في نيكاراغوا، لا تنفصل أزمة حقوق الإنسان عن قضية الأرض، فالتحديث الشفهي الذي قدّمه مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان أظهر أن الشعوب الأصلية والمنحدرين من أصول إفريقية لا يواجهون فقط تضييقاً سياسياً عاماً، بل يتعرضون أيضاً لتهديد مباشر يمس أراضيهم ومواردهم وحقهم في الحكم الذاتي، نتيجة التوسع في أنشطة التعدين والتنقيب عن الذهب.
يكتسب هذا الملف حساسية خاصة لأن الأرض بالنسبة للشعوب الأصلية ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أساس للهوية والثقافة والوجود الجماعي، لذلك، فإن أي تهديد للأراضي التقليدية لا يعني فقط فقدان مساحة جغرافية، بل قد يؤدي إلى تفكيك نمط حياة كامل، وضرب العلاقة التاريخية بين المجتمعات وبيئتها ومواردها.
وفق ما عُرض في الجلسة، باتت حقوق الشعوب الأصلية في أراضيها مهددة بسبب التوسع في أنشطة التعدين والتنقيب عن الذهب، وأشار التحديث إلى أن الامتيازات الممنوحة لشركات أجنبية أصبحت مصدراً مهماً للإيرادات في ظل العقوبات والعزلة السياسية التي تواجهها الحكومة، وهذا يطرح إشكالية حقوقية واضحة: عندما تصبح الموارد الطبيعية وسيلة لتعويض العزلة السياسية والاقتصادية، قد تتحول أراضي المجتمعات المحلية إلى ضحية مباشرة.
وقد لاحظ مكتب المفوض السامي أن نصف تراخيص التعدين الممنوحة خلال الأشهر الستة الأخيرة أثرت على مناطق الساحل الكاريبي التي تقطنها الشعوب الأصلية والمنحدرون من أصول إفريقية، كما تشير تقارير المجتمع المدني إلى أن ما يقارب ربع أراضي الشعوب الأصلية بات مهدداً بأنشطة التعدين، هذه الأرقام تكشف أن القضية ليست محدودة أو موضعية، بل تمس مناطق واسعة وجماعات لها حقوق جماعية معترف بها.
حقوق الشعوب الأصلية
الخطورة هنا لا ترتبط بالتعدين كقطاع اقتصادي فحسب، بل بطريقة اتخاذ القرار، فحقوق الشعوب الأصلية تقتضي احترام مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة قبل تنفيذ المشاريع التي تؤثر على أراضيها أو مواردها، وأي توسع في الامتيازات دون مشاركة حقيقية لهذه المجتمعات يمثل انتهاكاً لحقوقها في الأرض، والثقافة، والبيئة، والتنمية، وتقرير الأولويات الخاصة بها.
كما أن سيطرة الحزب الحاكم على المجالس الإقليمية في الساحل الكاريبي الشمالي والجنوبي، كما ورد في التحديث، تقوض استقلالية الشعوب الأصلية والمنحدرين من أصول إفريقية، وهذا يعني أن التهديد لا يأتي فقط من الشركات أو مشاريع التعدين، بل من إضعاف المؤسسات المحلية التي يفترض أن تمثل هذه المجتمعات وتحمي مصالحها.
عندما تُضعف أدوات الحكم الذاتي، يصبح من الأسهل تمرير قرارات تمس الأرض والموارد دون رقابة مجتمعية حقيقية، وحين تُغلق المساحات المدنية والإعلامية، يصبح من الصعب على المجتمعات المتضررة رفع صوتها أو الطعن في القرارات أو إيصال روايتها إلى الخارج، وهكذا يتداخل القمع السياسي مع الانتهاك البيئي والاقتصادي.
تهديد أراضي الشعوب الأصلية
من منظور حقوقي، فإن تهديد أراضي الشعوب الأصلية لا يمكن عزله عن باقي الأزمة في نيكاراغوا، فالبلاد تشهد إغلاقاً شبه كامل للحيز المدني، وسحباً للصفة القانونية من آلاف المنظمات، وتضييقاً على الإعلام، وحظراً لأحزاب معارضة، بينها حزب يمثل الشعوب الأصلية، وفي مثل هذه البيئة، تصبح قدرة المجتمعات الأصلية على الدفاع عن أراضيها أضعف بكثير.
التعدين في مناطق الشعوب الأصلية قد يحمل آثاراً متعددة، منها تدهور بيئي، وتلويث للمياه، وتدمير للغابات، ونزاعات على الأرض، وتهجير غير مباشر، وإضعاف للاقتصادات المحلية التقليدية، كما قد يؤدي إلى توترات بين المجتمعات والدولة أو الشركات، خاصة إذا شعر السكان أن مواردهم تُستخرج دون موافقتهم أو استفادتهم العادلة.
ولا يقتصر الأمر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل يتصل أيضاً بالحقوق الثقافية، فالأرض تحمل ذاكرة وممارسات روحية ولغوية واجتماعية، وعندما تتعرض للتعدين أو الاستغلال الواسع، فإن الضرر لا يصيب الطبيعة فقط، بل يمس التراث والهوية والعلاقات الاجتماعية، لذلك، فإن حماية الأرض هي أيضاً حماية للثقافة والكرامة الجماعية.
وقد دعا مكتب المفوض السامي إلى اهتمام دولي عاجل بالوضع في نيكاراغوا، بما يشمل استعادة سيادة القانون وإعادة فتح الحيز المدني، وفي ملف الشعوب الأصلية، يعني ذلك ضرورة ضمان مشاركة حقيقية وفعالة لهذه المجتمعات في القرارات المتعلقة بأراضيها، ووقف أي تراخيص أو امتيازات تُمنح دون احترام حقوقها الجماعية.
الشفافية في منح الامتيازات
ينبغي التحقيق في آثار مشاريع التعدين القائمة والمخططة، وضمان الشفافية في منح الامتيازات، ومحاسبة الشركات التي قد تستفيد من بيئة قمعية أو غياب الرقابة، فالشركات، سواء كانت محلية أو أجنبية، تتحمل مسؤولية احترام حقوق الإنسان، خصوصاً عندما تعمل في مناطق تشهد ضعفاً في سيادة القانون وإغلاقاً للمجال المدني.
إن قضية التعدين في نيكاراغوا تكشف عن وجه آخر للأزمة: فالقمع لا يظهر فقط في السجون أو المحاكم أو إسقاط الجنسية، بل أيضاً في السيطرة على الأرض والموارد، وعندما تُهمش الشعوب الأصلية في القرارات التي تحدد مستقبل أراضيها، فإن الانتهاك يصبح مزدوجاً: سياسي وبيئي، فردي وجماعي، حاضر ومستقبلي.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية إذا جاءت على حساب الشعوب الأصلية وحقوقها في الأرض والهوية والمشاركة، ولا يمكن اعتبار التعدين مصدراً مشروعاً للإيرادات إذا كان يقوم على إضعاف الحكم الذاتي وتجاهل الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة.
وتتطلب حماية الشعوب الأصلية في نيكاراغوا أكثر من إدانة عامة، إنها تحتاج إلى وقف التوسع غير الشفاف في التعدين، وضمان استقلالية المجالس الإقليمية، وإعادة فتح الحيز المدني، وحماية المدافعين عن الأرض والبيئة، وإلزام الشركات باحترام حقوق الإنسان، فالأرض ليست مجرد ثروة قابلة للاستخراج، بل حقاً جماعياً وذاكرةً وهويةً ومستقبلاً.
