين الذين يمكن للعمال والطلاب استقدامهم.

لهذا، لا يمكن منح رئيس الوزراء كير ستارمر ووزيرة الداخلية شبانة محمود الفضل الكامل في التراجع الذي أظهرته أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية. لكن الحقيقة أيضاً أن الاتجاه النزولي استمر في ظل حكومة العمال، وأن وزيرة الداخلية نجحت منذ توليها المنصب في سبتمبر في فرض سيطرة واضحة على الملف.

وإذا كان هناك درس واحد خرجنا به من عهد جونسون، فهو أن السيطرة على الهجرة ليست بالسهولة التي يصورها الخطاب الشعبوي.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن مكتب الإحصاءات الوطنية دحض الادعاءات الشعبوية التي تقول إن تراجع صافي الهجرة سببه فقط مغادرة البريطانيين للبلاد. ففي الواقع، انخفض عدد المواطنين البريطانيين الذين انتقلوا للاستقرار خارج المملكة المتحدة خلال العام الماضي.

بمعنى آخر، فإن التراجع حقيقي، ومن المرجح أن يكون قد استمر هذا العام أيضاً. لكن الخطر الآن قد يكمن في المبالغة في تشديد القيود. بعض الخبراء يتوقعون أن تؤدي الاتجاهات الحالية إلى وصول صافي الهجرة إلى الصفر، وهو مستوى سيكون منخفضاً أكثر من اللازم؛ لأنه سيقيد حيوية الاقتصاد ويحد من قدرته على النمو.

في المقابل، يرى آخرون أن الأرقام قد ترتفع مجدداً مستقبلاً؛ نظراً لاستمرار معدلات الهجرة الإجمالية عند مستويات مرتفعة، حتى مع تعويض جزء منها بخروج مواطني الاتحاد الأوروبي.

لكن سجل شبانة محمود يشير إلى أنها لن تتردد في اتخاذ إجراءات إضافية إذا تطلب الأمر ذلك. كما أن هناك مؤشرات إيجابية على استمرار هذا النهج الواقعي رغم الاضطرابات داخل حزب العمال.

عمدة مانشستر آندي بورنهام لمح إلى إمكانية استمرارها وزيرةً للداخلية إذا أصبح رئيساً للوزراء، في حين أظهر استطلاع أجرته «يوغوف» وجود دعم واسع بين أعضاء حزب العمال لما وصفه بـ«النهج الحالي للحزب تجاه الهجرة».

ومن المشجع أيضاً أنه رغم اعتراض بعض الليبراليين على خطط محمود لإطالة فترة انتظار المهاجرين الجدد قبل الحصول على الإقامة الدائمة، فإن الحكومة تبدو مصممة على مواصلة بناء نظام هجرة أكثر استدامة وعدالة.

فبرنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024 تعهد بخفض صافي الهجرة، وهو وعد منح الناخبون الحزب على أساسه تفويضاً انتخابياً كاسحاً. ومن هذا المنطلق، تمتلك الحكومة بالفعل قصة نجاح تستحق أن تُروى.

لكن السؤال الحقيقي: هل هناك من يصغي؟

فأبحاث جديدة أجراها مركز «بريتيش فيوتشر» أظهرت أن كثيراً من البريطانيين ما زالوا يعتقدون أن صافي الهجرة إلى البلاد يرتفع، رغم أنه انخفض إلى أدنى مستوياته منذ جائحة كورونا.

وفي النهاية، فإن أفضل وسيلة لمواجهة خطاب نايجل فاراج المعادي للهجرة هي إثبات أن الحكومة قادرة على إدارة الملف بفاعلية. لكن ذلك وحده لا يكفي.

فإلى جانب الحفاظ على السيطرة على الهجرة القانونية، تحتاج الحكومة أيضاً إلى خطوات أكثر فعالية للحد من عبور القوارب الصغيرة عبر القنال الإنجليزي.

وإذا نجحت شبانة محمود في تحقيق ذلك أيضاً، فإنها ستكون قد استحقت بالفعل احترام حزبها وامتنان البلاد بأكملها.

نقلاً عن إندبندنت