منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من المرض إلى مشروع حياة.. عراقية تحوّل معاناتها إلى معمل لطحين اللوز الصحي

14 أغسطس 2026
الشيف العراقية وداد فرمان
الشيف العراقية وداد فرمان

لم تبدأ حكاية أخصائية التغذية العلاجية والشيف العراقية وداد فرمان من مطبخ أو مشروع تجاري، بل من معاناة شخصية مع المرض دفعتها إلى إعادة اكتشاف علاقتها بالغذاء، والبحث عن حلول صحية تتجاوز الاعتماد على الأدوية وحدها.

عاشت فرمان تجربة صحية صعبة لسنوات، بعد تشخيص حالتها في البداية على أنها حساسية من الحنطة، قبل أن تكشف الفحوصات الدقيقة أنها لا تعاني من حساسية الغلوتين، وإنما من القولون العصبي وحساسية تجاه بعض المنتجات الغذائية، من بينها طحين الذرة الصفراء، بحسب وكالة “أنباء المرأة”.

هذه التجربة غيّرت مسار حياتها، إذ أدركت أهمية التشخيص الطبي الدقيق وتأثير النظام الغذائي في صحة الإنسان، لتبدأ رحلة دراسة التغذية العلاجية والتخصص في إعداد الأغذية الصحية، وتحول تجربتها الشخصية إلى مشروع يهدف إلى مساعدة الآخرين ممن يعانون مشكلات مشابهة.

أول معمل متخصص

بعد سنوات من البحث والتعلم، أسست وداد فرمان معملا لإنتاج الأغذية الصحية تحت العلامة التجارية “أسلوب حياة صحية”، ليكون أول معمل في العراق متخصص بإنتاج طحين اللوز ومنتجات غذائية تعتمد عليه بديلا عن الطحين الأبيض.

داخل المعمل، تُقشر حبات اللوز وتُطحن لإنتاج طحين يستخدم في إعداد أنواع مختلفة من المخبوزات والمعجنات الصحية، مع الحرص على إعداد المنتجات يوميا للحفاظ على جودتها.

وتؤكد فرمان أن منتجاتها تعتمد على مكونات ذات قيمة غذائية عالية، وتخلو من الغلوتين والسكر المكرر والزيوت المهدرجة، وتستهدف خصوصا الأشخاص الذين يعانون السكري، وحساسية الحنطة، وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى الراغبين في اتباع نمط غذائي أكثر صحة.

تعتمد في وصفاتها على مكونات مثل بذور الكتان والشيا والقرع، مع إعداد برامج غذائية تراعي الحالة الصحية لكل شخص بالتنسيق مع توجيهات الطبيب المعالج.

من تركيا إلى العراق

لم تكن فكرة الغذاء الصحي جديدة بالنسبة إلى فرمان، إذ بدأت تجربتها العملية خلال إقامتها في تركيا، حيث عملت على إعداد بدائل صحية للخبز والمعجنات باستخدام طحين الشعير والشوفان.

وكان من بين زبائنها عراقيون مقيمون في تركيا، خاصة مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم ومرضى السرطان وأطفال التوحد، وهو ما عزز قناعتها بأهمية نشر ثقافة الغذاء الصحي في مجتمعها بعد عودتها إلى العراق.

ولم تكتفِ بالتجربة العملية، بل عملت على تطوير خبرتها العلمية، وحصلت على دبلوم في التغذية العلاجية مصدق من المعهد البريطاني في الأردن، وشهادة البورد الأميركي، إلى جانب دورات متخصصة في فنون الطهي الصحي.

وسجلت علامتها التجارية لدى وزارة الصناعة والمعادن، لتصبح، بحسب ما ذكرته، أول شيف عراقية تحصل على علامة تجارية خاصة بمعمل متخصص في إنتاج الأغذية الصحية.

صحة النساء في قلب التجربة

تشير فرمان إلى أن نسبة كبيرة من مراجعيها من النساء، خصوصا المصابات بالسكري، وارتفاع ضغط الدم، وتكيس المبايض، ومقاومة الأنسولين، إضافة إلى مرضى السرطان وحالات حساسية الطعام.

وترى أن الوقاية تبدأ من الوعي، مؤكدة أهمية الفحوصات الدورية والكشف المبكر عن سرطان الثدي والرحم، إلى جانب تبني أسلوب حياة يعتمد على الغذاء المتوازن والنشاط البدني.

بالنسبة لها، لا يتعلق الغذاء الصحي بمجرد تغيير قائمة الطعام، بل بإعادة بناء علاقة الإنسان بجسده وصحته، وجعل الوقاية جزءا من الحياة اليومية.

تحديات صناعة الغذاء الصحي

رغم نجاح التجربة، تواجه فرمان تحديات مرتبطة بطبيعة السوق العراقية، وعلى رأسها نقص المواد الأولية الخاصة بصناعة الأغذية الصحية، ما يدفعها إلى استيراد بعض المكونات مثل الكينوا وبعض مستلزمات المنتجات الخالية من الغلوتين من دول أوروبية، وهو ما يرفع كلفة الإنتاج.

لكنها ترى أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الحفاظ على صحة الإنسان، داعية إلى الابتعاد عن الوجبات السريعة، والاعتماد على الطعام المعد في المنزل، وممارسة الرياضة، وتنظيم النوم، وعدم تناول المكملات الغذائية أو الأدوية من دون استشارة طبية.

وتختصر رحلة وداد فرمان قصة انتقال من الألم إلى الأمل؛ فالتجربة التي بدأت بمرض شخصي أصبحت مشروعا يساعد آخرين على اكتشاف أن الغذاء قد يكون جزءا من العلاج، وأن تغيير نمط الحياة يمكن أن يكون بداية لاستعادة الصحة.