لم يعد انعدام الأمن الغذائي في شرق إفريقيا نتيجة لنقص الغذاء وحده، بل أصبح انعكاسا لتداخل التغير المناخي مع هشاشة الأنظمة الزراعية وضعف القدرة على التكيف.
وفي هذا السياق، يبرز الحق في الغذاء بوصفه أحد أكثر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تعرضا للتهديد، مع تزايد موجات الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية.
وتقدم كينيا وإثيوبيا نموذجين واضحين لهذه المعادلة، إذ يعتمد ملايين السكان في البلدين على الزراعة المطرية والرعي كمصدر رئيسي للغذاء والدخل، ما يجعلهم أكثر عرضة لتقلبات المناخ وتغير أنماط هطول الأمطار.
ومع تكرار مواسم الجفاف، لم تعد الأزمة مرتبطة بالإنتاج الزراعي فقط، بل امتدت إلى سبل العيش والصحة والتغذية، لتتحول إلى قضية حقوق إنسان تمس الحق في الغذاء والتنمية والحياة الكريمة.
لماذا كينيا وإثيوبيا؟
يمثل البلدان إحدى أكثر مناطق القرن الأفريقي تأثرا بالتغيرات المناخية، كما يجمعان بين الاعتماد الكبير على الزراعة والرعي، وارتفاع معدلات الفقر والهشاشة المناخية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في الأمطار أو الموارد المائية ينعكس سريعا على الأمن الغذائي لملايين السكان.
ولهذا، أصبحت التجربتان من أبرز النماذج التي تستند إليها الأمم المتحدة في تقييم العلاقة بين التغير المناخي والحق في الغذاء.
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 6.8 ملايين شخص في إثيوبيا مستهدفون بالمساعدات الغذائية خلال عام 2025، في ظل تداخل آثار الجفاف مع النزاعات المحلية وارتفاع أسعار الغذاء والأمراض، وهي عوامل أدت إلى تفاقم أوضاع الأمن الغذائي.
وأظهر التقييم الحكومي الإثيوبي أن 15.8 مليون شخص احتاجوا إلى مساعدات غذائية خلال عام 2024، بينهم أكثر من 4 ملايين نازح داخليا، في وقت أدى فيه تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق أعداد كبيرة من الماشية إلى تقليص مصادر الدخل والغذاء لدى الأسر الريفية.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بموسم جفاف عابر، بل أصبحت تعكس هشاشة متراكمة تهدد قدرة ملايين السكان على الحصول على الغذاء بصورة منتظمة.
الجفاف يهدد سبل العيش
في كينيا، لا تزال المناطق الشمالية والشمالية الشرقية الأكثر تضررا من آثار الجفاف، لاعتمادها الكبير على الرعي والزراعة التقليدية.
ووفق بيانات الأمم المتحدة وشركائها الإنسانيين، يواجه أكثر من مليوني شخص خطر انعدام الأمن الغذائي نتيجة تراجع الأمطار ونفوق الماشية، فيما سجلت عشر مقاطعات مستويات جفاف حرجة رافقها ارتفاع في معدلات سوء التغذية ونقص المياه.
وتشير التقارير الدولية إلى أن تكرار مواسم الأمطار الفاشلة خلال السنوات الأخيرة أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، وأضعف قدرة المجتمعات المحلية على التعافي من الصدمات المناخية المتلاحقة.
تغير المناخ يعمق أزمة الغذاء
تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن تغير المناخ أصبح أحد أبرز التهديدات التي تواجه استدامة الإنتاج الزراعي في القرن الإفريقي، نتيجة تزايد موجات الجفاف والفيضانات وتدهور الأراضي الزراعية.
ويرى خبراء المناخ أن ارتفاع درجات حرارة المحيطات وتطور ظواهر مناخية مثل إلنينيو يسهمان في زيادة تقلبات الأمطار، وهو ما ينعكس مباشرة على إنتاج المحاصيل وتوافر المياه والمراعي ويؤثر بشدة على الحق في الغذاء.
وتحذر منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي من أن استمرار هذه التحولات قد يدفع ملايين إضافية إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي إذا لم تعزز الدول سياسات التكيف المناخي والاستجابة المبكرة، بما يشمل إدارة الموارد المائية، وتطوير أنظمة الري، واستعادة الأراضي المتدهورة، ودعم المجتمعات الزراعية الأكثر هشاشة.
الجفاف والحق في الغذاء
يرى الخبير الدولي في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أن أزمة الأمن الغذائي في كينيا وإثيوبيا لا يمكن اختزالها في آثار الجفاف وحدها، بل تعكس هشاشة هيكلية تراكمت على مدى سنوات نتيجة تداخل التغيرات المناخية مع النمو السكاني السريع وضعف قدرة الأنظمة الزراعية على التكيف، إلى جانب تراجع التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية.
ويؤكد الزعبي، في حديثه لـ”صفر”، أن الجفاف لم يعد ظاهرة موسمية مؤقتة، بل تحول إلى عامل دائم يعيد تشكيل واقع الأمن الغذائي في منطقة القرن الأفريقي، ويزيد من هشاشة المجتمعات التي تعتمد بصورة رئيسية على الزراعة والرعي.
وتنسجم هذه القراءة مع ما أورده تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025” الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والذي أشار إلى أن نحو 673 مليون شخص عانوا من الجوع خلال عام 2024، فيما تضم إفريقيا أكثر من 307 ملايين شخص يعانون من الجوع المزمن، تتركز نسبة كبيرة منهم في شرق القارة.
هشاشة زراعية تتفاقم
ويشير الزعبي إلى أن إثيوبيا تمثل إحدى أكثر بؤر الهشاشة الغذائية في إفريقيا، إذ جاءت في المرتبة 100 من أصل 123 دولة على مؤشر الجوع العالمي لعام 2025، بدرجة 24.4، وهو ما يضعها ضمن فئة الدول التي تعاني وضعاً غذائيا خطيرا.
وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن أكثر من 10 ملايين شخص يواجهون الجوع أو سوء التغذية، بينهم نحو 3 ملايين نازح داخلياً، بينما يحتاج 4.4 مليون طفل وامرأة حامل ومرضعة إلى تدخلات عاجلة لمعالجة سوء التغذية.
ويضيف أن اعتماد أكثر من 70% من القوى العاملة في إثيوبيا على القطاع الزراعي يجعل أي تراجع في الإنتاج أو فقدان للمحاصيل ينعكس مباشرة على معيشة ملايين الأسر الريفية، ويزيد من مستويات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
اتساع الفجوة الغذائية
رغم أن كينيا تمتلك اقتصادا أكثر تنوعا مقارنة بإثيوبيا، فإن المناطق الشمالية والشمالية الشرقية لا تزال تواجه أوضاعا غذائية مقلقة بسبب اعتمادها الكبير على الرعي والزراعة التقليدية.
ويشير الزعبي إلى أن نحو 2.8 مليون شخص احتاجوا إلى مساعدات غذائية خلال عام 2025، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في حين تتوقع اليونيسف أن يحتاج أكثر من 810 آلاف طفل دون الخامسة إلى علاج من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026.
ويرى أن هذه المؤشرات تؤكد أن التحسن الاقتصادي في بعض القطاعات لم ينعكس بالدرجة نفسها على المجتمعات الأكثر هشاشة، التي لا تزال تعتمد بصورة مباشرة على الموارد الطبيعية المتأثرة بالمناخ.
النمو السكاني والحق في الغذاء
يؤكد الزعبي أن موجات الجفاف التي شهدها القرن الأفريقي بين عامي 2020 و2023، والتي تضمنت أربعة مواسم مطرية متتالية فاشلة، تعد من أسوأ موجات الجفاف منذ سبعينيات القرن الماضي.
وأدت هذه الظروف، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى نفوق ما لا يقل عن 9.5 مليون رأس من الماشية في المنطقة، بينها نحو 4 ملايين رأس في إثيوبيا و2.5 مليون رأس في كينيا.
ولا تقتصر الخسائر، بحسب الزعبي، على فقدان مصدر للدخل، بل تمتد إلى تقويض الأمن الغذائي للأسر الرعوية التي تعتمد على الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للغذاء والادخار.
التكيف مع المناخ
يضيف الزعبي أن النمو السكاني المتسارع يزيد من الضغوط على الأراضي الزراعية والموارد المائية، في وقت تتراجع فيه خصوبة التربة وتتوسع رقعة التصحر، وهو ما يجعل تحقيق الأمن الغذائي أكثر تعقيداً في السنوات المقبلة.
ويرى أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن كينيا وإثيوبيا تسيران بالوتيرة المطلوبة لتحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالقضاء على الجوع بحلول عام 2030.
ويؤكد أن تحسين الأمن الغذائي يتطلب تحولاً في السياسات الزراعية، يقوم على الاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً، وتطوير أنظمة الري وحصاد المياه، وتمكين المرأة الريفية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع آثار التغير المناخي.
الحق في الغذاء
تكشف تجربتا كينيا وإثيوبيا أن الجوع في القرن الإفريقي لم يعد مجرد نتيجة لنقص الإنتاج الزراعي، بل أصبح انعكاسا لتداخل التغيرات المناخية مع الهشاشة الاقتصادية وضعف القدرة على التكيف.
وفي ظل استمرار موجات الجفاف وتراجع الموارد الطبيعية، يتجاوز الأمن الغذائي كونه تحديا إنسانيا ليصبح اختبارا لمدى قدرة الدول والمجتمع الدولي على الوفاء بالحق في الغذاء باعتباره أحد الحقوق الأساسية التي لا تنفصل عن الحق في الصحة والتنمية والحياة الكريمة.
وتؤكد التجربتان أن الاستجابة المستدامة لا تتحقق بتوسيع المساعدات الإنسانية وحدها، وإنما ببناء نظم غذائية أكثر قدرة على الصمود، وتعزيز الاستثمار في الزراعة والمياه والتكيف المناخي، بما يحد من هشاشة المجتمعات ويحمي حقها في الغذاء في مواجهة الأزمات المستقبلية.
