منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قراءة حقوقية أعدها فريق الدراسات والأبحاث في “صفر”

التصعيد في لبنان.. المدنيون والنزوح والخدمات تحت اختبار القانون الدولي الإنساني

16 مايو 2026
أكثر من مليون شخص نزحوا من مساكنهم في لبنان
أكثر من مليون شخص نزحوا من مساكنهم في لبنان

لم يعد التصعيد العسكري المستمر في لبنان مجرد تطور أمني أو ميداني، بل أصبح يحمل أبعاداً إنسانية وحقوقية متزايدة التعقيد، وفق التحديث الإنساني رقم 24 الصادر عن ReliefWeb، خصوصاً مع اتساع تأثير العمليات العسكرية على المدنيين والبنية التحتية والخدمات الأساسية، وتفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات جدية تتعلق بمدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة المبادئ المتعلقة بحماية المدنيين، والتمييز، والتناسب، وضمان الوصول الإنساني.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من أن القانون الدولي الإنساني لا يقتصر على تنظيم سير العمليات العسكرية، بل يفرض التزامات واضحة على أطراف النزاع لحماية السكان المدنيين وتقليل الأضرار الإنسانية إلى الحد الأدنى الممكن، كما أن استمرار النزوح وتعطل الخدمات الأساسية وتزايد الضغط على القطاع الصحي والتعليمي يشير إلى وجود مخاطر متزايدة قد ترتقي، في بعض الحالات، إلى انتهاكات محتملة تستوجب المتابعة والتوثيق والمساءلة.

حماية المدنيين ومبدأ التمييز

يعد مبدأ التمييز من الركائز الأساسية في القانون الدولي الإنساني، إذ يفرض على أطراف النزاع التمييز بشكل واضح بين الأهداف العسكرية والمدنيين والمرافق المدنية، وفي السياق اللبناني الحالي، تثير الضربات الجوية المتكررة في مناطق مأهولة، خصوصاً في الجنوب ومحافظة النبطية، مخاوف جدية تتعلق بتأثير العمليات العسكرية على السكان المدنيين.

فالعمليات العسكرية التي تقع بالقرب من التجمعات السكانية تحمل بطبيعتها مخاطر مرتفعة على المدنيين، خاصة في البيئات ذات الكثافة السكانية أو التي تعاني أصلاً ضعف البنية التحتية، كما أن تكرار أوامر الإخلاء والنزوح الجماعي يعكس حجم الخطر الذي يشعر به السكان المدنيون، ويؤكد أن نطاق التأثير لم يعد مقتصراً على الأهداف العسكرية المباشرة.

وتبرز هنا مسألة التناسب، إذ يلزم القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع بتجنب أي هجمات قد ينتج عنها ضرر مفرط للمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة، وفي حال أدت العمليات العسكرية إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين أو تدمير واسع للبنية المدنية، فإن ذلك يثير تساؤلات حقوقية وقانونية حول مدى الالتزام بهذه القواعد.

الحق في الحماية

تشير المعطيات الإنسانية إلى تسجيل موجات نزوح جديدة نتيجة الضربات وأوامر الإخلاء، الأمر الذي يضع قضية النزوح القسري في صلب المشهد الحقوقي الحالي، فالقانون الدولي الإنساني يمنع التهجير القسري للسكان المدنيين إلا في حالات الضرورة العسكرية الملحة أو لحماية المدنيين أنفسهم، كما يفرض ضمانات تتعلق بسلامة النازحين وكرامتهم وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم.

وفي الحالة اللبنانية، لا يقتصر أثر النزوح على الانتقال الجغرافي للسكان، بل يمتد إلى فقدان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، خاصة عندما تضطر العائلات إلى النزوح أكثر من مرة أو عندما تبقى لفترات طويلة في مراكز إيواء غير مجهزة بشكل كافٍ.

كما أن الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، تكون أكثر عرضة للمخاطر خلال النزوح، سواء من حيث الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية أو من حيث الحماية من العنف والاستغلال والتفكك الأسري، وهذا يفرض التزاماً إضافياً على الجهات المعنية لضمان بيئة حماية مناسبة داخل مراكز الإيواء والمجتمعات المضيفة.

القطاع الصحي

يحظى القطاع الصحي بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، حيث يجب احترام وحماية المستشفيات والمراكز الصحية والطواقم الطبية وعدم استهدافها أو عرقلة عملها، إلا أن استمرار التصعيد في لبنان يضع المنظومة الصحية تحت ضغط متزايد، سواء بسبب ارتفاع أعداد المصابين والنازحين أو نتيجة تعطل الوصول الآمن إلى بعض المناطق المتضررة.

وتبرز المخاوف بشكل خاص في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، والتي أثرت مسبقاً على قدرة القطاع الصحي على توفير الخدمات الأساسية، ومع ازدياد الاحتياجات الإنسانية، يصبح خطر انهيار بعض الخدمات الصحية أكثر واقعية، خصوصاً في المناطق القريبة من العمليات العسكرية أو المناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين.

كما أن أي تعطيل للخدمات الصحية أو نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية لا يؤثر فقط في ضحايا التصعيد المباشر، بل يمتد إلى المرضى المزمنين والأطفال والنساء الحوامل والفئات التي تحتاج إلى رعاية مستمرة، ما يوسع من الأثر الإنساني للأزمة الحالية.

التعليم وخطر الانقطاع

رغم أن التعليم قد يبدو أقل حضوراً في التحديثات الإنسانية العاجلة، فإن استمرار التصعيد والنزوح يهدد بشكل مباشر استمرارية العملية التعليمية، خاصة في المناطق المتضررة أو تلك التي تستقبل نازحين بأعداد كبيرة.

فالمدارس في حالات النزاع تتحول أحياناً إلى مراكز إيواء، أو تتعطل بسبب الأوضاع الأمنية، أو يصبح الوصول إليها خطراً على الطلبة والمعلمين، ومع استمرار التوتر، يواجه الأطفال خطر الانقطاع عن التعليم لفترات طويلة، الأمر الذي يترك آثاراً اجتماعية ونفسية وتنموية بعيدة المدى.

كما أن فقدان البيئة التعليمية المستقرة يضاعف من هشاشة الأطفال ويزيد احتمالية تعرضهم لمخاطر أخرى، مثل عمالة الأطفال أو العنف أو التهميش الاجتماعي، خصوصاً في البيئات التي تعاني أصلاً الفقر وضعف الخدمات.

التزامات تسهيل الإغاثة

يعد ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وسريع ومنتظم أحد الالتزامات الأساسية في القانون الدولي الإنساني، وتشير التقارير الإنسانية إلى أن استمرار العمليات العسكرية والمخاطر الأمنية يخلق تحديات متزايدة أمام فرق الإغاثة والمنظمات الإنسانية للوصول إلى المناطق المتضررة.

ويشمل ذلك صعوبة الحركة، والمخاطر المرتبطة بالقصف أو الاستهداف، إضافة إلى الضغط المتزايد على الموارد والقدرات اللوجستية، كما أن أي تأخير في وصول المساعدات قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، خاصة بالنسبة للنازحين والفئات الأكثر هشاشة.

ومن منظور حقوقي، فإن عرقلة أو تقييد وصول المساعدات الإنسانية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، قد يؤدي إلى تعريض المدنيين لمزيد من المخاطر المرتبطة بالجوع أو المرض أو غياب المأوى والخدمات الأساسية، ما يجعل ضمان الوصول الإنساني جزءاً أساسياً من حماية المدنيين خلال النزاعات.

آثار التصعيد على المدنيين

تكشف التطورات الأخيرة في لبنان عن تداخل متزايد بين البعد العسكري والإنساني، حيث أصبحت آثار التصعيد تمتد بشكل مباشر إلى المدنيين والنزوح والخدمات الأساسية والصحة والتعليم، ورغم أن القانون الدولي الإنساني يضع إطاراً واضحاً لحماية المدنيين وتقليل الأضرار الإنسانية، فإن الواقع الميداني يظهر حجم التحديات المرتبطة بتطبيق هذه القواعد في ظل التصعيد المستمر.

وتؤكد المؤشرات الحالية أن استمرار الأعمال العدائية دون تهدئة حقيقية سيؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية وتوسيع دائرة المتضررين، الأمر الذي يستدعي تعزيز جهود الحماية الإنسانية، وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتسهيل وصول المساعدات، وتوثيق أي انتهاكات محتملة قد تمس حقوق المدنيين وسلامتهم وكرامتهم الإنسانية.