منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

واشنطن تقود تحركاً دولياً لمواجهة الإرهاب اليساري المتطرف وسط جدل بشأن الأولويات

16 يوليو 2026
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو

تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق التعاون الدولي في مواجهة ما تصفه إدارة الرئيس دونالد ترامب بالإرهاب اليساري المتطرف، عبر استضافة اجتماع وزاري دولي في واشنطن يضم ممثلين عن عشرات الدول لمناقشة تنامي هذا النوع من التهديدات الأمنية. ويعكس هذا التحرك توجهاً جديداً في السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، يقوم على إعادة ترتيب أولويات التهديدات الأمنية وإقناع الحلفاء بضرورة إدراج الجماعات اليسارية المتطرفة ضمن أبرز المخاطر العابرة للحدود.

وأفادت وكالة فرانس برس بأن الاجتماع الوزاري الذي يحمل عنوان عودة الإرهاب السياسي يعقد برئاسة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ويشارك فيه ممثلون عن أكثر من 60 بعثة دبلوماسية من أوروبا وآسيا ومناطق أخرى.

ويهدف اللقاء إلى تنسيق الجهود الدولية لمواجهة ما تعده واشنطن تصاعداً في أنشطة الجماعات المتطرفة، إلى جانب بحث آليات تبادل المعلومات وتعزيز التعاون الأمني بين الدول المشاركة.

رؤية أمريكية جديدة

يعتزم وزير الخارجية ماركو روبيو التأكيد خلال كلمته الافتتاحية أن الإرهاب السياسي اليساري المتطرف يمثل تهديداً حقيقياً يتجاوز الحدود الوطنية، وأن هذا الخطر لم يظهر حديثاً، بل يمتد لعقود، إلا أنه يشهد في المرحلة الحالية تصاعداً ملحوظاً يستدعي استجابة دولية أكثر تنسيقاً.

ويستند الخطاب الأمريكي إلى رؤية تعد الجماعات اليسارية المتطرفة تتبنى أيديولوجيات متنوعة، لكنها تشترك في رفض المؤسسات السياسية والاجتماعية القائمة، وتسعى إلى استهدافها عبر أعمال عنف أو تخريب. كما يرى روبيو، وفقاً للنص المعد مسبقاً لكلمته، أن هذا النمط من الإرهاب يعبر عن تمرد على أسس الحضارة والمؤسسات التي تحافظ على استقرار المجتمعات.

أهداف الاجتماع الدولي

يركز الاجتماع على وضع إطار أوسع للتعاون الأمني بين الدول المشاركة، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون، ومناقشة أساليب رصد الجماعات المتطرفة التي تنشط عبر الحدود أو تستخدم الفضاء الإلكتروني في التجنيد والتنسيق والتخطيط للعمليات.

كما تسعى واشنطن إلى بناء توافق سياسي مع حلفائها بشأن تصنيف بعض الجماعات اليسارية المتطرفة باعتبارها تهديداً أمنياً دولياً، ما يسمح بتوسيع نطاق التعاون القضائي والأمني، وفرض إجراءات أكثر صرامة ضد الأفراد والتنظيمات التي يشتبه في تورطها بأعمال عنف ذات دوافع سياسية.

تقارير بحثية تطرح صورة مختلفة

في المقابل، تقدم مؤسسات بحثية أمريكية تقييماً مختلفاً لحجم التهديد الذي تمثله الجماعات اليسارية المتطرفة داخل الولايات المتحدة، فقد أشار تقرير صادر عام 2025 عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن البلاد شهدت بالفعل ارتفاعاً محدوداً في عدد الهجمات أو المخططات المرتبطة بتيارات اليسار المتطرف خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الزيادة انطلقت من مستويات منخفضة للغاية.

وأوضح التقرير أن الجماعات اليمينية المتطرفة ظلت مسؤولة عن العدد الأكبر من الهجمات الإرهابية داخل الولايات المتحدة منذ عام 1994، متجاوزة بشكل واضح الهجمات المنسوبة إلى الجماعات اليسارية أو التنظيمات المتشددة، وأضاف أن عام 2020 سجل ثلاثين هجوماً أو مخططاً إرهابياً ارتبط باليمين المتطرف، مقابل ثمانية حوادث ارتبطت باليسار وثلاثة حوادث نسبت إلى جماعات جهادية، وهو ما يعكس استمرار تفوق تهديد اليمين المتطرف من حيث عدد العمليات المسجلة.

استشهاد بحوادث أوروبية

تعزز الإدارة الأمريكية موقفها من خلال الإشارة إلى عدد من الوقائع التي شهدتها أوروبا خلال الفترة الأخيرة، وتشير واشنطن إلى أعمال التخريب التي استهدفت شبكة السكك الحديدية الفرنسية بالتزامن مع افتتاح دورة الألعاب الأولمبية عام 2024، معتبرة أن طبيعة تلك العمليات تتوافق مع الأساليب التقليدية التي يتبناها بعض الجماعات اليسارية المتطرفة.

كما تستشهد الإدارة الأمريكية بقضية مقتل الناشط القومي الفرنسي كانتان دورانك في فبراير الماضي، والتي نسبت التحقيقات فيها إلى عناصر تنتمي إلى حركة مناهضة للفاشية، إضافة إلى هجوم استهدف في وقت سابق من الشهر الحالي عدداً من أعضاء حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ في اليونان، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين، باعتبارها مؤشرات على اتساع دائرة العنف المرتبط بجماعات ذات توجهات يسارية متشددة.

تحول في أولويات مكافحة الإرهاب

يعكس هذا الاجتماع تحولاً واضحاً في نهج الإدارة الأمريكية مقارنة بالسياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن، والتي أولت اهتماماً أكبر بمواجهة الجماعات اليمينية المتطرفة، خاصة التنظيمات التي تتبنى أفكار تفوق العرق الأبيض، واعتبرتها أحد أبرز مصادر التهديد للأمن الداخلي الأمريكي

أما إدارة ترامب فتتبنى رؤية مختلفة تركز على توسيع تعريف التهديدات الإرهابية، مع منح أولوية متزايدة لمراقبة الجماعات اليسارية المتطرفة، وهو ما يفتح باباً واسعاً للنقاش بين صناع القرار والباحثين حول كيفية تحديد أولويات مكافحة الإرهاب استناداً إلى حجم المخاطر الفعلية والبيانات الميدانية، وليس فقط إلى التقديرات السياسية.

شهدت الولايات المتحدة وأوروبا خلال العقود الأخيرة أنماطاً متعددة من العنف السياسي ارتبطت بتيارات يمينية ويسارية وجماعات متشددة ذات دوافع دينية أو قومية، وتغيرت أولويات الحكومات في مكافحة الإرهاب وفقاً لطبيعة التهديدات التي واجهتها كل مرحلة، فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ركزت واشنطن بصورة رئيسية على التنظيمات المتطرفة، ثم اتجه الاهتمام تدريجياً نحو الجماعات اليمينية المتطرفة عقب تزايد الهجمات الداخلية.

ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برز توجه جديد يدعو إلى إدراج الإرهاب اليساري المتطرف ضمن أولويات التعاون الأمني الدولي، في وقت يواصل فيه خبراء ومراكز أبحاث تأكيد أهمية الاعتماد على الإحصاءات والوقائع الميدانية عند تقييم مصادر التهديد الإرهابي وصياغة استراتيجيات مكافحته.