رغم أن أغلب مداخلات الدول في الحوار التفاعلي بشأن أوكرانيا اتجهت إلى إدانة روسيا والدعوة إلى المساءلة، فإن الجلسة كشفت أيضاً عن خط سياسي مضاد تبنته دول مثل كوريا الشمالية وبيلاروس وفنزويلا، ركز على اتهام المجلس بالتسييس والانتقائية والمعايير المزدوجة.
اعتبرت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية أن التقرير والإحاطة يركزان بشكل أحادي على انتقاد الاتحاد الروسي، ووصفت المقاربة بأنها مسيسة وغير موضوعية، رافضة استخدام آليات حقوق الإنسان بوصفها أداة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما أعلنت تضامنها مع روسيا ودعمها للجهود الرامية إلى تسوية سلمية ودائمة للنزاع.
أما بيلاروس، فانتقدت ما وصفته بالخطاب العدائي تجاه روسيا، مشيرة إلى هجمات أوكرانية على الأراضي الروسية ومواطنين روس، وإلى أن بعض الضحايا من مواطني بيلاروس.
وذهبت فنزويلا إلى التركيز على أن البند العاشر من جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان يجب أن يكون مخصصاً لبناء القدرات والمساعدة التقنية بموافقة الدول، معتبرة أن الانتقائية والتسييس يقوضان مصداقية المجلس.
الدول الداعمة لأوكرانيا
في المقابل، رأت الدول الداعمة لأوكرانيا أن التوثيق الأممي والانتهاكات الواردة في التقرير تستدعي موقفاً واضحاً لا يساوي بين الضحية والمعتدي.
وركز الاتحاد الأوروبي ودول الشمال والبلطيق وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا وغيرها على أن المسألة تتعلق بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبمسؤولية روسيا بوصفها دولة معتدية وقوة قائمة بالاحتلال.
معركة داخل مجلس حقوق الإنسان
هذا الانقسام يعكس معركة أوسع داخل مجلس حقوق الإنسان حول وظيفة الآليات الأممية نفسها: هل هي أدوات للمساءلة عندما تتورط دولة في انتهاكات واسعة، أم إنها تتحول إلى أدوات سياسية عندما تستهدف دولة بعينها؟
بالنسبة لأوكرانيا والدول الداعمة لها، المساءلة شرط لحماية المدنيين، أما الدول المتحفظة أو المؤيدة لروسيا، فتركز على خطاب السيادة ورفض الانتقائية.
وتجعل هذه الثنائية من جلسة أوكرانيا نموذجاً واضحاً للتوتر الدائم داخل مجلس حقوق الإنسان بين القانون والسياسة، وبين من يرى في التوثيق الأممي طريقاً للعدالة، ومن يعده انعكاساً لموازين القوى الدولية.
فتح معركة التوثيق في أوكرانيا
من بين أكثر القضايا التي تكررت في جلسة مجلس حقوق الإنسان بشأن أوكرانيا مسألة غياب الوصول الدولي المستقل إلى الأراضي المحتلة والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، فقد طالب المفوض السامي ودول عدة ومنظمات حقوقية بالسماح للمفوضية السامية وآليات الأمم المتحدة بالوصول غير المعرقل إلى هذه المناطق للتحقق من الوقائع وحماية الضحايا.
وقال فولكر تورك إن مكتبه لم يتمكن من التحقق من بعض الأرقام المتعلقة بضحايا داخل الأراضي الروسية، داعياً السلطات الروسية إلى تسهيل الوصول للتحقق، كما أشار في مواضع أخرى إلى أهمية استمرار بعثة رصد حقوق الإنسان في توثيق الانتهاكات، وإتاحة الأدلة لجميع آليات المساءلة الوطنية والدولية.
وطالبت دول مثل جورجيا والبرتغال ومالطا ومقدونيا الشمالية وأستراليا وغيرها بتمكين المفوضية وآليات حقوق الإنسان من الوصول إلى القرم وسائر الأراضي الأوكرانية المحتلة، واعتبرت هذه الدول أن غياب الوصول لا يعوق فقط التوثيق، بل يضع المدنيين والمحتجزين والأطفال المرحلين والضحايا المحتملين خارج حماية الرقابة الدولية.
معرفة مصير المحتجزين
وتحدثت منظمات حقوقية عن صعوبة معرفة مصير المحتجزين والمختفين قسراً، وعن حاجة الأسر إلى معلومات حول أماكن وجود أقاربها، كما طرحت بعض المنظمات أسئلة مباشرة حول كيفية تعزيز التوثيق والمتابعة والرصد إلى حين السماح للمفوضية بدخول الأراضي المحتلة.
وتكشف هذه القضية أن معركة حقوق الإنسان في أوكرانيا لا تدور فقط حول وقوع الانتهاكات، بل حول القدرة على إثباتها، فكلما غابت آليات الرصد المستقلة، زادت احتمالات الإفلات من العقاب، وتراجعت فرص الضحايا في الوصول إلى الحقيقة والإنصاف.
ولهذا شددت المداخلات على أن الوصول ليس مطلباً إجرائياً أو فنياً، بل شرط أساسي للعدالة، فمن دون شهود مستقلين، ووثائق موثوقة، وقنوات تحقق، يمكن أن تتحول الانتهاكات إلى روايات متضاربة، في حين يبقى الضحايا عالقين بين الحرب والصمت وانعدام المساءلة.
انتهاك جماعي للحقوق
لم يكن الحديث عن الكهرباء والتدفئة والمياه في جلسة مجلس حقوق الإنسان تفصيلاً خدمياً، بل تحوّل إلى أحد أبرز مداخل النقاش الحقوقي حول الحرب في أوكرانيا، بعدما أكد المفوض السامي فولكر تورك وعدد من الدول أن استهداف البنية التحتية للطاقة ترك آلاف المدنيين في مواجهة البرد والعتمة وانقطاع المياه.
وقال تورك إن الشتاء الماضي كان الأشد برودة في أوكرانيا منذ خمسة عشر عاماً، مشيراً إلى أن القوات الروسية استهدفت بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ومارس/آذار 2026 البنية التحتية للطاقة، ما حرم مناطق واسعة من التدفئة والكهرباء والمياه الساخنة، أحياناً لأسابيع متواصلة، في وقت وصلت فيه درجات الحرارة إلى عشرين درجة مئوية تحت الصفر.
هذا النوع من الهجمات، وفق مداخلات دول مثل فرنسا وبولندا ورومانيا وسويسرا وآيسلندا، لا ينعكس فقط على راحة السكان، بل يمس جوهر حقوقهم الأساسية، ومنها الحق في الحياة، والصحة، والسكن الملائم، والمياه، والحماية من الظروف القاسية، كما يؤثر بشكل خاص في الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والنساء.
انقطاع الكهرباء والتدفئة
وأشارت مداخلات عدة إلى أن انقطاع الكهرباء والتدفئة لا يعني فقط توقف الخدمات المنزلية، بل يؤدي أيضاً إلى تعطيل المدارس والمستشفيات ودور الحضانة، ويعوق الوصول إلى الملاجئ، خصوصاً عندما تتوقف المصاعد أو تنقطع المياه أو تتعطل شبكات الإنذار والخدمات الأساسية أثناء القصف.
ومن هنا، طرحت الجلسة سؤالاً حقوقياً محورياً: هل يمكن النظر إلى استهداف الطاقة باعتباره مجرد تكتيك عسكري، أم إنه استخدام للبنية التحتية المدنية بوصفها أداة ضغط جماعي على السكان؟ غالبية المداخلات ذهبت باتجاه التحذير من أن الهجمات المنهجية على مرافق الطاقة قد تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، خصوصاً عندما تؤدي إلى حرمان المدنيين من خدمات لا غنى عنها للبقاء.
ويمنح هذا الملف الحرب بعداً اجتماعياً ممتداً، إذ إن تدمير الطاقة لا يتوقف أثره عند لحظة القصف، بل يعيد تشكيل الحياة اليومية للمدنيين، ويضاعف هشاشة المجتمعات، ويجعل الشتاء نفسه ساحة إضافية للمعاناة.
لا سلام بلا عدالة
حملت جلسة مجلس حقوق الإنسان بشأن أوكرانيا رسالة سياسية وحقوقية واضحة: لا يمكن الحديث عن سلام مستدام دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فقد تكرر مطلب المساءلة في مداخلات أوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، وهولندا، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، ومجلس أوروبا، وعدد واسع من الدول والمنظمات.
وقالت أوكرانيا في مداخلتها إن روسيا تعتقد أن الوقت حان لتطبيع الجرائم، وأن الاعتداءات المتكررة على المدنيين ستصبح أمراً عادياً إذا استمرت دون محاسبة، وأضافت أن تأخير العدالة يعني الحرمان منها، داعية المجتمع الدولي إلى مواصلة الضغط على روسيا بصفتها الدولة المعتدية والقوة القائمة بالاحتلال.
وتحدثت مملكة هولندا، باسم مجموعة من الدول الداعمة لأوكرانيا، عن ضرورة دعم الجهود الرامية إلى محاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات، ومنها من خلال المحكمة الجنائية الدولية وآليات التحقيق الدولية، كما أشار مجلس أوروبا إلى توقيع 36 دولة أوروبية اتفاقاً لإنشاء محكمة خاصة بشأن جريمة العدوان ضد أوكرانيا، إضافة إلى دعم آلية للتعويضات.
وتتعدد مسارات المساءلة المطروحة في الجلسة: المحكمة الجنائية الدولية، التحقيقات الوطنية والدولية، آليات الأمم المتحدة، توثيق بعثة الرصد، المحكمة الخاصة بجريمة العدوان، وآليات جبر الضرر والتعويضات، ويعني ذلك أن العدالة لم تعد مطلباً أخلاقياً عاماً، بل باتت جزءاً من بنية سياسية وقانونية يجري العمل على تثبيتها دولياً.
توثيق انتهاكات القانون الدولي
وفي ملاحظاته الختامية، أكد المفوض السامي أهمية استمرار بعثة الأمم المتحدة لرصد حقوق الإنسان في توثيق انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وضمان إتاحة الأدلة والوثائق لجميع آليات المساءلة الوطنية والدولية، ومنها المحكمة الجنائية الدولية.
وتكشف هذه المداخلات أن معركة أوكرانيا داخل مجلس حقوق الإنسان لا تقتصر على كسب التضامن السياسي، بل تسعى إلى منع تحول الانتهاكات إلى أمر واقع، فالتوثيق هنا ليس عملاً أرشيفياً فقط، بل خطوة أولى في مسار قضائي وسياسي يهدف إلى ردع الانتهاكات المستقبلية، وإنصاف الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.
اتهامات لروسيا بمحاولة محو الهوية
قدمت أوكرانيا وعدد من الدول خلال جلسة مجلس حقوق الإنسان رواية تتجاوز وصف الحرب باعتبارها نزاعاً عسكرياً، لتضعها في إطار أوسع: محاولة ممنهجة لمحو الهوية الأوكرانية في المناطق المحتلة، عبر التعليم، واللغة، والثقافة، والدين، والتراث.
وقالت أوكرانيا في مداخلتها إن روسيا استهدفت في الخامس عشر من يونيو/حزيران موقعاً للتراث العالمي تابعاً لليونسكو، إضافة إلى كاتدرائية تاريخية يعود عمرها إلى قرون، معتبرة أن ذلك لا يمثل اعتداء على مبنى فحسب، بل اعتداء على ذاكرة أمة بأكملها، كما اتهمت الجيش الروسي بتدمير الكنائس والمتاحف والمكتبات في محاولة لمحو هوية شعب عاش في هذه الأراضي عبر قرون.
وتكررت هذه الزاوية في مداخلات دول مثل ليتوانيا وسلوفاكيا وسويسرا وجورجيا وألمانيا وهولندا، التي أشارت إلى فرض الجنسية الروسية، وتقييد استخدام اللغة الأوكرانية، وتغيير المناهج، وفرض الرواية الروسية للحرب، وقمع من يرفض الاحتلال أو يعبر عن هويته الأوكرانية.
الأخطر، وفق ما طرحته عدة وفود، أن هذه السياسات تستهدف الأطفال تحديداً، من خلال التعليم والتلقين العسكري ومحاولات فصلهم عن هويتهم الوطنية، وهو ما يجعل الحرب على الهوية أكثر امتداداً من الحرب العسكرية، لأنها تؤثر في الذاكرة الجماعية للأجيال المقبلة.
حماية حقوق السكان
كما أشار المفوض السامي في ملاحظاته الختامية إلى أن القوة القائمة بالاحتلال لا يجوز لها إجراء تغييرات واسعة النطاق على النظام القانوني والمؤسسي القائم في الأراضي المحتلة، مؤكداً أن قانون الاحتلال يهدف إلى حماية حقوق السكان تحت الاحتلال باعتبار الاحتلال وضعاً مؤقتاً، لا فرصة لإعادة تشكيل المجتمع أو فرض نظام لم يختره السكان.
وتمنح هذه القضية الجلسة طابعاً جدلياً، لأنها تطرح سؤالاً يتجاوز الانتهاكات الفردية: هل تسعى روسيا فقط للسيطرة على الأرض، أم لإعادة تشكيل المجتمع الأوكراني في المناطق المحتلة؟ من خلال مداخلات الجلسة، بدا أن أغلب الدول الداعمة لأوكرانيا ترى أن ما يجري هو مشروع سياسي وثقافي وقانوني يستهدف الهوية، لا مجرد إدارة عسكرية مؤقتة.
