منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على وظائفنا؟ حان الوقت أخيراً لنعرف الحقيقة

28 مايو 2026
وصل السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز إلى تجمع لاتحاد عمال أمازون في 24 أبريل 2022 في مدينة نيويورك.
وصل السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز إلى تجمع لاتحاد عمال أمازون في 24 أبريل 2022 في مدينة نيويورك.

يواصل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز التحذير من أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على “مئات الملايين من الوظائف”، في حين يتزايد القلق بين الأمريكيين العاديين أيضاً. وبصراحة، فإن قضية بهذا الحجم تستحق نقاشاً جاداً بعيداً عن المزايدات الحزبية.

الخطاب الذي يروّج له ساندرز وAOC يبدو حتى الآن أقرب إلى التهويل السياسي. فدراسة صادرة عن جامعة تافتس تتوقع أعداداً أقل بكثير من الوظائف الأمريكية “المعرضة للخطر” خلال السنوات الخمس المقبلة، حتى وإن كان الرقم -9.3 مليون وظيفة- لا يمكن التقليل من شأنه. وفي المقابل، أظهر استطلاع أجرته “سترادا” بين الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أن الشركات التي زادت التوظيف للمبتدئين تفوق بثلاث مرات تلك التي خفّضته، وهو عكس ما يفترض أن يحدث إذا كانت “نهاية العالم الوظيفية” وشيكة بالفعل.

لكن الحقيقة أيضاً أننا ما زلنا في البدايات. فلا أحد يستطيع الجزم بشكل التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي في سوق العمل، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، ولا حتى ما الذي ينبغي فعله لمواجهة تلك التحولات.

ولهذا، ومع ضخامة الرهانات، نعتقد أن البيت الأبيض بحاجة إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة تبدأ بدراسة هذه القضية بجدية.

الشباب اليوم يعيشون حالة خوف حقيقية، بعضها نابع من مخاوف مشروعة، وبعضها الآخر يغذيه سياسيون يسعون لاستثمار القلق الشعبي. ومن الممكن أن يسهم تقرير موثوق ومستقل في طمأنتهم بدلاً من تركهم أسرى الشائعات أو التهويل.

لكن هذه اللجنة يجب أن تكون بعيدة تماماً عن الحكومة. فالسياسيون -كما يفعل ساندرز وAOC- سيحوّلون الملف إلى سلاح انتخابي، كما أن خصوم الرئيس دونالد ترامب سيرفضون تلقائياً أي نتائج تصدر عن فريقه.

كذلك، ينبغي ألا تضم اللجنة شركات تمتلك مصالح مباشرة في قطاع الذكاء الاصطناعي؛ لأن مصالحها واضحة ومعروفة. المطلوب لجنة مستقلة تضم اقتصاديين وخبراء تقنية ومتخصصين في السياسات العامة، يقدمون تقييماً نزيهاً لما قد يفعله الذكاء الاصطناعي بسوق العمل الأمريكي خلال السنوات المقبلة، وتأثيره في الشباب تحديداً، وما الذي يجب أن تفعله الحكومة استجابة لذلك.

والأهم أن تكون هذه اللجنة صادقة أيضاً بشأن حدود التوقعات نفسها؛ لأن كثيراً مما يُقال اليوم لا يزال في دائرة التخمين.

لا شك أن دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى الشركات سيغيّر طبيعة كثير من الوظائف. لكن المؤشرات الأولى توحي بأن هذه التحولات قد تقود إلى مزيد من التوظيف، لا العكس.

شركة “ماكينزي” التي تستقطب خريجي الجامعات الكبرى، أكدت -وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال- أن التوظيف للمستويات المبتدئة ارتفع هذا العام، ومن المتوقع أن يواصل الارتفاع العام المقبل، رغم تغيّر طبيعة المهام المطلوبة.

الأمر نفسه ينطبق على IBM التي ضاعفت التوظيف للمبتدئين ثلاث مرات، مع انتقال الوظائف من الأعمال الروتينية إلى مهام أكثر ارتباطاً بالتعامل مع العملاء وحل المشكلات، بحسب مسؤولة الموارد البشرية في الشركة.

كما أظهرت بيانات “الرابطة الوطنية للكليات وأرباب العمل” أن الشركات تخطط لزيادة توظيف خريجي الجامعات بنسبة 5.6% خلال هذا العام، في حين سترفع الشركات الكبرى التي تضم أكثر من خمسة آلاف موظف معدلات التوظيف بنسبة 8.7%.

صحيح أن بعض الوظائف ستختفي، فهذا حدث مع كل ثورة تكنولوجية سابقة، من المحرك البخاري إلى خطوط الإنتاج ثم الحواسيب والإنترنت. لكن التاريخ لم يشهد قط بطالة جماعية دائمة بسبب التكنولوجيا.

بل على العكس، فإن الذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام إنتاجية وثروة كبرى للمجتمع كله، بشرط أن تتم إدارة الانتقال بطريقة سلسة وعادلة.

كما أن إجراء مراجعة مستقلة وموثوقة الآن قد يساعد لاحقاً في بناء توافق أوسع حول ملفات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من حماية الخصوصية إلى حماية الأطفال.

وفي النهاية، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: الصين لن تبطئ تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لديها، والولايات المتحدة لا تستطيع أن تسمح لمخاوفها بأن تمنح بكين تفوقاً اقتصادياً أو عسكرياً.

لقد حان الوقت لنقاش وطني حقيقي حول مستقبل أمريكا مع الذكاء الاصطناعي.

والرئيس دونالد ترامب مطالب بأن يبدأ هذا النقاش الآن.

نيويورك بوست*