منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في تقرير لمنظمة العفو الدولية

الأمريكتان 2025.. قمع الاحتجاجات وتراجع الحريات يضعان الغرب في قفص الاتهام

28 مايو 2026
شهدت العديد من الدول في الأمريكتين قمعا للاحجاجات خلال 2025
شهدت العديد من الدول في الأمريكتين قمعا للاحجاجات خلال 2025

شهدت منطقة الأمريكتين خلال عام 2025 تصاعدا ملحوظا في القيود على الحريات العامة، مع توسع حكومات عدة في قمع المعارضة والاحتجاجات السلمية وتجريم التظاهر واستهداف الصحفيين ووسائل الإعلام، إلى جانب التضييق على منظمات المجتمع المدني وفرض قيود متزايدة على عملها وتمويلها.

ووفق تقرير لمنظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن)، شهدت دول عدة، بينها الأرجنتين والسلفادور وفنزويلا وكندا والولايات المتحدة، استخداما مفرطا وغير مشروع للقوة لتفريق الاحتجاجات، فضلا عن تعرض المشاركين فيها للاحتجاز التعسفي والملاحقات الجنائية، بما يعكس استخدام السلطة العقابية لتقييد حرية التعبير والتجمع السلمي.

وأفاد التقرير باستمرار محاولات تمرير تشريعات تُقيد عمل منظمات المجتمع المدني، خاصة في الإكوادور وبيرو والسلفادور وفنزويلا، فضلا عن تعرض الصحفيون والإعلاميون لحملات مضايقة واعتداءات ورقابة في عدة بلدان، بينها البرازيل والمكسيك وكولومبيا وغواتيمالا والولايات المتحدة، مع توثيق حالات قتل لصحفيين في الإكوادور والمكسيك وهندوراس.

وفي الأرجنتين، رفع الرئيس خافيير ميلي دعاوى ضد عدد من الصحفيين بتهم التشهير، بينما أعيد الصحفي الغواتيمالي خوسيه روبين زامورا إلى السجن رغم الانتقادات الواسعة للإجراءات القضائية بحقه، كما تصاعدت المخاوف المرتبطة بالمراقبة الرقمية والتدخل في الخصوصية، بعد منح الشرطة الاتحادية صلاحيات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي دون إذن قضائي.

فيما واجه المدافعون عن حقوق الإنسان، خصوصا المدافعين عن البيئة والأراضي، موجات متزايدة من التجريم والعنف والقتل، ففي كولومبيا ارتفعت أعمال العنف ضد النشطاء الحقوقيين، بينما قُتل مدافعون بيئيون في بيرو، وتعرض نشطاء السكان الأصليين للملاحقة في كندا وبوليفيا، كما فرضت السلفادور قيودًا شديدة على التمويل الأجنبي للمنظمات الحقوقية، في حين واصلت نيكاراغوا إغلاق المنظمات بشكل تعسفي.

وسجلت المنطقة استمرارا واسعا في الاستخدام غير المشروع للقوة من قبل السلطات الأمنية، ففي البرازيل أسفرت عمليات للشرطة في ريو دي جانيرو عن مقتل أكثر من 120 شخصا، وفي الولايات المتحدة قتلت الشرطة أكثر من 1100 شخص بإطلاق النار خلال العام، مع تأثير غير متناسب على الأمريكيين السود، كما استخدمت قوات الأمن أسلحة “أقل فتكا” لقمع احتجاجات مرتبطة بالمهاجرين في لوس أنجلوس، وفي بيرو وهندوراس وثقت منظمات حقوقية حالات قتل وتعذيب واستخدام مفرط للقوة خلال المظاهرات وحملات الطوارئ الأمنية.

كما استمرت أنماط الاحتجاز التعسفي والمحاكمات الجائرة ذات الدوافع السياسية، لا سيما في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا والسلفادور، ففي السلفادور ظل أكثر من 90 ألف شخص رهن الاحتجاز ضمن حالة الطوارئ، كثير منهم دون أدلة كافية أو ضمانات قضائية، وفي فنزويلا ظل مئات المعتقلين السياسيين قيد الاحتجاز، وسط اتهامات بحرمانهم من حق الدفاع والمحاكمة العادلة، كذلك تزايدت المخاوف بشأن تقويض استقلال القضاء في المكسيك والإكوادور وغواتيمالا والولايات المتحدة.

تدهور حقوقي غير مسبوق

وبحسب التقرير ذاته، يعاني المحتجزون في عدة دول من ظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية، اتسمت بالاكتظاظ ونقص الغذاء والرعاية الصحية والتعذيب، ففي بوليفيا، تجاوز عدد السجناء ضعف القدرة الاستيعابية للسجون، بينما وثقت تقارير أعمال تعذيب وسوء معاملة في السلفادور وكوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، وفي السلفادور وحدها، سجلت مئات الوفيات داخل مراكز الاحتجاز منذ بدء حالة الطوارئ.

كما استمرت حالات الاختفاء القسري في أنحاء متفرقة من المنطقة، سواء كوسيلة لقمع المعارضين أو في سياق السياسات الأمنية، ففي كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، ارتبطت حالات الإخفاء القسري باستهداف المعارضين السياسيين، بينما فتحت الإكوادور تحقيقات في عشرات حالات الاختفاء بعد عمليات عسكرية، وفي المكسيك دفعت خطورة الأزمة لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري إلى تفعيل آلية خاصة للتحقيق في احتمال وجود نمط واسع أو ممنهج لهذه الجرائم.

ورغم صدور بعض الأحكام القضائية في قضايا تتعلق بجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة، كما في شيلي وكولومبيا وأوروغواي والمكسيك، استمرت الانتكاسات في دول أخرى، بينها بوليفيا وبيرو، حيث جرى تقويض جهود المساءلة أو منح عفو لعسكريين متهمين بانتهاكات خطيرة.

وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، واصلت الفئات المهمشة تحمل العبء الأكبر للأزمات، فقد عانى الملايين من ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، ونقص الأدوية والكهرباء والمياه، خاصة في كوبا وهايتي وفنزويلا وغواتيمالا، وفي الأرجنتين عاش ملايين المتقاعدين تحت خط الفقر، بينما أثرت أعمال العنف في هايتي على التعليم والرعاية الصحية والغذاء.

وفي ملف المناخ، اعتُبرت نتائج مؤتمر المناخ “كوب 30” محدودة وغير كافية، إذ لم تُجدد الدول التزامها بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، كما واصلت حكومات، مثل الولايات المتحدة والأرجنتين، تبني سياسات تُضعف جهود مواجهة أزمة المناخ، بينما تفاقمت آثار التغير المناخي في البرازيل وبوليفيا وباراغواي عبر موجات الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات وشح المياه.

وفيما يتعلق بالحقوق الجنسية والإنجابية، شهدت بعض الدول تقدما محدودا، مثل إلغاء تجريم الإجهاض في أربع ولايات مكسيكية واعتماد لوائح جديدة في تشيلي، إلا أن العقبات القانونية والعملية استمرت في معظم دول المنطقة، فيما واصلت دول مثل السلفادور وهندوراس ونيكاراغوا تجريم الإجهاض بالكامل.

كما استمر العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك جرائم قتل النساء والعنف الجنسي، في عدد كبير من الدول، وسط ضعف الحماية القانونية واستمرار الإفلات من العقاب، وسُجلت أيضا بعض التطورات الإيجابية، مثل حظر زواج القاصرات في بوليفيا.

وفيما يتعلق بحقوق السكان الأصليين، استمرت الحكومات في السماح بمشروعات استخراجية على أراضيهم دون الحصول على موافقتهم الحرة والمسبقة، بينما واجهت مجتمعات السكان الأصليين العنف والنزوح والنزاعات على الأراضي، خصوصا في البرازيل وكولومبيا والإكوادور.

وفي ملف الهجرة، واجه اللاجئون والمهاجرون وطالبو اللجوء أوضاعا متدهورة بسبب تصاعد الخطابات العنصرية والسياسات الأمنية المشددة، خاصة في الولايات المتحدة والجمهورية الدومينيكية، وشملت الانتهاكات الاحتجاز التعسفي والطرد الجماعي والعنف والتمييز، بينما استمرت معاناة المهاجرين من ضعف الحماية القانونية وصعوبة الوصول إلى خدمات اللجوء والرعاية الأساسية.

ازدواجية المعايير الحقوقية

وتعقيبا على تقرير “العفو الدولية”، قال الأكاديمي المتخصص في الشأن الأمريكي، سعيد صادق، إن التراجع الحاد في أوضاع حقوق الإنسان في الأمريكتين حقيقي ومثير للقلق، كما تعكسه تقارير منظمات حقوق الإنسان والحريات، مرجعا ذلك إلى عوامل داخلية تتعلق بسوء الحوكمة واتساع فجوات عدم المساواة وارتفاع معدلات الجريمة.

وأوضح صادق، في تصريح لـ”صفر”، أن الخروج من هذا المأزق السياسي والحقوقي يتطلب إصلاحا مؤسسيا عميقا، يقوم على تعزيز سيادة القانون ومعالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمات، وليس الاكتفاء بتغيير الحكومات أو القيادات السياسية، مضيفا أن الديمقراطية ليست وضعا ثابتا أو مضمونا بشكل دائم، بل هي سلوك وممارسة تحتاج إلى مراجعة وتطوير وتحصين مستمر.

وأشار إلى أن ما كشفه تقرير العفو الدولية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في الأمريكتين يضع الغرب نفسه في دائرة الاتهام، بعدما اعتاد لعقود توجيه الانتقادات للدول العربية والإسلامية بشأن قضايا القمع وحرية التعبير وحقوق المرأة والأقليات، قائلا إن “ازدواجية المعايير في ملف حقوق الإنسان أصبحت مشكلة حقيقية تُضعف المصداقية الدولية للغرب”.

وأوضح صادق أن هذه الازدواجية تظهر بوضوح في السياسات الخارجية الغربية، خصوصا في طريقة التعامل مع قضايا مثل الحرب في أوكرانيا مقارنة بالحرب في غزة، أو في طبيعة العلاقة مع بعض الحلفاء الذين تُوجه إليهم اتهامات بانتهاكات حقوقية، مضيفا أن المصالح الجيوسياسية المرتبطة بالأمن والطاقة والتحالفات غالبا ما تتفوق على المبادئ الحقوقية.

وتوقع استمرار التراجع في أوضاع حقوق الإنسان داخل الأمريكتين، إلى جانب استمرار ازدواجية المعايير على المستوى الدولي، معتبرا أنه “لا يمكن إنهاء هذه الظاهرة بالكامل، لأن السياسة الدولية تقوم أساسا على موازين القوة والمصالح، لكن يمكن الحد منها عبر تعزيز المعايير الدولية وتطبيق القانون الدولي على الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة”.

وخلص الأكاديمي المتخصص في الشأن الأمريكي إلى أن “الغرب ليس شريرا مطلقا ولا نموذجا مثاليا”، موضحا أنه يمتلك إرثا مهما في مجال الحريات وحقوق الإنسان، لكنه يفقد جزءا كبيرا من مصداقيته بسبب الانتقائية في تطبيق المبادئ، وهو ما ينعكس في التراجع الحقوقي الراهن.

“نهج ترامب” رأس الحربة

من جانبه، أكد الحقوقي عبد المجيد مراري، أن منطقة الأمريكتين تشهد تراجعا خطيرا في أوضاع حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية تؤكده أيضا تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية أخرى، خاصة مع تصاعد الانتهاكات منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة.

وقال مراري، في تصريحات لـ”صفر”، إن هناك ترديا حقوقيا واضحا في الأمريكتين، حيث تراجعت قيمة المبادئ القانونية والحقوقية بشكل كبير، معتبرا أن إدارة ترامب لعبت دورا محوريا في توفير غطاء سياسي لعدد من الانتهاكات، سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى المنطقة عموما، مضيفا أن منظمات حقوقية عديدة وثقت تزايد التدخلات التي تمس استقلال القضاء، إلى جانب تصاعد الانتهاكات المرتبطة بالحريات العامة وحقوق الإنسان.

وأشار إلى أن ملف المهاجرين شهد تصعيدا خطيرا، لا سيما خلال الولايتين الأولى والثانية لترامب، موضحا أن تلك المرحلة شهدت ارتفاعا في معدلات العنف والاعتداءات المسلحة ضد المهاجرين، وصولا إلى حالات تصفية بدم بارد، وسط غياب المحاسبة الفعلية للمسؤولين عن هذه الجرائم.

واعتبر مراري أن الولايات المتحدة تمثل رأس حربة هذه الانتهاكات في الأمريكتين، مضيفا أن سجل الانتهاكات في المنطقة ليس جديدا، لكنه تفاقم خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار استهداف الصحفيين والمدافعين عن الحقوق والحريات.

وأضاف أن حرية الصحافة في الأمريكتين أصبحت مهددة بشكل كبير، في ظل تعرض الصحفيين للإهانة والاعتداءات اللفظية والتشكيك في مهنيتهم، خاصة عند تناولهم ملفات حساسة أو توجيه أسئلة تتعلق بالفساد والانتهاكات، لافتا إلى أن صحفيين في المكسيك والأرجنتين تعرضوا للاستهداف والقتل أو الاعتقال بسبب كشفهم ملفات فساد مرتبطة بمسؤولين أو شبكات نفوذ.

وأرجع مراري هذا التراجع الحقوقي إلى تصاعد الخطاب الشعبوي وخطاب اليمين المتطرف في المنطقة، معتبرا أن “النهج الترامبي” أسهم في إضفاء شرعية سياسية على كثير من هذه الانتهاكات، بحكم التأثير الكبير للولايات المتحدة على دول الأمريكتين.

وفي ما يتعلق بتأثير هذه التطورات على الخطاب الغربي بشأن حقوق الإنسان في العالم العربي، قال مراري إن الغرب لم يعد في موقع يسمح له بإعطاء دروس في حقوق الإنسان، معتبرا أن الانتهاكات التي تشهدها القارتان الأمريكتان أضعفت مصداقية التقييمات الغربية، سواء الأمريكية أو الأوروبية.

وأضاف، بصفته أحد المحامين المتابعين للقضايا الفلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية، أن الحرب على غزة كشفت التناقض بين الشعارات الغربية المتعلقة بحقوق الإنسان والممارسات الفعلية على الأرض، مضيفا أن كثيرا من الدول التي ترفع شعارات الدفاع عن القانون الدولي كانت الأسرع في تجاوزه أو التغاضي عن انتهاكه عندما تعارض مع مصالحها السياسية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان