دخلت ألبانيا واحدة من أكثر الأزمات البيئية والسياسية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة بعدما تحول مشروع منتجع سياحي فاخر مرتبط بإيفانكا ترامب وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى محور احتجاجات شعبية واسعة تجاوزت المطالب البيئية لتصل إلى المطالبة بإصلاحات سياسية واستقالة حكومة رئيس الوزراء إيدي راما.
وأكدت وكالة أسوشيتد برس أن الاحتجاجات استمرت أكثر من خمسة وثلاثين يوماً متتالياً، وشهدت العاصمة تيرانا أكبر مظاهرة منذ بداية الحراك، في حين اتسعت المطالب لتشمل مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في إدارة الأراضي العامة.
مشروع بمليارات الدولارات
أوضحت وكالة أسوشيتد برس وصحف دولية أن المشروع يستهدف تطوير جزيرة سازان وشبه جزيرة زفيرنيتش والمناطق المحيطة ببحيرة فيوسا نارتا، من خلال إنشاء منتجع فاخر ومرافق سياحية ومارينا لليخوت، باستثمارات تقدر بما بين 1.4 مليار و5 مليارات دولار وفق مراحل التطوير المختلفة التي أعلنها المستثمرون وتقارير وسائل الإعلام الدولية.
وأكدت الحكومة الألبانية أن المشروع يندرج ضمن خطتها لتحويل البلاد إلى وجهة سياحية راقية وجذب استثمارات أجنبية مباشرة ترفع إسهامات السياحة في الاقتصاد الوطني.
محمية بيئية ذات أهمية دولية
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة إلى أن منطقة فيوسا نارتا تمثل واحدة من أهم النظم البيئية الساحلية في البحر الأدرياتيكي، إذ تضم أراضي رطبة ومسطحات ملحية وغابات متوسطية تشكل محطة رئيسية للطيور المهاجرة بين أوروبا وإفريقيا.
كما تؤكد اتفاقية رامسار الخاصة بحماية الأراضي الرطبة أن هذه البيئات تؤدي دوراً أساسياً في الحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي والحد من آثار تغير المناخ، وهو ما جعل أي تغيير واسع النطاق في استخداماتها محل متابعة من المنظمات البيئية الدولية.
التنوع البيولوجي في دائرة الخطر
توضح بيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن منطقة فيوسا نارتا تحتضن أكثر من 200 نوع من الطيور، بينها طيور النحام الوردي مهددة بالاندثار والتي أصبحت رمزاً للاحتجاجات الحالية، إضافة إلى أنواع مهددة مثل السلاحف البحرية ضخمة الرأس وفق تقييمات المنظمة الدولية. كما تؤكد تقارير بيئية أن المنطقة تمثل ممراً رئيسياً لهجرة الطيور عبر البحر الأدرياتيكي، ما يمنحها قيمة بيئية تتجاوز الحدود الوطنية لألبانيا.
احتجاجات تتجاوز البيئة
أكدت وكالة أسوشيتد برس أن المتظاهرين لم يكتفوا بالمطالبة بوقف المشروع، بل وسعوا مطالبهم لتشمل استقالة رئيس الوزراء إيدي راما وإجراء إصلاحات دستورية ومكافحة الفساد، بعدما اعتبروا أن الحكومة منحت المشروع امتيازات استثنائية من خلال تعديلات تشريعية سهلت الاستثمار داخل مناطق محمية. وأطلق المحتجون على الحراك اسم ثورة الفلامنغو، في إشارة إلى الطيور التي تعيش في المنطقة المهددة بالمشروع.
مخاوف من تقويض سيادة القانون
ذكرت صحيفة “الغارديان” أن المشروع السياحي لعائلة الرئيس ترامب في ألبانيا أثار انتقادات واسعة من أكاديميين وخبراء قانون ومنظمات مجتمع مدني، بعدما سمح البرلمان الألباني بتعديل تشريعات المناطق المحمية، وهو ما اعتبره معارضون سابقة قد تفتح الباب أمام استثمارات مستقبلية داخل مناطق ذات حساسية بيئية عالية، كما حذر خبراء من أن استمرار غياب الحوار المجتمعي قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي وزيادة الاحتقان السياسي.
القوة في مواجهة المحتجين
وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن قوات الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل وخراطيم المياه لتفريق المحتجين بعد محاولات بعضهم اختراق الحواجز الأمنية، وأسفرت المواجهات عن إصابة عدد من عناصر الشرطة وتوقيف متظاهرين، في حين طالبت منظمات حقوقية السلطات باحترام الحق في التجمع السلمي وضمان التناسب في استخدام القوة أثناء فض الاحتجاجات.
موقف لجنة هلسنكي الألبانية
أكدت لجنة هلسنكي الألبانية، وهي من أبرز المنظمات الحقوقية في البلاد، أن أي أعمال عنف فردية لا تبرر الاستخدام المفرط للقوة من جانب أجهزة الأمن، ودعت السلطات إلى ضمان حقوق المحتجزين واحترام المعايير الأوروبية الخاصة بحرية التجمع والتظاهر السلمي، مع فتح تحقيقات مستقلة في أي ادعاءات تتعلق بتجاوزات أمنية أثناء الاحتجاجات.
البعد الأوروبي للأزمة
أكد البرلمان الأوروبي، وفق ما نقلته صحيفة “الغارديان”، أن احترام التشريعات البيئية الأوروبية يمثل أحد الشروط الأساسية في مسار انضمام ألبانيا إلى الاتحاد الأوروبي. كما حذر عدد من أعضاء البرلمان من أن استمرار المشروعات المثيرة للجدل داخل المناطق المحمية قد يؤثر في تقييم بروكسل لمدى التزام تيرانا بالمعايير البيئية وسيادة القانون والشفافية.
تداعيات إنسانية على المجتمعات المحلية
أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن المناطق الساحلية في ألبانيا تمثل مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة لآلاف الأسر التي تعتمد على الصيد التقليدي والسياحة البيئية والأنشطة الزراعية المرتبطة بالأراضي الرطبة، ولذلك فإن أي تغيير واسع في طبيعة استخدام هذه المناطق ينعكس بصورة مباشرة على سبل المعيشة والاستقرار الاقتصادي للسكان.
ويرى خبراء التنمية الأمميون أن الموازنة بين جذب الاستثمارات وحماية الموارد الطبيعية تمثل تحدياً أساسياً أمام الحكومة، خصوصاً في المناطق التي ترتبط فيها الأنشطة الاقتصادية بالنظم البيئية الحساسة.
السياحة بين النمو والاستدامة
أظهرت بيانات وزارة السياحة والبيئة الألبانية أن البلاد سجلت خلال عام 2024 أكثر من 11.7 مليون زيارة من السياح الأجانب، وهو أعلى رقم في تاريخ ألبانيا، كما تجاوزت عائدات السياحة 4.8 مليار يورو، لتصبح السياحة أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي في البلاد.
وأكدت الحكومة أن استمرار هذا النمو يتطلب تنفيذ مشروعات استثمارية كبرى تستهدف فئة السياحة الفاخرة، في حين ترى منظمات بيئية أن نجاح القطاع يعتمد أيضاً على الحفاظ على الموارد الطبيعية التي شكلت أساس الجذب السياحي خلال السنوات الأخيرة.
البيئة ركيزة للاقتصاد
أوضح البنك الدولي أن السياحة البيئية أصبحت من أسرع القطاعات نمواً في منطقة غرب البلقان، وأن حماية النظم البيئية الساحلية تمثل استثماراً طويل الأجل يفوق في كثير من الأحيان المكاسب الاقتصادية السريعة الناتجة عن التوسع العمراني.
كما تشير تقديرات البنك إلى أن تدهور النظم البيئية يؤدي إلى خسائر اقتصادية مستمرة نتيجة تراجع التنوع الحيوي وتآكل السواحل وانخفاض جاذبية الوجهات الطبيعية.
موقف المنظمات البيئية الدولية
أكد الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن منطقة فيوسا ونارتا تعد من أهم المواقع الطبيعية في أوروبا الجنوبية؛ نظراً لاحتضانها مئات الأنواع من الطيور والكائنات البرية والنباتات النادرة.
كما دعت منظمة “يوروناتشر” الأوروبية ومنظمة “بيرد لايف إنترناشونال” السلطات الألبانية إلى الالتزام الكامل بالمعايير الأوروبية الخاصة بحماية الموائل الطبيعية، محذرتين من أن أي تدخل عمراني واسع داخل المنطقة قد يؤدي إلى فقدان أجزاء من النظام البيئي الذي تشكل عبر آلاف السنين.
الأمم المتحدة وتحذيرات حماية التنوع الحيوي
أكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الأراضي الرطبة تؤدي دوراً محورياً في تخزين الكربون والحد من آثار الفيضانات وتنقية المياه وحماية التنوع البيولوجي، في حين تشير اتفاقية التنوع البيولوجي التابعة للأمم المتحدة إلى أن فقدان هذه النظم البيئية ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية، كما شددت الأمم المتحدة على ضرورة إخضاع المشروعات الكبرى لتقييمات بيئية مستقلة وشفافة قبل منح الموافقات النهائية.
وتنص اتفاقية رامسار الخاصة بالأراضي الرطبة، واتفاقية آرهوس بشأن الوصول إلى المعلومات والمشاركة العامة في اتخاذ القرار البيئي، إضافة إلى اتفاقية التنوع البيولوجي، على أهمية ضمان المشاركة المجتمعية وتقييم الآثار البيئية بصورة مستقلة قبل تنفيذ المشروعات الكبرى داخل المناطق ذات الحساسية البيئية، وهذه الالتزامات تمثل جزءاً من المعايير التي تتابعها مؤسسات الاتحاد الأوروبي خلال مفاوضات انضمام ألبانيا إلى التكتل.
انتقادات حقوقية
أكدت لجنة هلسنكي الألبانية أن الحق في التظاهر السلمي يمثل أحد الحقوق الأساسية التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ودعت السلطات إلى احترام الضمانات القانونية الخاصة بالمحتجزين وفتح تحقيقات شفافة في أي ادعاءات تتعلق باستخدام القوة بصورة غير متناسبة، كما طالبت منظمات مجتمع مدني بإتاحة جميع الوثائق المتعلقة بالمشروع للرأي العام، ومنها الدراسات البيئية والعقود وآليات منح التراخيص.
مكافحة الفساد في صلب الاحتجاجات
أشارت منظمة الشفافية الدولية في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 إلى أن ألبانيا حصلت على 42 نقطة من أصل 100، وهو ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالحوكمة والشفافية.
ويرى المحتجون أن الجدل حول المشروع تجاوز الجانب البيئي، ليعكس مخاوف أوسع تتعلق بإدارة الموارد العامة وآليات اتخاذ القرار، في حين تؤكد الحكومة أن جميع الإجراءات تمت وفق القوانين السارية.
الاقتصاد في مواجهة البيئة
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لألبانيا تجاوز 25 مليار دولار خلال عام 2024، في حين يواصل الاقتصاد تسجيل معدلات نمو مدعومة بقطاعي السياحة والخدمات. ويرى اقتصاديون أن البلاد تحتاج إلى استثمارات أجنبية كبيرة لتعزيز النمو وخلق فرص العمل، إلا أنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن المشروعات الكبرى تحتاج إلى توافق مجتمعي واسع حتى لا تتحول إلى مصدر لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الحكومة تدافع عن المشروع
أكد رئيس الوزراء إيدي راما في تصريحات نقلتها وسائل إعلام ألبانية ودولية أن المشروع سيوفر فرص عمل جديدة ويسهم في تطوير البنية التحتية وجذب الاستثمارات العالمية، مشدداً على أن الحكومة ستلتزم بالمعايير البيئية المطلوبة، كما أكد المستثمرون أن خطط التطوير تتضمن إجراءات للحفاظ على الطبيعة وتقليل التأثير البيئي، في حين يواصل المعارضون المطالبة بنشر جميع الدراسات الفنية وإخضاع المشروع لمراجعة مستقلة.
جزيرة سازان.. من قاعدة عسكرية إلى مشروع سياحي
تمثل جزيرة سازان واحدة من أكثر المواقع حساسية في البحر الأدرياتيكي، فقد استخدمتها السلطات الشيوعية السابقة قاعدة عسكرية مغلقة لعقود، قبل أن تفتحها الحكومة تدريجياً أمام الأنشطة المدنية والسياحية.
ويرى مؤيدو المشروع أن الموقع يمتلك مقومات استثنائية تجعله وجهة سياحية عالمية، في حين يحذر خبراء البيئة من أن خصوصية الجزيرة البيئية والتاريخية تتطلب أعلى درجات الحماية قبل تنفيذ أي أعمال إنشائية واسعة.
شهدت ألبانيا منذ انهيار النظام الشيوعي عام 1991 توسعاً تدريجياً في قطاع السياحة باعتباره أحد محركات الاقتصاد الوطني. ومع بدء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كثفت الحكومات المتعاقبة جهودها لجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن العديد من المشروعات الساحلية أثارت جدلاً واسعاً بسبب تعارضها مع اعتبارات حماية البيئة والحفاظ على المناطق الطبيعية.
ويعكس الجدل الحالي حول مشروع المنتجع الفاخر هذا التوازن الدقيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الثروات الطبيعية، في وقت تراقب فيه المؤسسات الأوروبية والأممية مدى التزام ألبانيا بمعايير الشفافية وسيادة القانون وحماية البيئة، باعتبارها ركائز أساسية في مسارها نحو الاندماج الأوروبي.

