منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

نحتاج إلى حماية بريطانيا من طغيان الأقلية

11 مايو 2026

في محاضرته الشهيرة “ريتشارد ديمبلبي” عام 1976، وصف اللورد هيلشام، وزير العدل المحافظ السابق، الدستور البريطاني بأنه “ديكتاتورية انتخابية”. فالحكومة التي تسيطر على مجلس العموم تمتلك بالفعل سلطات شبه مطلقة.

وفي المملكة المتحدة لا تعتمد حريات الناس على منظومة راسخة من الضوابط والتوازنات المكرسة في دستور مكتوب، بل على شعور عام بالحدود والقيود راسخ في أذهان الفاعلين السياسيين والجمهور على حد سواء.

لكن هذه القيود هشة بطبيعتها. ماذا لو وصل إلى السلطة حزب يقوده ديماجوجي كاريزمي، لا يكترث بهذه الضوابط، أو يعاديها صراحة؟ لقد حدث ذلك في دول أخرى، ونراه اليوم بوضوح في الولايات المتحدة، أهم الديمقراطيات في العالم.

قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024، وضعت مؤسسة “هيريتدج” خطة بعنوان “مشروع 2025”، تنصل منها دونالد ترامب آنذاك بشكل مضلل، لكنها رسمت خارطة طريق واضحة لفترته الرئاسية. وقد التزمت إدارته فعلياً بهذه الخطة. فما النتائج؟ .

يشير كتيب حديث بعنوان “الإصلاح الدستوري الدفاعي: منع المملكة المتحدة من أن تسلك طريق الولايات المتحدة”، الصادر عن منظمة “99%”، إلى أن هذه النتائج تشمل تآكل منظومة الضوابط والتوازنات، وتسخير القانون لاستهداف الخصوم الشخصيين، والهجوم على المؤسسات القانونية المستقلة ووسائل الإعلام والجامعات، وتحويل وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية إلى جهاز يعمل فوق القانون. كما بات واضحاً استغلال ترامب لمنصبه لتحقيق مكاسب شخصية.

ويرى الكتيب أيضاً أن ما يحدث في الولايات المتحدة يمكن أن يحدث بسهولة كبرى في بريطانيا. فالولايات المتحدة تمتلك دستوراً اتحادياً مكتوباً، وسلطة تشريعية مستقلة، وقضاءً معروفاً باستقلاليته، ووثيقة حقوق مفصلة. ومع ذلك، أصبحت ديمقراطيتها نفسها موضع تساؤل. أما الديمقراطية البريطانية فقد تكون أكثر هشاشة بكثير.

أولاً، يتيح نظام “الفائز الأول” الانتخابي في بريطانيا لحزب يحصل على ثلث الأصوات فقط أن يحقق أغلبية كاسحة. ففي انتخابات 2024، حصل حزب العمال على 411 مقعداً من أصل 650، رغم أنه لم ينل سوى 33.7% من الأصوات.

ثانياً، يبدو حزب “ريفورم يو كيه” وكأنه حزب قائم على رجل واحد، وربما بدرجة أكبر حتى من الحزب الجمهوري بقيادة ترامب. وقد أشار فريزر نيلسون، رئيس تحرير مجلة “ذا سبيكتاتور” السابق، في تعليق حديث إلى أن نايجل فاراج يُظهر بالفعل سلوكيات مقلقة، منها تلقيه هدية شخصية غير معلنة بقيمة خمسة ملايين جنيه إسترليني قبل انتخابات 2024.

ثالثاً، إذا وصل فاراج إلى السلطة، مدعوماً بأنصار أوفياء داخل البرلمان وخارجه، ومسلحاً بازدراء كامل لما يسميه “المؤسسة الليبرالية”، فسيكون قادراً -بل ومن المرجح أن يفعل- على شن هجوم واسع على كثير من المؤسسات الجوهرية في الحكم والقانون والتعليم في بريطانيا، وكذلك على منظومة حقوق الإنسان، عبر نسخة بريطانية من “مشروع 202٥”.

صحيح أن البلاد بحاجة إلى إصلاحات عميقة، لكن سجل الحركات الشعبوية حول العالم لا يعكس تغييراً منتجاً بقدر ما يعكس حكماً اعتباطياً. فلماذا يفترض أحد أن فاراج سيكون مختلفاً؟ إن أبرز إسهاماته في الحياة العامة البريطانية كان “بريكست”، وهو القرار الذي بات ثلاثة أخماس البريطانيين يندمون عليه اليوم. وهذا بالكاد يوحي بأن الإصلاح الناجح هو نقطة قوته الأساسية.

إذن، ما الذي يمكن فعله لمنع وصول مثل هذه الحكومة إلى السلطة؟.

قد يكون أحد الاحتمالات نجاح الحكومة الحالية في تحقيق الازدهار المشترك الذي يطمح إليه الناس. لكنني أخشى أن الوقت قد فات لتحقيق ذلك. وهناك احتمالات أخرى، مثل إخراج الأموال المشبوهة من السياسة، ومواجهة التضليل الإعلامي والمعلومات الزائفة، والتصدي للتدخلات الأجنبية. غير أن هذه الإجراءات صعبة التنفيذ، وربما لا تُحدث فرقاً حاسماً.

وهناك أيضاً مقترحات لتعزيز استقلالية المؤسسات، مثل الخدمة المدنية، والقضاء، والشرطة، والقوات المسلحة، وبنك إنجلترا، ومجلس اللوردات، والجامعات، ووسائل الإعلام وغيرها. ويقدم التقرير بعض الأفكار المهمة في هذا المجال. لكن، في ظل ما يوصف بالطبيعة “الديكتاتورية” للدستور البريطاني، قد تفشل هذه الضمانات أيضاً.

أما الاحتمال الأخير فيركز على نقطة الضعف الأساسية لدى من يسعون إلى إقامة حكم استبدادي قبل أن ينجحوا فعلياً في ذلك: الانتخابات. وما حدث أخيراً لفيكتور أوربان يثبت مدى أهميتها. ولهذا، فإن ضمان استقلالية لجان الحدود والانتخابات في بريطانيا أمر بالغ الأهمية. لكن الأهم من ذلك هو إصلاح النظام الانتخابي نفسه؛ فأن يتمكن حزب من حصد سلطة طاغية عبر 30% فقط من الأصوات، هو أمر مشوه سياسياً وديمقراطياً. وكما جادل فيرنون بوغدانور بإقناع، فإن نظام “الفائز الأول” أصبح مصدراً لعدم الاستقرار في عصر التعددية الحزبية. أما نظام التصويت القابل للتحويل الذي تُحتسب فيه التفضيلات الثانية وما بعدها، فهو ضمانة أساسية لا غنى عنها.

لقد كان جيمس ماديسون يخشى بحق “طغيان الأغلبية”، وكانت الحقوق الدستورية الراسخة هي الحل في نظره. أما الخطر الأكبر في بريطانيا اليوم، فهو “طغيان الأقلية”، حيث تتمكن أقلية محدودة من فرض سلطة ساحقة. لقد أصبح نظام “الفائز الأول” أقرب إلى الانتحار السياسي. وحان الوقت الآن لإصلاح هذا النظام العتيق.

نقلاً عن فاينانشيال تايمز