منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

الفقر نتاج للسياسات.. لماذا لا تكفي المساعدات لمواجهة اللامساواة؟

20 يونيو 2026
مكافحة الفقر لا تنفصل عن إصلاح النظام الاقتصادي والمالي الأوسع
مكافحة الفقر لا تنفصل عن إصلاح النظام الاقتصادي والمالي الأوسع

لم يعد الفقر في الخطاب الحقوقي الحديث يُقرأ باعتباره نتيجة فردية أو قدراً اجتماعياً أو حالة إنسانية تعالج بالمساعدات فقط، فالتقارير الأممية الحديثة، وخاصة التقرير المعنون “صناعة الفقر”، تدفع باتجاه قراءة أكثر صراحة.. الفقر لا يحدث في الفراغ، بل تصنعه السياسات، وتعيد إنتاجه أنظمة اقتصادية واجتماعية غير عادلة، وتعمقه الحماية الاجتماعية الضعيفة، والعمل غير اللائق، والديون، والمناخ، واللامساواة في توزيع الموارد.

هذه الزاوية تغير السؤال جذرياً، فبدلاً من أن نسأل فقط: كم عدد الفقراء؟ يصبح السؤال: ما السياسات التي تجعل الناس فقراء؟ ومن يستفيد من استمرار اللامساواة؟ ولماذا لا تكفي المساعدات المؤقتة وحدها لكسر دائرة الفقر؟

وغالباً ما يتم التعامل مع الفقر من زاوية الدخل: من يعيش تحت خط الفقر؟ من يحتاج إلى مساعدات؟ من لا يستطيع تأمين احتياجاته الأساسية؟ لكن هذه القراءة، رغم أهميتها، تبقى محدودة إذا لم تربط الفقر بالحقوق.

فالفقير لا يعاني فقط قلة المال، هو غالباً يواجه صعوبة في الوصول إلى التعليم الجيد، الرعاية الصحية، السكن اللائق، الغذاء الكافي، النقل، الحماية الاجتماعية، العدالة، والمشاركة في القرار، لذلك، فإن الفقر ليس رقماً اقتصادياً فقط، بل حالة حرمان مركبة تمس الكرامة الإنسانية.

وهنا تظهر أهمية التقرير الأممي حول “صناعة الفقر”؛ لأنه لا يتعامل مع الفقر بوصفه أزمة خيرية، بل مسألة حقوقية ترتبط باختيارات سياسية قابلة للمراجعة والمساءلة.

أرقام تكشف حجم المشكلة

يشير التقرير إلى أن 845 مليون شخص كانوا يعيشون في فقر مدقع عام 2025، لكن الأهم أن التقرير لا يكتفي بخط الفقر التقليدي، بل يوضح أنه إذا استُخدم خط أكثر واقعية عند 8.20 دولار يومياً، فإن عدد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر يصل إلى نحو 3.7 مليار شخص.

هذا الفرق بين الرقمين ليس تفصيلاً إحصائياً، إنه يكشف أن التعريفات الضيقة للفقر قد تخفي واقعاً أوسع من الهشاشة، فهناك ملايين الأشخاص قد لا يصنفون فقراء وفق خط منخفض جداً، لكنهم لا يملكون ما يكفي لحياة كريمة أو آمنة، قد يكونون قادرين على البقاء، لكنهم غير قادرين على العيش بكرامة.

المساعدات الإنسانية والاجتماعية مهمة، خاصة في الأزمات، لكنها تصبح محدودة الأثر إذا بقيت منفصلة عن إصلاح أعمق للسياسات التي تصنع الفقر، فالأسرة التي تحصل على مساعدة مؤقتة قد تعود إلى الهشاشة نفسها إذا بقي العمل غير مستقر، والخدمات مكلفة، والحماية الاجتماعية ضعيفة، والأسعار ترتفع، والديون تضغط على الدولة، والمناخ يهدد مصادر الدخل.

لذلك، لا تكفي المساعدات إذا لم ترافقها سياسات تعيد توزيع الفرص والموارد، المطلوب ليس فقط تخفيف آثار الفقر، بل منع إنتاجه من جديد، وهذا يعني أن مكافحة الفقر تحتاج إلى حماية اجتماعية دائمة، عمل لائق، ضرائب أكثر عدالة، تعليم وصحة عامين بجودة مقبولة، وسكن ميسور، وسياسات تستهدف الفئات الأكثر هشاشة.

العمل لا يعني الخروج من الفقر

واحدة من أهم الأفكار التي يجب التركيز عليها أن وجود العمل لا يعني بالضرورة الخروج من الفقر، فهناك ملايين الأشخاص يعملون، لكنهم يبقون فقراء بسبب تدني الأجور، غياب الحماية الاجتماعية، العمل غير الرسمي، انعدام الاستقرار الوظيفي، أو ظروف العمل غير الآمنة.

وهنا يصبح سؤال “خلق فرص العمل” غير كافٍ، المطلوب هو خلق عمل لائق، أي عمل يوفر دخلاً يكفي للحياة، حماية من الاستغلال، ضماناً اجتماعياً، بيئة آمنة، وحقاً في التنظيم والمطالبة بالحقوق، فالعمل الذي يبقي الإنسان في الفقر ليس حلاً للفقر، بل أحد أشكال إعادة إنتاجه.

ويعامل التقرير الحماية الاجتماعية بوصفها جزءاً أساسياً من مواجهة الفقر، لكنها يجب ألا تكون مجرد برامج مساعدة مؤقتة أو منحة مشروطة، بل حق يضمن للناس الحد الأدنى من الأمان عند المرض، البطالة، الشيخوخة، الإعاقة، فقدان الدخل، الكوارث، أو ارتفاع الأسعار.

الحماية الاجتماعية الضعيفة تجعل الناس يعيشون دائماً على حافة السقوط، مرض واحد، فقدان وظيفة، كارثة مناخية، أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار قد يدفع أسرة كاملة إلى الفقر، لذلك، فإن بناء أنظمة حماية اجتماعية قوية ليس ترفاً مالياً، بل ضرورة حقوقية واقتصادية في الوقت نفسه.

المناخ يعمق الفقر

الفقر والمناخ أصبحا ملفين متداخلين، فالفئات الفقيرة هي غالباً الأكثر تضرراً من الكوارث المناخية، الجفاف، الفيضانات، تراجع الإنتاج الزراعي، ارتفاع أسعار الغذاء، وفقدان مصادر الدخل، وفي الوقت نفسه، هي الأقل قدرة على التعافي بعد الصدمات.

هذا ما ظهر أيضاً في تقارير الدول الجزرية الصغيرة، حيث يصبح تغير المناخ تهديداً مباشراً للحق في السكن والغذاء والمياه والصحة والعمل، وعندما تتحمل دول ومجتمعات قليلة المسؤولية عن الأزمة المناخية كلفة إنسانية عالية، يصبح الفقر جزءاً من سؤال العدالة المناخية.

لذلك، لا يمكن مكافحة الفقر دون سياسات مناخية عادلة، وتمويل لا يزيد أعباء الديون، وخطط حماية اجتماعية قادرة على الاستجابة للكوارث.

الديون تقلص قدرة الدول

في كثير من الدول، لا تكون المشكلة فقط في غياب البرامج، بل في ضيق المساحة المالية، فعندما تستهلك الديون وخدمة الدين جزءاً كبيراً من الموازنات، تتراجع قدرة الدولة على تمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنية التحتية.

وهذا يطرح سؤالاً حقوقياً مهماً: كيف يمكن للدولة أن تنفذ التزاماتها تجاه الفئات الفقيرة إذا كانت سياساتها المالية مقيدة بالديون والتقشف؟ وكيف يمكن مطالبة الدول بتوسيع الحماية الاجتماعية، في الوقت الذي تُدفع فيه نحو خفض الإنفاق العام؟

ومن هنا، فإن مكافحة الفقر لا تنفصل عن إصلاح النظام الاقتصادي والمالي الأوسع، ومنه الديون، الضرائب، شروط التمويل، وأولويات الموازنات.

النمو الاقتصادي لا يكفي

النمو الاقتصادي مهم، لكنه لا يضمن بالضرورة تقليل الفقر إذا لم يكن مصحوباً بتوزيع عادل للثروة والفرص، قد ينمو الاقتصاد، لكن يبقى الدخل متركزاً لدى فئة محدودة، وتبقى الخدمات ضعيفة، والفئات المهمشة خارج الاستفادة الفعلية.

لذلك، لا يكفي أن تسأل الدولة.. هل نما الاقتصاد؟ بل يجب أن تسأل: من استفاد من هذا النمو؟ هل تحسنت حياة الفقراء؟ هل انخفضت اللامساواة؟ هل توسعت الحماية الاجتماعية؟ هل تحسنت الخدمات العامة؟ وهل أصبح العمل أكثر كرامة وأماناً؟

النمو الذي لا يقلل الهشاشة ولا يحسن الحقوق الأساسية قد يكون نمواً رقمياً، لكنه ليس بالضرورة تقدماً حقوقياً.

قراءة تحليلية

أهمية تقرير “صناعة الفقر” أنه يدفعنا إلى تجاوز اللغة التقليدية التي تتعامل مع الفقر بوصفه حالة تستدعي الشفقة أو المساعدة، الفقر، في هذه القراءة، نتيجة خيارات: كيف تُفرض الضرائب؟ كيف توزع الموازنات؟ من يحصل على الخدمات؟ من يعمل بلا حماية؟ من يدفع كلفة المناخ؟ ومن يُترك خارج أنظمة الضمان؟

هذه الأسئلة تجعل مكافحة الفقر قضية مساءلة، لا قضية إحسان فقط، فالحق في الغذاء والصحة والسكن والعمل والتعليم لا يتحقق عبر مبادرات مؤقتة، بل عبر سياسات عامة عادلة ومستمرة.

الفقر لا يحدث صدفة، قد يبدأ بظرف فردي، لكنه يستمر ويتسع عندما تفشل السياسات في حماية الناس، لذلك، لا تكفي المساعدات وحدها لمواجهة اللامساواة، المطلوب هو الانتقال من إدارة الفقر إلى تفكيك أسبابه: حماية اجتماعية قائمة على الحقوق، عمل لائق، خدمات عامة، عدالة ضريبية، تمويل مناخي عادل، ومشاركة حقيقية للفئات المتضررة في صنع القرار.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print