منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحقوق الأساسية في ألمانيا بين الحروب والشعبوية.. مخاوف متصاعدة من إعادة تشكيل الدولة الديمقراطية

01 يونيو 2026
جنود في الجيش الألماني- أرشيف
جنود في الجيش الألماني- أرشيف

أمضى الأفغاني أحمد مصمم رحيمي قرابة عامين في باكستان بانتظار الحصول على تأشيرة دخول إلى ألمانيا، رغم امتلاكه موافقة رسمية سابقة من الحكومة الألمانية، وخلال تلك الفترة، عاش وسط أوضاع قانونية وإنسانية معقدة، بينما كانت برلين تعيد رسم أولوياتها السياسية والأمنية بعد تغير الحكومة وتصاعد الأزمات الدولية، وبعد وصوله إلى ألمانيا في ديسمبر 2025 تحوّلت قصته، التي استعرضها تقرير الحقوق الأساسية 2026، إلى مثال واضح على التحولات العميقة التي تشهدها البلاد، حيث باتت الاعتبارات الأمنية تتقدم تدريجياً على ملفات الحقوق والحريات والهجرة والمساعدات الإنسانية.

تحذيرات حقوقية غير مسبوقة

حذّر تقرير الحقوق الأساسية 2026، الصادر عن نحو عشر منظمات حقوقية ألمانية بينها منظمة برو أزويل والاتحاد الإنساني ورابطة حقوق الإنسان، من تعرض منظومة الحقوق الأساسية في ألمانيا لضغوط متزايدة بفعل الحروب العالمية وتصاعد الشعبوية واتساع السياسات الأمنية.

وأكد التقرير، الذي يصدر سنوياً منذ عام 1997 ويقع في 240 صفحة، أن ألمانيا تشهد تحولات بنيوية تمس العلاقة التقليدية بين دولة القانون والأمن الداخلي، مع تصاعد الميل إلى عسكرة السياسة العامة وتوسيع صلاحيات الدولة الأمنية.

وخلال مؤتمر صحفي عُقد في مدينة كارلسروه في 21 مايو 2026، قالت وزيرة العدل الألمانية السابقة هيرتا دويبلر غملين إن الحروب في أوكرانيا وغزة وإيران تمثل عاملا رئيسيا في إعادة تشكيل السياسات الأوروبية، مشيرة إلى أن الحروب العدوانية هي أخطر أشكال انتهاك حقوق الإنسان.

عسكرة غير مسبوقة

يرى معدو التقرير أن ألمانيا تشهد حالياً أكبر موجة عسكرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في ظل التوسع الهائل في الإنفاق الدفاعي بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

وبحسب بيانات الحكومة الألمانية، وافق الائتلاف الحاكم بالتعاون مع حزب الخضر على حزمة تمويل دفاعية ضخمة تصل إلى 500 مليار يورو، مخصصة لتحديث الجيش والبنية العسكرية والأمنية.

كما تشير بيانات وزارة الدفاع الألمانية إلى أن ميزانية الدفاع ارتفعت بصورة متسارعة خلال الأعوام الأخيرة، استجابة لضغوط حلف شمال الأطلسي “الناتو” وللتطورات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط.

ويرى تقرير الحقوق الأساسية 2026 أن هذا التحول لا يتعلق فقط بالسياسة الخارجية، بل ينعكس مباشرة على الداخل الألماني، من خلال إعادة ترتيب أولويات الدولة على حساب بعض الملفات الاجتماعية والإنسانية.

التنمية تتراجع لصالح الأمن

وفق بيانات وزارة التنمية الألمانية، تم تقليص ميزانية المساعدات التنموية خلال عام 2025 بمقدار 910 ملايين يورو، لتصل إلى 10.31 مليار يورو، واعتبرت هيرتا دويبلر غملين خلال المؤتمر الصحفي أن هذا التقليص يحمل تداعيات إنسانية خطيرة على الدول الفقيرة، خصوصاً في إفريقيا ومناطق النزاعات، موضحة أن خفض التمويل قد يؤدي إلى انهيار بعض الأنظمة الصحية وتراجع القدرة على التعامل مع الأزمات الإنسانية.

كما أعرب الجناح المحافظ داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، المعروف باسم “دائرة زيهايمر”، عن قلقه من تقليص المساعدات التنموية، مؤكداً في وثيقة سياسية نشرت في مايو 2026 أن المساعدات الخارجية تتعرض للتشكيك بصورة غير مسبوقة.

وتشير بيانات البرلمان الألماني “البوندستاغ” إلى أن نحو 50 نائباً من أصل 120 نائباً اشتراكياً أبدوا مخاوف من أن تؤدي الأولويات الأمنية الجديدة إلى إضعاف الدور الإنساني التقليدي لألمانيا.

الهجرة تحت ضغط السياسات الأمنية

سلّط التقرير الضوء على التغيرات المتسارعة في سياسات الهجرة واللجوء داخل ألمانيا، خاصة بعد وصول الحكومة الائتلافية الجديدة المكونة من المحافظين والاشتراكيين.

وأكد التقرير أن الحكومة الجديدة ألغت برامج استقبال خاصة بالأفغان الذين تعاونوا سابقاً مع الجيش الألماني والمؤسسات الألمانية في أفغانستان قبل عودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021.

وتحوّلت قضية أحمد رحيمي إلى نموذج على تعقيدات هذه السياسات، بعدما اضطر إلى الانتظار في باكستان لعامين رغم حصوله على موافقة رسمية سابقة لدخول ألمانيا.

كما أظهرت بيانات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في ألمانيا استمرار تشديد إجراءات اللجوء والتدقيق الأمني خلال عام 2025، بالتزامن مع تصاعد الخطاب السياسي الداعي إلى ضبط الحدود والحد من الهجرة غير النظامية.

تصاعد الشعبوية واليمين المتطرف

يربط تقرير الحقوق الأساسية 2026 بين تصاعد الاعتبارات الأمنية وبين تنامي التيارات الشعبوية واليمينية داخل ألمانيا وأوروبا، وتشير بيانات وزارة الداخلية الألمانية إلى ارتفاع الجرائم ذات الدوافع اليمينية خلال السنوات الأخيرة، بما يشمل جرائم الكراهية ضد المهاجرين والمسلمين واللاجئين.

كما يواصل حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي تعزيز حضوره السياسي، مستفيداً من المخاوف المرتبطة بالهجرة والأمن والطاقة والحروب الخارجية.

وترى منظمات حقوقية ألمانية أن تصاعد الخطاب الشعبوي يدفع الأحزاب التقليدية إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في ملفات الأمن والهجرة، وهو ما ينعكس تدريجياً على الحقوق الأساسية والحريات المدنية.

الحقوق الرقمية والرقابة التقنية

يحذّر التقرير أيضا من التهديدات المتزايدة للحقوق الرقمية وحق الأفراد في تقرير مصيرهم المعلوماتي، في ظل التوسع في استخدام التكنولوجيا والمراقبة الرقمية.

وأشار مُعدو التقرير إلى أن ضعف الرقابة على شركات التكنولوجيا العالمية، إضافة إلى توسع أدوات المراقبة الرقمية، يثير مخاوف متزايدة تتعلق بالخصوصية وحرية التعبير.

كما حذّرت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية من أن التوسع في أدوات المراقبة الأمنية داخل أوروبا يجب ألا يأتي على حساب الحقوق المدنية الأساسية، خصوصاً مع تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل البيانات.

أزمة السكن وتراجع الدولة الاجتماعية

لا يقتصر القلق الحقوقي على الأمن والهجرة فقط، بل يمتد إلى القضايا الاجتماعية، خصوصاً أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، ويشير تقرير الحقوق الأساسية 2026 إلى أن السكن الميسور أصبح أكثر ندرة في المدن الألمانية الكبرى، ما يهدد الحق في العيش الكريم ويزيد من الضغوط على الفئات محدودة الدخل والمهاجرين.

كما تؤكد بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتكاليف الطاقة والسكن خلال الأعوام الأخيرة، بالتزامن مع تزايد المخاوف من تراجع نموذج دولة الرفاه التقليدي.

جدل الخدمة العسكرية الإلزامية

احتل النقاش حول إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية مساحة بارزة داخل التقرير، خاصة مع تزايد الحديث السياسي عن ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الألمانية.

وقالت أتينا مولر، عضو مجلس إدارة الرابطة الدولية لحقوق الإنسان، إن مطالبة الشباب بإظهار “الولاء للدولة” تبدو إشكالية في وقت تتراجع فيه حماية بعض الحقوق الأساسية.

وكانت ألمانيا قد علقت الخدمة العسكرية الإلزامية عام 2011، إلا أن الحكومة الحالية تدرس توسيع نظام الخدمة العسكرية الطوعية، مع إمكانية إعادة النقاش حول التجنيد الإجباري إذا لم تتحقق الأهداف المطلوبة.

تحذيرات أممية وحقوقية

أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من تصاعد السياسات الأمنية المتشددة في أوروبا، مؤكدة أن بعض الحكومات الأوروبية باتت تميل إلى التضحية بالحقوق المدنية بحجة مواجهة التهديدات الأمنية والهجرة غير النظامية.

كما أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن حماية الأمن القومي لا يجب أن تؤدي إلى تآكل الحقوق الأساسية أو تقويض مبدأ التناسب وسيادة القانون.

وحذرت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية من أن تصاعد الشعبوية والخطابات القومية قد يؤدي إلى تقييد متزايد للحريات المدنية داخل بعض الدول الأوروبية، بما فيها ألمانيا.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الهوية السياسية الألمانية على مبدأ حماية الحقوق الأساسية ومنع عودة النزعات العسكرية والسلطوية، لكن التحولات الأمنية العالمية، والحروب المتلاحقة، وصعود اليمين الشعبوي، دفعت ألمانيا إلى إعادة تعريف أولوياتها بصورة غير مسبوقة.

ويرى تقرير الحقوق الأساسية 2026 أن التحدي الأكبر الذي تواجهه ألمانيا اليوم لا يتعلق فقط بالأمن الخارجي، بل بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين حماية المجتمع والحفاظ على الحريات التي شكّلت جوهر التجربة الديمقراطية الألمانية طوال العقود الماضية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية