جددت الأمم المتحدة تحذيراتها من التداعيات الإنسانية والصحية المترتبة على قرار الولايات المتحدة البدء في تقليص تمويل البرامج المخصصة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز” في جنوب إفريقيا، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً داخل الأوساط الصحية الدولية؛ نظراً للدور المحوري الذي لعبه الدعم الأمريكي على مدار سنوات في الحد من انتشار المرض وتوفير خدمات العلاج والرعاية لملايين المصابين.
وخلال مؤتمر صحفي عقدته الأمم المتحدة قبيل انطلاق الاجتماع رفيع المستوى بشأن فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، دعت ويني بيانيما، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في قرارها، مؤكدة أن تقليص التمويل قد يحرم الفئات الأكثر هشاشة من خدمات صحية منقذة للحياة. وجاءت تصريحاتها في وقت نقلت فيه وكالة رويترز مخاوف أممية متزايدة من تأثير التخفيضات المالية في الجهود العالمية الرامية إلى القضاء على المرض بوصفه تهديداً للصحة العامة.
وأكدت بيانيما أن القرار الأمريكي يبعث على الحزن الشديد، مشيرة إلى أن المساعدات التي تقدمها واشنطن تمثل شرياناً أساسياً لدعم الخدمات الصحية المرتبطة بالفيروس في جنوب إفريقيا، وأضافت أن وقف هذه المساعدات أو تقليصها لا ينعكس فقط على المؤسسات الصحية، بل يمتد أثره مباشرة إلى المرضى الذين يعتمدون على برامج الوقاية والرعاية والعلاج.
ضغوط سياسية وراء القرار
وزارة الخارجية الأمريكية أوضحت في بيان أن واشنطن قررت الشروع في تخفيض تدريجي لتمويل خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز في جنوب إفريقيا، مبررة القرار بما وصفته بعدم إحراز بريتوريا تقدماً ملموساً بشأن مطالب سياسية طرحتها الإدارة الأمريكية.
وتزامن هذا الموقف مع تقارير إعلامية أشارت إلى أن القرار يرتبط بخلافات سياسية بين البلدين. وذكرت مصادر أمريكية أن واشنطن أبدت تحفظات على بعض سياسات جنوب إفريقيا الخارجية والداخلية، منها مستوى التعاون مع إيران وسياسات التمكين الاقتصادي للسود، إضافة إلى مواقف اعتبرتها الولايات المتحدة غير متوافقة مع توجهاتها السياسية.
أهمية التمويل الأمريكي
ورغم أن جنوب إفريقيا لا تعتمد بشكل مباشر على التمويل الأمريكي لتوفير الأدوية المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية، فإن خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز شكلت على مدى سنوات أحد أهم مصادر الدعم للقطاع الصحي في البلاد. وقدمت الخطة أكثر من 400 مليون دولار سنوياً، كما أسهمت في تمويل رواتب نحو 15 ألف عامل في القطاع الصحي، الأمر الذي عزز قدرة المؤسسات الصحية على الوصول إلى المرضى وتقديم الخدمات العلاجية والوقائية.
وأوضحت بيانيما أن جنوب إفريقيا تضم نحو ثمانية ملايين شخص مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، وهو أعلى عدد مسجل في دولة واحدة حول العالم. كما وفر البرنامج الأمريكي ما يصل إلى 17 بالمئة من إجمالي التمويل المخصص لمكافحة الفيروس داخل البلاد، ما يعكس حجم الفجوة التي قد تنشأ في حال تنفيذ التخفيضات المعلنة.
مخاوف من تراجع عالمي
ولم تقتصر التحذيرات الأممية على جنوب إفريقيا وحدها، إذ أكدت بيانيما أن العالم يواجه تراجعاً ملحوظاً في حجم المساعدات الإنمائية المقدمة من الدول المانحة التقليدية في أوروبا وأمريكا الشمالية. ورأت أن استمرار هذا الاتجاه قد يقوض المكاسب التي تحققت خلال العقود الماضية في مكافحة الإيدز، ويعيد العديد من الدول إلى مراحل كانت قد تجاوزتها بالفعل في مواجهة المرض.
وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع انعقاد الاجتماع الأممي رفيع المستوى بشأن فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، وهو الاجتماع الذي تنظمه الأمم المتحدة كل خمس سنوات منذ عام 2001 بهدف تقييم التقدم المحرز وتحديد أولويات المرحلة المقبلة. ودعا المشاركون الحكومات إلى تجديد التزاماتها الدولية من أجل إنهاء الإيدز بوصفه تهديداً للصحة العامة بحلول عام 2030، إلى جانب اعتماد إعلان سياسي جديد يرسم ملامح الاستجابة العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
إنجازات مهددة بالخطر
من جانبها، أشادت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد بالنتائج التي حققتها الجهود الدولية المشتركة خلال العقود الماضية، مؤكدة أن التعاون العالمي أسهم في إحداث تحول كبير في مسار مواجهة المرض. وأوضحت أن العالم أظهر على مدى 45 عاماً مستوى غير مسبوق من التضامن والعزيمة في مكافحة الإيدز.
وأضافت أن هذه الجهود ساعدت على خفض الوفيات المرتبطة بالإيدز بنسبة 70 بالمئة مقارنة بذروة انتشارها عام 2004، كما أتاحت العلاج المنقذ للحياة لأكثر من 32 مليون شخص حول العالم، وهو ما يمثل أحد أبرز النجاحات الصحية الدولية خلال العقود الأخيرة.
دعوات لتعزيز الحقوق والتمويل
في المقابل، حذرت أمينة محمد من أن هذا التقدم لا يزال هشاً وغير متوازن بين مختلف الدول والمجتمعات. وأشارت إلى أن نحو 9.2 مليون شخص حول العالم لم يحصلوا على العلاج اللازم حتى نهاية عام 2024، في حين سجلت 1.3 مليون إصابة جديدة، وتوفي نحو 630 ألف شخص لأسباب مرتبطة بالإيدز خلال الفترة نفسها.
وأكدت أن تخفيضات التمويل تؤثر بشكل مباشر في برامج الوقاية وفي الشبكات المجتمعية التي تمثل العمود الفقري للاستجابة الصحية. ودعت الحكومات والمؤسسات الدولية إلى التركيز على خمسة محاور رئيسية تشمل توسيع الوصول إلى خدمات الوقاية والعلاج، وتعزيز دور المجتمعات المحلية، وحماية حقوق الإنسان، وزيادة التمويل المخصص للبرامج الصحية، وإحياء التعاون الدولي لمواجهة التحديات المتصاعدة.
يذكر أن الولايات المتحدة أطلقت خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز عام 2003 باعتبارها واحدة من كبريات المبادرات الصحية الدولية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز. وأسهمت الخطة في تمويل برامج العلاج والوقاية وبناء القدرات الصحية في عشرات الدول، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء. وتعد جنوب إفريقيا من أبرز المستفيدين من هذه المبادرة؛ نظراً لارتفاع أعداد المصابين بالفيروس داخل أراضيها. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن العالم حقق تقدماً كبيراً في الحد من الوفيات والإصابات المرتبطة بالإيدز خلال العقدين الماضيين، إلا أن المنظمات الدولية تحذر باستمرار من أن أي تراجع في التمويل أو الدعم السياسي قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات العدوى والوفيات مجدداً، ويهدد الهدف العالمي المتمثل في إنهاء الإيدز كتهديد للصحة العامة بحلول عام 2030.
