منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

نفقة الفقر في تركيا بعد قرار المحكمة الدستورية.. بين الحماية الاجتماعية ومخاوف التراجع في حقوق النساء

27 يوليو 2026
تركيا
تركيا

في أحد أكثر الملفات الاجتماعية حساسية في تركيا، أعادت المحكمة الدستورية فتح النقاش حول مستقبل ما يعرف بنفقة الفقر بعد أن قضت بإلغاء عبارة غير محددة المدة من المادة 175 في القانون المدني التركي، وهي العبارة التي كانت تتيح استمرار النفقة بعد الطلاق دون سقف زمني محدد.

القرار الصادر بناء على إحالة من محكمة الأسرة الثانية عشرة في أنطاليا لا يقتصر على تعديل قانوني، بل يمتد إلى إعادة صياغة مفهوم الأمان الاقتصادي للنساء بعد انتهاء الزواج، في سياق اجتماعي تتداخل فيه العلاقات الأسرية مع سوق العمل غير المتكافئ.

وبحسب ما نصت عليه المحكمة، فإن التعديل سيدخل حيز التنفيذ بعد تسعة أشهر من نشر حيثياته في الجريدة الرسمية، ما يفتح الباب أمام البرلمان التركي لإعادة تنظيم الإطار القانوني للنفقة، وسط جدل واسع بين من يرى في التعديل خطوة نحو التحديث القانوني، ومن يعتبره تهديداً للحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً داخل تركيا.

سياق تاريخي ممتد

هذا القرار لا يمكن فصله عن سياق تاريخي ممتد داخل النظام القضائي التركي، ففي عام 2012 نظرت المحكمة الدستورية في طعن مشابه يتعلق بالنفقة غير محددة المدة، وانتهت حينها إلى رفض الإلغاء، معتبرة أن استمرار النفقة ينسجم مع مبدأ الدولة الاجتماعية ويهدف إلى حماية الطرف الذي قد يقع في حالة فقر بعد الطلاق.

غير أن التحول في موقف المحكمة عام 2026 يعكس تغيراً في فلسفة التعامل مع النفقة، من اعتبارها التزاماً اجتماعياً مفتوحاً إلى اعتبارها حقاً يمكن تنظيمه زمنياً، في ظل نقاش تشريعي متكرر داخل البرلمان التركي ضمن حزم إصلاح قضائية سابقة، أبرزها ما يعرف بالحزمة القضائية الثانية عشرة التي طرحت بدائل متعددة لإعادة تنظيم مدة النفقة وربطها بمدة الزواج أو الحالة الاقتصادية للطرفين.

نفقة الفقر في القانون التركي

ينص القانون المدني في تركيا على أن الطرف الذي يدخل في حالة فقر نتيجة الطلاق يمكنه طلب نفقة من الطرف الآخر، بشرط ألا يكون أكثر خطأ في انهيار الزواج، وأن تتناسب النفقة مع القدرة المالية للطرف الملزم بالدفع.

لكن هذا الحق لا يُمنح تلقائياً، بل يخضع لشروط مثل استمرار الحاجة الاقتصادية وعدم الزواج مجدداً وتغير الظروف المالية، ورغم ذلك، فإن الخطاب العام في تركيا غالباً ما يقدم هذا النظام باعتباره نفقة مؤبدة، وهو توصيف لا يعكس النص القانوني بدقة، لكنه أصبح جزءاً من النقاش المجتمعي حول العدالة بعد الطلاق.

تشير بيانات معهد الإحصاء التركي إلى أن معدل مشاركة النساء في سوق العمل لا يزال أقل بكثير من الرجال، إذ يدور حول 35 إلى 40 في المئة في السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس فجوة بنيوية في فرص التوظيف والاستقلال الاقتصادي، كما تشير دراسات اجتماعية رسمية إلى أن نسبة كبيرة من النساء خارج سوق العمل يبررن ذلك بأسباب تتعلق بالرعاية الأسرية وتربية الأطفال.

هذا السياق يفسر جزئياً لماذا تصبح النفقة بعد الطلاق مصدراً أساسياً للدخل لدى بعض النساء، خصوصاً في الفئات العمرية بين منتصف الأربعينيات والخمسينيات، حيث تقل فرص العودة إلى سوق العمل بعد سنوات طويلة من الانقطاع.

العمل غير المأجور داخل الأسرة

يمثل مفهوم العمل غير المأجور داخل الأسرة أحد المفاتيح الأساسية لفهم الجدل الدائر حول نفقة الفقر في تركيا، إذ تشير المعطيات الاجتماعية إلى أن عدداً كبيراً من النساء يقضين سنوات طويلة خارج سوق العمل نتيجة القيام بأدوار الرعاية المنزلية، مثل تربية الأطفال ورعاية كبار السن وإدارة شؤون الأسرة اليومية، وهي أعمال ضرورية لاستمرار الحياة الأسرية لكنها لا تحظى باعتراف اقتصادي رسمي أو مقابل مالي مباشر، وهذا النوع من العمل يبقى خارج الحسابات التقليدية للناتج المحلي الإجمالي، رغم كونه يسهم بشكل غير مباشر في استقرار الاقتصاد الأسري والمجتمعي.

وعند وقوع الطلاق، تنكشف الآثار الاقتصادية لهذا النمط من تقسيم العمل داخل الأسرة، حيث تجد العديد من النساء أنفسهن في وضع هش اقتصادياً، نتيجة الانقطاع الطويل عن سوق العمل وفقدان الخبرة المهنية الحديثة، إضافة إلى محدودية فرص إعادة الاندماج في الوظائف، خصوصاً في الفئات العمرية المتقدمة نسبياً، وهذا الواقع يجعل الاعتماد على نفقة الفقر في بعض الحالات وسيلة أساسية لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي بعد انتهاء الزواج، في ظل غياب بدائل حماية اجتماعية كافية أو برامج إعادة إدماج اقتصادي فعالة.

وقد تناول عدد من الجهات الحقوقية هذا البعد بوصفه قضية عدالة اقتصادية جندرية، وليس مجرد مسألة دعم مالي فردي، ففي تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، يتم التأكيد على أن العمل غير المأجور الذي تؤديه النساء داخل الأسرة يمثل عنصراً اقتصادياً غير مرئي لكنه حاسم في دعم الاقتصاد، وأن تجاهل هذا العمل يؤدي إلى إعادة إنتاج فجوات المساواة بين الجنسين، خاصة في سياق الحماية الاجتماعية بعد الطلاق.

كما تشير لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة إلى ضرورة أن تراعي السياسات الوطنية أثر العمل غير المأجور على قدرة النساء على تحقيق الاستقلال الاقتصادي.

وعلى المستوى الدولي، تبرز تقارير منظمة العمل الدولية باعتبارها من أبرز الجهات التي سلطت الضوء على فجوة توزيع العمل غير المأجور بين النساء والرجال، حيث تؤكد أن النساء حول العالم يتحملن العبء الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة، وهو ما ينعكس لاحقاً على فرص العمل والدخل والحماية الاجتماعية. كما تناولت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية هذا البعد في سياق أوسع يتعلق بالتمييز الاقتصادي غير المباشر ضد النساء، خاصة في حالات الطلاق والانفصال التي تكشف هشاشة الوضع الاقتصادي للنساء اللواتي خرجن من سوق العمل لفترات طويلة.

ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى نفقة الفقر في تركيا باعتبارها مجرد التزام مالي بين طرفين بعد الطلاق، بل باعتبارها آلية تعويض جزئية عن فجوة اقتصادية تراكمت خلال سنوات الزواج نتيجة العمل غير المأجور الذي لم يتم احتسابه ضمن الاقتصاد الرسمي، كما أن أي نقاش حول تعديل هذا النظام أو تقييده زمنياً يظل مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة الدولة على الاعتراف بهذا النوع من العمل، وتطوير سياسات حماية اجتماعية تعالج الآثار الاقتصادية المترتبة عليه، سواء من خلال دعم إعادة الإدماج في سوق العمل أو توفير شبكات أمان اجتماعي أكثر شمولاً.

التحول التشريعي ومقترحات إعادة التنظيم

تدور النقاشات التشريعية في تركيا حول عدة سيناريوهات لإعادة تنظيم النفقة، أبرزها تحديد مدة النفقة وفق طول مدة الزواج، أو وضع سقف زمني ثابت ينتهي بعده الالتزام، أو ربط الاستحقاق بمعايير اقتصادية محددة.

كما طُرحت مقترحات تتعلق بإدخال الدولة كطرف داعم في الحالات التي تعاني فيها النساء من ضعف الدخل بعد الطلاق، عبر برامج حماية اجتماعية بديلة أو دعم مؤقت لإعادة الإدماج في سوق العمل.

غير أن هذه المقترحات تثير جدلاً حول مدى قدرة النظام الاجتماعي على تعويض الانقطاع الاقتصادي الذي تعيشه النساء خلال سنوات الزواج.

الالتزامات والمعايير الدولية

تخضع تركيا لالتزامات دولية بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تنص على ضرورة تحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين، بما يشمل الحماية الاقتصادية بعد الطلاق، كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة على أهمية الاعتراف بالعمل غير المأجور باعتباره جزءاً من الاقتصاد غير المرئي الذي تتحمله النساء بشكل غير متناسب.

وتشير المعايير الدولية إلى أن أي تغيير في أنظمة النفقة يجب أن يأخذ في الاعتبار الفجوات البنيوية في سوق العمل، وليس فقط التوازن القانوني بين الأطراف، لضمان عدم تحويل الإصلاحات التشريعية إلى مصدر إضافي للهشاشة الاقتصادية.

بين الصورة النمطية والواقع القضائي

ينقسم الخطاب العام في تركيا حول النفقة بين تصور يرى أنها امتياز طويل الأمد بعد زيجات قصيرة، وواقع قانوني أكثر تعقيداً يخضع لشروط دقيقة وإثباتات قضائية.

وفي كثير من الحالات، تواجه النساء صعوبات حتى في تنفيذ أحكام النفقة الصادرة لصالحهن، ما يكشف عن فجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي.

كما أن التعميمات الاجتماعية حول النفقة غالباً ما تتجاهل حقيقة أن معظم المستفيدين منها هم نساء خرجن من سوق العمل لسنوات طويلة بسبب الأدوار الأسرية، وليس نتيجة خيارات فردية بحتة.

الاعتماد الاقتصادي داخل الزواج

تظهر المعطيات الاجتماعية أن الاعتماد الاقتصادي داخل الزواج لا ينشأ بشكل مفاجئ بعد الطلاق، بل يتشكل عبر سنوات من توزيع الأدوار داخل الأسرة، حيث تتحمل النساء الجزء الأكبر من العمل غير المدفوع.

وبالتالي فإن أي تعديل على نظام النفقة لا يمكن فصله عن سياسات العمل والتشغيل والرعاية الاجتماعية، لأن معالجة الأثر دون معالجة السبب البنيوي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الهشاشة بطرق مختلفة.

يعيد قرار المحكمة الدستورية التركية فتح نقاش أعمق من مجرد تعديل قانوني، إذ يضع مفهوم العدالة الاقتصادية بعد الطلاق في قلب النقاش العام، وبينما تتجه التشريعات نحو إعادة تنظيم النفقة ضمن إطار زمني أكثر تحديداً، يبقى السؤال الأساسي معلقاً حول قدرة النظام القانوني والاجتماعي على حماية النساء اللواتي شكل عملهن غير المرئي داخل الأسرة جزءاً أساسياً من الاقتصاد، دون أن يجد هذا العمل انعكاسه الكامل في الحقوق بعد انتهاء الزواج.