منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط تشديد أمني.. “العفو الدولية” ترصد تراجع الحريات وتصاعد الكراهية في بريطانيا

10 مايو 2026
قلق حقوقي في بريطانيا من تراجع الحريات وتصاعد خطاب الكراهية
قلق حقوقي في بريطانيا من تراجع الحريات وتصاعد خطاب الكراهية

بتصاعد في المخاوف الحقوقية، شهدت المملكة المتحدة خلال عام 2025 استمراراً لاستخدام تشريعات مكافحة الإرهاب لتقييد الاحتجاجات السلمية، ولا سيما تلك الداعمة لغزة والمعارضة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وشمل ذلك حظر بعض الحركات الاحتجاجية، واستمرار صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، إلى جانب تشديد السياسات تجاه طالبي اللجوء والمهاجرين، في سياق اتسم بارتفاع جرائم الكراهية والتراجع النسبي في الحماية القانونية لبعض الفئات.

ووفق تقرير لمنظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن)، استمرت الحكومة البريطانية في الإبقاء على التزاماتها الشكلية تجاه قانون حقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لكنها اتخذت خطوات تشريعية وإجرائية حدت من نطاق الحماية، خصوصاً في ملفات الهجرة واللجوء، في المقابل، قُدم “قانون هيلزبورو” بوصفه خطوة لتعزيز مساءلة الدولة في حالات الكوارث والانتهاكات.

وقانون هيلزبورو (Hillsborough Law) هو تشريع بريطاني مقترح يهدف إلى ضمان تعاون الهيئات العامة بصدق مع التحقيقات الرسمية ومنع التغطية على الإخفاقات، استجابة للمطالبات المستمرة من عائلات ضحايا كارثة ملعب هيلزبورو عام 1989.

وبحسب “العفو الدولية”، واصلت السلطات البريطانية فرض قيود على التظاهر السلمي، خاصة المرتبط بالقضية الفلسطينية، حيث سُجلت اعتقالات واسعة خلال احتجاجات “أوقفوا الإبادة الجماعية”، كما طرحت الحكومة مشروع قانون يمنح الشرطة صلاحيات موسعة لتقييد المظاهرات بناء على “التعطيل التراكمي” أو قربها من دور العبادة، إضافة إلى قيود على تغطية الوجه أثناء الاحتجاجات.

ملاحقات جنائية واسعة

وفي تطور بارز، حظرت الحكومة حركة “فلسطين أكشن” وصنفتها منظمة إرهابية، ما أدى إلى ملاحقات جنائية واسعة بحق المشاركين في أنشطتها أو الداعمين لها، واعتقالات جماعية في سياق حملات عصيان مدني لاحقة، كما كشفت تقارير حقوقية عن ممارسات مراقبة سرية غير مشروعة استهدفت صحفيين ومحامين، ومنها انتهاكات محتملة لحرية الصحافة وحماية المصادر.

واتسمت السياسات الحكومية تجاه اللاجئين والمهاجرين بتشدد متزايد، شمل اتفاقات لإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى دول العبور، ومقترحات لتقييد نظام لم الشمل الأسري، ورفع مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الإقامة الدائمة، ومنها تطبيقات بأثر رجعي.

كما تضمنت التعديلات تشديد شروط الدعم الاجتماعي لطالبي اللجوء، وطرح قوانين جديدة توسع صلاحيات الاحتجاز والملاحقة، ما اعتبر تقويضاً متزايداً لحقوق الحماية الدولية.

وسُجل ارتفاع في جرائم الكراهية ذات الطابع العنصري والديني، مع تزايد استهداف المساجد ودور العبادة، وتصاعد الخطاب العام المتسم بالتحيز، كما شهدت بعض المناطق أعمال عنف دفعت عائلات من الأقليات إلى النزوح الداخلي.

وفي خطوة مثيرة للجدل، أعلنت الحكومة نشر بيانات تتعلق بالأصل العرقي والجنسية في قضايا جنائية بارزة، ما أثار مخاوف من تعزيز الصور النمطية والتمييز.

وأشارت تقارير أممية إلى تقاعس المملكة المتحدة عن ضمان الحقوق الأساسية في الغذاء والسكن والضمان الاجتماعي الكافي، كما أدت إصلاحات نظام الضمان الاجتماعي إلى زيادة مخاطر الفقر، خاصة بين ذوي الإعاقة.

وبالرغم من بعض التعديلات التشريعية التي خففت جزئياً من آثار سياسات التقشف، فإن التحديات البنيوية استمرت في التأثير في الفئات الأكثر هشاشة.

وبهذه المعطيات والمؤشرات، يعكس المشهد الحقوقي في المملكة المتحدة خلال 2025 توازناً هشاً بين الحفاظ على الأطر القانونية القائمة وبين توسع السياسات المقيدة للحريات، خصوصاً في مجالات التعبير والهجرة والحقوق الاجتماعية، في ظل تصاعد جرائم الكراهية وتزايد القيود التشريعية.

توقعات بتحسين المسار

وتعقيباً على ما ورد في تقرير “العفو الدولية”، يرى الباحث الفرنسي والخبير في الشؤون الأوروبية، بيير لويس ريموند، أن التقرير بشأن المملكة المتحدة يعكس مؤشرات واضحة على تراجع في الأوضاع الحقوقية، خصوصاً فيما يتعلق بالحريات العامة، مشيراً إلى وجود خلل في تحقيق التوازن بين ضمان الحقوق المشروعة، وبين الحد من التجاوزات التي قد تقود إلى العنف الجماعي أو تغذية خطاب الكراهية.

وأكد ريموند، في تصريح لـ”صفر”، أن ملف مراجعة سياسات تصدير الأسلحة إلى إسرائيل لم يشهد التقدم المتوقع، رغم الاتفاقيات التي أبرمتها عدة دول أوروبية، أو على الأقل رغم المواقف العلنية التي أعلنتها حكوماتها سابقاً.

وأوضح أن هذا التراجع يثير تساؤلات جدية حول نموذج التعايش بين مكونات المجتمع البريطاني الذي طالما اعتبر نموذجاً ناجحاً في إدارة التنوع، إلا أن التطورات الأخيرة باتت تُهدد استقراره وتماسكه.

ولفت إلى تصاعد مشاعر خيبة الأمل إزاء طريقة التعامل مع المظاهرات السلمية، خصوصاً تلك المناهضة لاعتداءات معروفة، مشيراً إلى أن القيود المفروضة عليها لا تنسجم مع التوقعات المعقودة على الحكومة في حماية حق التعبير والتجمع السلمي.

وفيما يتعلق بآفاق التغيير، أشار ريموند إلى وجود حالة ترقب واسعة لدى الرأي العام تجاه الحكومة اليسارية بقيادة كير ستارمر، خاصة أن قاعدتها الانتخابية تضم شرائح متنوعة من الجاليات التي استقرت تاريخياً في المملكة المتحدة، ما يعزز التوقعات بإحداث تحسن في المسار الحقوقي.

صعود اليمين المتطرف

وباتفاق نسبي مع الرأي السابق، قال رئيس تحرير مجلة “كل العرب” في باريس، علي المرعبي، إن المملكة المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية تشهد بالفعل تراجعاً في مستوى الحريات، ولا سيما حرية التعبير، وهو ما يتقاطع مع ما أورده تقرير منظمة العفو الدولية.

وعزا المرعبي، في تصريح لـ”صفر”، هذا التراجع إلى صعود اليمين المتطرف على أكثر من صعيد في عدة دول أوروبية، ومنها بريطانيا، معتبراً أن ذلك أسهم في تقويض حرية التعبير والحقوق الأساسية.

وفيما يتعلق بحقوق الإنسان، أشار إلى ما وصفه بـ”مواقف متناقضة” من جانب بريطانيا وفرنسا تجاه القرار الإسباني القاضي بتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي، إذ اعتبرت تلك الدول أن الخطوة قد تهدد استقرار وأمن أوروبا، في وقت تواصل فيه بريطانيا تشديد القيود على وصول المهاجرين، خاصة عبر بحر المانش، دون الإسهام بشكل كافٍ في تحمل الأعباء المالية المرتبطة باحتواء الهجرة غير النظامية.

وأضاف أن هناك تضييقاً متزايداً على حرية الرأي والتعبير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا الشعوب وحقوقها، وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته.

وتعليقاً على ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية بشأن تصاعد التمييز والعنصرية منذ مارس 2025، ومنه تعرض مساجد لاعتداءات، أكد المرعبي وجود تمييز واضح على أسس دينية وعرقية في بريطانيا، مشيراً إلى أن المهاجرين، سواء كانوا نظاميين أو غير نظاميين، يواجهون أشكالاً متعددة من العنصرية.

كما لفت إلى أن الاعتداءات على دور العبادة غالباً ما يتم التقليل من شأنها أو التعامل معها بشكل هامشي، مقارنة بردود الفعل القوية في حالات أخرى، معتبراً أن ذلك يعكس تصاعداً في ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا التي تطول حتى أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين، والذين قد يتعرضون للتمييز أحياناً بسبب أسمائهم، رغم حملهم الجنسية البريطانية وولادتهم في البلاد.

وفيما يتعلق بآفاق التغيير، رأى المرعبي أن المشهد الأوروبي يتسم بقدر من التقارب في التوجهات السياسية، مع وجود استثناءات محدودة، مثل التجربة الإسبانية، أما في بريطانيا، فإن التيار المحافظ يتبنى مواقف متشددة تجاه الأجانب، حتى أولئك المقيمين أو الحاصلين على الجنسية.

واستبعد حدوث تغييرات جوهرية في المدى القريب، معتبراً أن ذلك سيظل مرتبطاً بنتائج الاستحقاقات الانتخابية في عدد من الدول الأوروبية، إذ قد تفتح صعود التيارات اليسارية المجال أمام تسويات أكثر إنصافاً لقضايا الهجرة والحد من التمييز، في حين قد يؤدي صعود اليمين المتطرف إلى مزيد من التشدد وتصاعد القيود على الحريات.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان