أعربت منظمة العفو الدولية (أمنستي) عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بتدهور خطير في الحالة الصحية لرئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، البالغ من العمر 84 عاما، وذلك عقب نقله بشكل عاجل من داخل السجن إلى المستشفى، في واقعة أثارت موجة جديدة من الجدل الحقوقي حول ظروف احتجازه ومعاملته الصحية داخل المؤسسة السجنية.
وفي بيان رسمي نشرته المنظمة عبر منصاتها الإعلامية، طالبت السلطات في تونس بضمان توفير رعاية طبية فورية وملائمة للغنوشي، مؤكدة أن هذا المطلب يندرج ضمن الالتزامات القانونية الدولية التي تكفلها معايير حقوق الإنسان، والتي تفرض على الدول ضمان سلامة وصحة جميع المحتجزين دون استثناء.
الحق في الصحة داخل أماكن الاحتجاز
أكدت المنظمة أن الحق في الصحة يُعد من الحقوق الأساسية غير القابلة للتجزئة، ويشمل حصول المحتجزين على علاج طبي مناسب وفي الوقت المناسب، تحت إشراف طواقم طبية مؤهلة، وبما يضمن عدم تعريضهم لأي تأخير أو إهمال قد يفاقم أوضاعهم الصحية، وشددت على أن أي إخلال بهذه الالتزامات قد يشكل انتهاكا مباشرا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
مخاوف من دوافع سياسية
أبدت منظمة العفو الدولية قلقها أيضا من استمرار احتجاز راشد الغنوشي لأكثر من ثلاث سنوات، معتبرة أن مسار الملاحقات القضائية بحقه يثير تساؤلات جدية حول إمكانية وجود دوافع سياسية خلف هذه الإجراءات، في ظل ما وصفته بتراجع ضمانات المحاكمة العادلة في تونس خلال السنوات الأخيرة، وما رافق ذلك من جدل واسع حول استقلالية القضاء.
وفي هذا السياق، أشار البيان إلى أن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي كان قد أصدر في نوفمبر 2025 رأياً قانونياً اعتبر فيه أن احتجاز الغنوشي يندرج ضمن حالات الاحتجاز التعسفي، وهو توصيف يضع القضية في إطار حقوقي دولي أكثر حساسية.
تطورات صحية واحتجاز مستمر
تأتي هذه التطورات بعد إعلان حركة النهضة التونسية عن تدهور حاد في صحة رئيسها، ونقله بشكل عاجل إلى المستشفى حيث وُضع تحت المراقبة الطبية لعدة أيام، وسط مطالب متكررة من الحركة بالإفراج الفوري عنه، واعتبار أن استمرار احتجازه لا يستند إلى أسس قانونية سليمة بحسب موقفها.
وكانت السلطات التونسية قد أوقفت راشد الغنوشي في أبريل 2023، قبل أن تصدر بحقه سلسلة من الأحكام القضائية في قضايا متعددة، وصلت في مجموعها إلى نحو سبعين عاما من السجن، من بينها حكم صدر في أبريل 2026 بالسجن عشرين عاما في قضية تتعلق بالتجمهر خلال شهر رمضان، وهي أحكام أثارت نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والحقوقية.
دعوات لضمان الكرامة الإنسانية
شددت منظمة العفو الدولية، في ختام بيانها، على أن أي تأخير أو تقصير في توفير الرعاية الصحية اللازمة للمحتجزين قد يشكل انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان، مؤكدة أن حماية الكرامة الإنسانية للمحتجزين يجب أن تبقى أولوية مستقلة عن أي اعتبارات سياسية أو خلافات داخلية، ودعت المنظمة السلطات التونسية إلى الالتزام الكامل بالمعايير الدولية وضمان عدم تعريض أي شخص محتجز لأي مخاطر صحية أو إهمال طبي.
تُعد قضية الاحتجاز في السياقات السياسية من أكثر القضايا حساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث تشدد الاتفاقيات الدولية على ضرورة ضمان معاملة إنسانية لجميع المحتجزين دون استثناء، بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية والتمثيل القانوني والمحاكمة العادلة، كما تعتبر مسألة الاحتجاز التعسفي من أبرز الانتهاكات التي تتابعها الأمم المتحدة عبر آليات خاصة، نظرا لتأثيرها المباشر على الحريات العامة واستقلال القضاء، وفي الحالة التونسية تكتسب هذه القضية بُعدا إضافيا بسبب التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، وما رافقها من جدل داخلي وخارجي حول توازن السلطات وضمانات الحقوق والحريات، وهو ما يجعل أي تطورات تتعلق بشخصيات سياسية بارزة محل متابعة دقيقة من المنظمات الحقوقية الدولية.
