منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين فجوات القانون وتصاعد المخاطر.. قلق حقوقي من العنف ضد النساء في إيران

27 أغسطس 2026
إيران.. مخاوف حقوقية من تزايد العنف ضد النساء
إيران.. مخاوف حقوقية من تزايد العنف ضد النساء

لا تزال النساء في إيران يواجهن أشكالاً متعددة من العنف، تبدأ من التهديد والتحرش والعنف الأسري، وتمتد إلى القتل بدافع ما يسمى بـ”الشرف” والابتزاز الإلكتروني والعنف الجنسي، في ظل انتقادات حقوقية تشير إلى وجود فجوات قانونية ومؤسسية تحد من قدرة النساء على الحصول على حماية فعالة.

وتقول منظمات حقوقية إيرانية ودولية إن المشكلة لا ترتبط فقط بوقوع الجرائم، وإنما أيضاً بطريقة تعامل النظام القانوني والاجتماعي معها، حيث قد تُختزل بعض الحالات في إطار “خلافات عائلية”، بينما ترى المنظمات أنها جرائم مرتبطة بالتمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

تؤكد منظمة العفو الدولية أن العنف ضد النساء في إيران يرتبط في كثير من الحالات بوجود قوانين وممارسات تمييزية لا توفر حماية كافية للنساء والفتيات.

وتشير المنظمة إلى أن غياب قانون شامل لمكافحة العنف ضد المرأة يمثل إحدى أبرز الثغرات، إذ لا تزال النساء يواجهن صعوبات في الحصول على الحماية القانونية عند التعرض للعنف الأسري أو التهديدات.

وتنتقد المنظمة ما تصفه باستمرار الإفلات من العقاب في بعض جرائم قتل النساء، خصوصاً عندما ترتبط بمفاهيم اجتماعية مثل “الشرف”، حيث قد تؤدي بعض الثغرات القانونية إلى تخفيف العقوبات بحق مرتكبي هذه الجرائم.

العنف تحت غطاء اجتماعي

تعتبر هيومن رايتس ووتش أن جرائم القتل المرتبطة بما يسمى “الشرف” تمثل أحد أخطر أشكال العنف ضد النساء، لأنها تقوم على فكرة منح أفراد الأسرة سلطة التحكم في حياة المرأة وخياراتها الشخصية.

وتشير المنظمة إلى أن بعض مواد قانون العقوبات الإيراني المتعلقة بالقصاص والعقوبات قد تخلق ظروفاً تمييزية، خصوصاً في القضايا التي يكون فيها الجاني من أفراد الأسرة.

وتوضح هيومن رايتس ووتش أن استمرار هذه الممارسات لا يرتبط فقط بالأفعال الفردية، بل بالبيئة القانونية والاجتماعية التي قد تسمح بتبرير العنف أو التقليل من خطورته.

غياب الإحصاءات الرسمية

لا توفر السلطات الإيرانية قاعدة بيانات رسمية شاملة عن جميع حالات قتل النساء أو العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو ما يجعل تقدير حجم الظاهرة يعتمد بدرجة كبيرة على منظمات حقوقية ووسائل إعلام مستقلة.

وتوثق منظمة هنغاو لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية إيرانية تركز على أوضاع حقوق الإنسان في إيران، حالات قتل نساء بشكل دوري، خصوصاً في المناطق الكردية الإيرانية، وتشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الجرائم يرتبط بالعنف الأسري أو النزاعات المرتبطة بالسيطرة على النساء.

وترصد منظمات أخرى، بينها منظمة حقوق الإنسان الإيرانية، قضايا قتل النساء والعنف ضدهن ضمن تقاريرها حول حقوق الإنسان في إيران، مؤكدة أن ضعف الشفافية الرسمية يصعّب الوصول إلى صورة كاملة عن حجم المشكلة.

العنف الإلكتروني.. امتداد للعنف التقليدي

لا يقتصر العنف ضد النساء في إيران على المجال الأسري أو الجسدي، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى الفضاء الإلكتروني، عبر الابتزاز ونشر الصور الخاصة والتهديدات.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت أصبح أحد التحديات المتزايدة عالمياً، خصوصاً عندما يستخدم كوسيلة للسيطرة أو إسكات النساء.

وفي الحالة الإيرانية، ترى منظمات حقوقية أن بعض النساء اللاتي يتعرضن للابتزاز الإلكتروني يواجهن ضغوطاً اجتماعية إضافية، حيث قد تتحول الضحية نفسها إلى هدف للوم بدلاً من حصولها على الدعم والحماية.

وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن تحميل الضحية مسؤولية العنف أو التشهير بها يمثل عاملاً يزيد من استمرار دائرة العنف ويمنع كثيراً من النساء من طلب المساعدة.

حماية محدودة وانتقادات حقوقية

تنتقد منظمات حقوقية دولية غياب قانون شامل يجرّم جميع أشكال العنف ضد النساء في إيران ويوفر آليات حماية واضحة.

وتقول لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW) في ملاحظاتها العامة إن الدول مطالبة باتخاذ إجراءات قانونية ومؤسسية لمنع العنف ضد النساء والتحقيق فيه ومعاقبة مرتكبيه.

ورغم أن إيران ليست طرفاً في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، فإن هيئات أممية أخرى تؤكد أن حماية النساء من العنف تدخل ضمن التزامات حقوق الإنسان الأساسية التي تشمل الحق في الحياة والسلامة الجسدية وعدم التمييز.

غياب الحماية قبل وقوع الجريمة

تلفت منظمات حقوقية إلى أن كثيراً من حالات قتل النساء تسبقها مؤشرات خطر، مثل التهديدات المتكررة والعنف الأسري ومحاولات السيطرة.

وتقول منظمة العفو الدولية إن أحد التحديات الأساسية يتمثل في عدم وجود آليات حماية كافية وسريعة للنساء المعرضات للخطر، بما في ذلك أوامر الحماية الفعالة والملاجئ الآمنة والخدمات القانونية.

وتشير منظمات حقوقية إيرانية إلى أن بعض النساء اللاتي يتقدمن بشكاوى ضد المعتدين قد لا يحصلن على حماية تمنع تحول التهديدات إلى جرائم قتل.

عقبات أمام الناجيات من العنف

لا تنتهي معاناة المرأة دائماً بوقف الاعتداء، إذ تواجه كثير من الناجيات ضغوطاً اجتماعية واقتصادية قد تمنعهن من مغادرة بيئة العنف.

وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن الاعتماد الاقتصادي على المعتدي، والخوف من الوصمة الاجتماعية، وضعف شبكات الدعم، تعد من أبرز الأسباب التي تجعل النساء يبقين في علاقات عنيفة.

وفي إيران، تضيف منظمات حقوقية أن القيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني والمدافعات عن حقوق المرأة تحد من قدرة النساء على الوصول إلى الدعم والمساندة.

وتكشف قضية العنف ضد النساء في إيران عن أزمة تتجاوز الجرائم الفردية، إذ تربطها المنظمات الحقوقية ببنية قانونية واجتماعية تحتاج إلى إصلاحات عميقة.

وبينما تستمر النساء في مواجهة مخاطر القتل والعنف والابتزاز، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من التعامل مع الجرائم بعد وقوعها إلى بناء منظومة تمنعها وتحمي النساء قبل أن تتحول التهديدات إلى مأساة جديدة.