سلط تقرير حقوقي جديد الضوء على ما وصفه بانتهاكات خطيرة تطول السجناء المرضى في عدد من السجون التركية، وسط اتهامات لإدارات تلك المؤسسات بحرمان نزلاء يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة من حقهم في العلاج والرعاية الصحية المناسبة.
ويأتي التقرير في وقت تتزايد فيه انتقادات المنظمات الحقوقية للأوضاع الإنسانية داخل السجون، خاصة فيما يتعلق بحقوق السجناء المرضى وظروف احتجازهم.
وكشف التقرير الذي أعدته جمعية حقوق الإنسان، وجمعية المحامين من أجل الحرية، ومؤسسة حقوق الإنسان في تركيا، إلى جانب عدد من المنظمات المدنية والحقوقية الأخرى، عن سلسلة من الانتهاكات التي رصدتها فرق المتابعة خلال زيارات ومراجعات شملت عدداً من السجون في مناطق مختلفة من البلاد، منها سجون وان من النوعين F وT، وسجن وان شديد الحراسة، وسجن خلات من النوع T، وسجن باتنوس من النوع L، وسجن إيدير من النوع S، وسجن كالكاندره من النوع L، وسجن جيريسون إسبيه من النوع L، إضافة إلى سجن بشيكدوزو من النوع T.
مرضى ينتظرون العلاج
وخلال مؤتمر صحفي عقد في مقر نقابة المحامين بمدينة وان، عرض معدو التقرير أبرز النتائج التي توصلوا إليها بشأن أوضاع السجناء المرضى. وأكد المحامي أوزغور أجَر الذي تلا البيان المشترك أن عدداً كبيراً من السجناء يواجهون صعوبات متكررة في الوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية.
وأشار إلى أن بعض الحالات تتعرض لتأخير طويل في الحصول على المواعيد الطبية، في حين يُحرم آخرون من الوصول إلى الرعاية الصحية بشكل كامل.
ونوه التقرير إلى أن إجراءات أمنية تفرضها بعض إدارات السجون في تركيا تحولت إلى معوّق مباشر أمام حصول السجناء على العلاج. وذكر أن بعض المؤسسات الصحية تشترط استمرار تقييد السجناء بالأصفاد أثناء الفحوصات الطبية، كما تفرض عمليات تفتيش مشددة تشمل تفتيش الفم وتقييد الأيدي من الخلف، الأمر الذي يدفع عدداً من السجناء إلى الامتناع عن تلقي العلاج احتجاجاً على ما يعتبرونه انتهاكاً لكرامتهم وحقوقهم الأساسية.
أمراض خطيرة دون رعاية كافية
ووفقاً للمعطيات التي تضمنها التقرير، يعاني ما لا يقل عن 12 سجيناً في أربعة سجون من أمراض خطيرة ومزمنة تتطلب متابعة طبية متواصلة. وتشمل هذه الحالات مرضى القلب والكلى ومرض الانسداد الرئوي المزمن والسكري وداء السيلياك وأورام الدماغ والسل وأمراضاً مزمنة أخرى تستوجب علاجاً منتظماً ورعاية متخصصة.
وأكد معدو التقرير أن بعض هؤلاء السجناء لم يحصلوا على العلاج اللازم منذ سنوات، رغم تدهور أوضاعهم الصحية بشكل واضح. كما أشاروا إلى وجود حالات صدرت بشأنها تقارير طبية تؤكد عدم قدرة أصحابها على البقاء داخل السجن بسبب حالتهم الصحية، فإن الجهات المختصة لم تتخذ إجراءات للإفراج عنهم أو تعديل ظروف احتجازهم بما يتناسب مع أوضاعهم المرضية.
ظروف معيشية تزيد المعاناة
ولم تقتصر الملاحظات الواردة في التقرير على الجانب الصحي فقط، بل تناولت أيضاً الظروف المعيشية والثقافية داخل السجون المشمولة بالرصد. وأفادت المنظمات الحقوقية بأن بعض السجون امتنعت لسنوات عن تسليم كتب ورسائل مكتوبة باللغة الكردية إلى أصحابها، ما أثار انتقادات تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للسجناء.
كما أشار التقرير إلى فرض قيود على عدد من الصحف ووسائل الإعلام المعارضة، منها صحف يني ياشام وإيفرينسل وبيرغون، إضافة إلى تقييد الوصول إلى بعض القنوات التلفزيونية. واعتبر معدو التقرير أن هذه الإجراءات تحد من حق السجناء في الوصول إلى المعلومات ومتابعة التطورات العامة.
وفي الجانب المعيشي، تحدث التقرير عن تدني جودة الوجبات الغذائية المقدمة داخل عدد من السجون، مؤكداً أن الطعام يفتقر إلى المعايير الصحية المطلوبة ولا يلبي الاحتياجات الغذائية للنزلاء، خصوصاً المرضى منهم. كما لفت إلى ارتفاع أسعار المنتجات المتوافرة في متاجر السجون، ما يزيد الأعباء المالية على السجناء وعائلاتهم.
انتقادات لإدارات السجون
ورأت المنظمات المشاركة في إعداد التقرير أن العديد من المشكلات المسجلة ترتبط بطريقة تطبيق اللوائح والأنظمة داخل السجون. وأشارت إلى أن بعض إدارات السجون تستخدم الصلاحيات الممنوحة لها بصورة تؤدي إلى فرض قيود إضافية على السجناء، خصوصاً المرضى منهم، بدلاً من تسهيل حصولهم على حقوقهم الأساسية التي يكفلها القانون.
وفي هذا السياق، أكدت آيتن كران، الرئيسة المشتركة لجمعية حقوق الإنسان، أن المعطيات الواردة في التقرير تكشف عن حاجة ملحة إلى مراجعة السياسات المعمول بها داخل المؤسسات العقابية، خاصة تلك المتعلقة بالسجناء المرضى.
ودعت إلى إغلاق سجن باتنوس من النوع L، معتبرة أن الظروف المسجلة فيه تستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة في تركيا.
مطالب بإصلاحات عاجلة
وشددت كران على ضرورة إزالة جميع العقبات التي تحول دون حصول السجناء المرضى على العلاج والرعاية الطبية، مؤكدة أن الحق في الصحة حق أساسي لا يفقده الإنسان بمجرد دخوله السجن. كما طالبت بإلغاء بعض اللوائح التنظيمية التي ترى المنظمات الحقوقية أنها تمنح إدارات السجون صلاحيات واسعة تؤثر سلباً في أوضاع النزلاء.
ودعت كذلك إلى تقليص صلاحيات مجالس الإشراف على السجون أو إعادة النظر في آليات عملها، ما يضمن تعزيز الرقابة المستقلة وتحسين ظروف الاحتجاز واحترام المعايير الحقوقية المعتمدة دولياً.
تثير أوضاع السجناء المرضى في تركيا نقاشاً حقوقياً مستمراً منذ سنوات، إذ تؤكد منظمات محلية ودولية أن الرعاية الصحية داخل بعض السجون لا تواكب احتياجات النزلاء الذين يعانون من أمراض مزمنة أو خطيرة.
وتنص القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، على ضرورة حصول جميع السجناء على مستوى من الرعاية الصحية يعادل ما يتوفر في المجتمع الخارجي، مع ضمان استقلالية القرارات الطبية وعدم خضوعها للاعتبارات الإدارية أو الأمنية.
وترى المنظمات الحقوقية أن تحسين أوضاع السجناء المرضى يمثل أحد أهم مؤشرات احترام حقوق الإنسان داخل المؤسسات العقابية، خاصة عندما يتعلق الأمر بحالات تهدد حياتها أمراض خطيرة تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً ومستمراً.
