لم تعد مسؤولية الشركات عن حقوق الإنسان محصورة في المصانع والمناجم وساعات العمل والأجور، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وتشابك سلاسل القيمة العالمية، فقد أظهرت مناقشات المنتدى الرابع عشر للأعمال وحقوق الإنسان، كما عُرضت أمام مجلس حقوق الإنسان، أن التكنولوجيا لم تعد ملفاً تقنياً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً مباشراً من سؤال الحقوق والمساءلة والإنصاف.
ناقش المنتدى، الذي عُقد في جنيف بمشاركة أكثر من 4600 مشارك من 146 دولة، قضايا متعددة من بينها الذكاء الاصطناعي، والعناية الواجبة في حقوق الإنسان، وهجرة العمالة، والمساءلة البيئية، والانتقال العادل، والوصول إلى سبل الانتصاف، وهذا التنوع يعكس أن عالم الأعمال اليوم لم يعد يعمل في فضاءات منفصلة؛ فالقرار التكنولوجي قد يؤثر على العمال، والبيئة، والخصوصية، والمساواة، وحقوق المجتمعات المحلية، وحتى على فرص الوصول إلى العدالة.
الذكاء الاصطناعي يطرح تحدياً جديداً لأنه يعمل غالباً بطريقة غير مرئية بالنسبة للمتضررين، فقد تتخذ أنظمة خوارزمية قرارات أو تدعم قرارات تتعلق بالتوظيف، أو تقييم الأداء، أو منح الخدمات، أو إدارة العمال، أو مراقبة سلاسل التوريد، أو تحليل المخاطر، وفي حال غياب الشفافية، قد لا يعرف المتضرر كيف اتُخذ القرار، ولا من المسؤول عنه، ولا كيف يمكن الاعتراض عليه.
وهنا تظهر إشكالية حقوقية أساسية: كيف يمكن ضمان عدم التمييز والإنصاف عندما تُستخدم أنظمة معقدة لا يفهمها معظم الناس؟ فإذا كانت البيانات التي تعتمد عليها هذه الأنظمة منحازة، أو إذا صُممت الخوارزميات دون مراعاة الفئات المهمشة، فقد تؤدي إلى تكريس التمييز بدلاً من الحد منه، وهذا قد يمس النساء، والعمال المهاجرين، والأقليات، والأشخاص ذوي الإعاقة، والفئات ذات الدخل المحدود.
الذكاء الاصطناعي وتحسين الكفاءة
في بيئة العمل، يمكن أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الكفاءة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى أداة للمراقبة والضغط، فأنظمة تتبع الإنتاجية، وتقييم الموظفين آلياً، وجدولة العمل، قد تؤثر على الحق في ظروف عمل عادلة، والخصوصية، والسلامة النفسية، وحرية التنظيم النقابي، وإذا لم تكن هناك ضوابط واضحة، قد يجد العامل نفسه خاضعاً لنظام يراقبه ويقيّمه ويعاقبه دون تدخل بشري كافٍ أو فرصة حقيقية للطعن.
وتزداد هذه المخاطر داخل سلاسل القيمة العالمية، حيث تعتمد الشركات الكبرى على شبكات واسعة من الموردين والمتعاقدين في دول متعددة، في هذه السلاسل، قد تُستخدم التكنولوجيا لتسريع الإنتاج وخفض الكلفة، لكنها قد تخفي أيضاً الانتهاكات في مستويات بعيدة من التوريد، فإذا لم تُطبق الشركات العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان بشكل جدي، فقد تستفيد من عمالة هشة أو ظروف غير آمنة أو ممارسات تمييزية دون أن تتحمل المسؤولية الكاملة.
العناية الواجبة هنا تصبح أداة مركزية؛ فالمطلوب من الشركات ألّا تكتفي بإعلان أنها تستخدم التكنولوجيا بطريقة مسؤولة، بل أن تفحص آثارها الفعلية على الحقوق، وهذا يشمل تقييم المخاطر قبل إطلاق الأنظمة، ومراجعة البيانات المستخدمة، وضمان الشفافية، وإشراك المتضررين، وتوفير آليات تظلم فعالة، ومراقبة أثر التكنولوجيا على العمال والمجتمعات بشكل مستمر.
كما أن الذكاء الاصطناعي يطرح سؤالاً مهماً حول المسؤولية: من يتحمل الضرر عندما تتسبب خوارزمية في قرار مجحف؟ هل هي الشركة التي استخدمت النظام؟ أم الشركة التي صممته؟ أم المورد الذي زود البيانات؟ أم الجهة التي طبقت القرار؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر تعقيداً في سلاسل القيمة العابرة للحدود، حيث تتوزع المسؤوليات بين عدة أطراف ودول.
الأعمال وحقوق الإنسان
من هنا، فإن المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال وحقوق الإنسان تقدم إطاراً مهماً، لكنها تحتاج إلى تطبيق أكثر صرامة في المجال الرقمي، فمسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان يجب أن تشمل التكنولوجيا التي تطورها أو تشتريها أو تستخدمها، ولا يجوز للشركات أن تتذرع بتعقيد الأنظمة التقنية لتجنب المساءلة.
الدول أيضاً تتحمل دوراً أساسياً، فهي مطالبة بوضع أطر قانونية وتنظيمية تضمن ألّا تُستخدم التكنولوجيا على حساب الحقوق، ويشمل ذلك حماية البيانات، ومنع التمييز الخوارزمي، وضمان الشفافية، وإلزام الشركات بتقييمات أثر حقوقية، وتوفير سبل انتصاف للمتضررين، فغياب التنظيم لا يعني حياد السوق، بل قد يترك الأفراد أمام قوة تكنولوجية واقتصادية يصعب مساءلتها.
كما يجب الانتباه إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يؤثر فقط على المستخدمين المباشرين، بل على العمال غير المرئيين خلف هذه التكنولوجيا: من يجمعون البيانات، ومن يصنفون المحتوى، ومن يعملون في ظروف رقمية هشة، ومن يدخلون ضمن سلاسل توريد الأجهزة والمعادن والطاقة اللازمة لتشغيل الأنظمة، لذلك، فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي المسؤول يجب أن يشمل كامل السلسلة، لا الواجهة التقنية فقط.
ويرتبط هذا أيضاً بالمساءلة البيئية، فالبنية الرقمية تعتمد على مراكز بيانات وطاقة ومعادن وسلاسل إنتاج قد تترك أثراً بيئياً واجتماعياً واسعاً، وبالتالي، فإن أي نقاش عن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان يجب أن يربط بين التكنولوجيا والبيئة والعمل وحقوق المجتمعات المحلية، لا أن يحصر المسألة في الخصوصية أو البيانات فقط.
العالم يواجه أزمات متداخلة
أكد تقرير المنتدى أن العالم يواجه أزمات متداخلة: عدم مساواة، نزاعات، تغير مناخ، تدهور بيئي، واضطراب في سلاسل القيمة العالمية، في هذا السياق، قد يكون الذكاء الاصطناعي أداة للمساعدة على فهم المخاطر وإدارتها، لكنه قد يصبح أيضاً وسيلة لتعميق الفجوات إذا استُخدم بلا ضوابط حقوقية.
الفرق بين المسارين يتوقف على الحوكمة والمساءلة، فالتكنولوجيا ليست محايدة تماماً؛ فهي تعكس اختيارات من يصممها ويمولها ويستخدمها، وإذا غابت المشاركة والشفافية والرقابة، فإن الخوارزميات قد تتحول إلى سلطة غير مرئية تؤثر في حياة الناس دون أن تخضع لمحاسبة كافية.
في النهاية، يطرح الذكاء الاصطناعي أمام الشركات اختباراً جديداً: هل ستستخدم التكنولوجيا لتعزيز الكرامة والعدالة والشفافية، أم لتعظيم الربح وتقليل الكلفة ولو على حساب الحقوق؟ كما يطرح أمام الدول اختباراً موازياً: هل ستوفر تنظيماً يحمي الإنسان، أم ستترك المجال لقوة السوق وحدها؟
إن مستقبل الأعمال وحقوق الإنسان لن يتحدد فقط في المصانع والمجالس الإدارية، بل أيضاً في الخوارزميات وقواعد البيانات وسلاسل التوريد الرقمية، ولذلك، فإن الانتقال من المبادئ إلى المساءلة أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون فرصة، لكنه من دون عناية واجبة وشفافية وانتصاف، قد يصبح وجهاً جديداً لانتهاكات قديمة بأدوات أكثر تعقيداً.
