في أحد مستشفيات مدينة سيليبابي جنوبي موريتانيا، بات بإمكان المريض الحصول على نتائج فحوصاته وصور الأشعة عبر رمز إلكتروني صغير، ومشاركتها مع طبيب في نواكشوط أو داكار دون الحاجة إلى حمل ملفه الطبي بين المستشفيات. خطوة تختصر المسافات وتسرع التشخيص، لكنها تضع معلومات شديدة الخصوصية أمام اختبار جديد: من يستطيع الوصول إليها، ومن يضمن بقاءها متاحة حين يحتاج إليها المريض؟
في تجربة وثّقها موقع «كاساتايا» الموريتاني، عرض طبيب نتائج فحوصات عبر مسح رمز الاستجابة السريعة، موضحا كيف تسهل التقنية تبادل المعلومات الطبية، غير أن ما يمنح المريض فرصة أسرع للعلاج قد يتحول إلى مصدر خطر إذا تعرضت بياناته للكشف أو تعطلت الأنظمة التي تحفظها.
ومع توسع رقمنة الخدمات الصحية في موريتانيا، تتجاوز حماية السجلات الطبية حدود الأمن التقني، لتصبح مسألة تمس الحق في الخصوصية والحصول على الرعاية الصحية دون انقطاع.

فجوة رقمية تثير أسئلة الحماية
تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية أن مستوى نضج نظام المعلومات الصحية في موريتانيا بلغ 29% خلال تقييم عام 2024، وهو الأدنى بين 37 دولة إفريقية شملها التقييم، مقابل متوسط إقليمي بلغ 58%.
ولا تعني هذه النسبة بالضرورة ضعف إجراءات حماية البيانات داخل المستشفيات، لكنها تعكس تحديات تواجه منظومة جمع المعلومات الصحية وإدارتها واستخدامها.
وفي مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024، حصلت موريتانيا على 39.33 نقطة، وفق بيانات جمعية الإنترنت المستندة إلى المؤشر الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.
ويقيس المؤشر التزامات الدول في مجالات التشريع والتدابير التقنية والتنظيمية وبناء القدرات والتعاون الدولي، ولا يمثل تقييما مباشرا لأمن المستشفيات. وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها مع انتقال مزيد من المعلومات الطبية إلى الأنظمة الرقمية، وما يرافق ذلك من حاجة إلى ضمانات تحمي خصوصية المرضى واستمرارية الخدمات.

حين يمتد الهجوم الإلكتروني إلى سرير المريض
يوضح خبير الأمن السيبراني أحمد صالح، في تصريح لـ”صفر” أن المؤسسات الصحية قد تتعرض لهجمات تستهدف قواعد البيانات ومعلومات المرضى، سواء بغرض الابتزاز المالي أو عبر برمجيات الفدية التي تشفر الملفات والأنظمة وتمنع استخدامها.
ويشير صالح إلى أن النسخ الاحتياطية تمثل وسيلة مهمة لاستعادة البيانات بعد الهجمات، لكن العودة إلى التشغيل قد تستغرق وقتا، خصوصاً مع ضخامة الملفات أو تعقيد عملية الاستعادة، فيما تتفاقم المخاطر عند غياب نسخ احتياطية سليمة.
ولا يتوقف الضرر المحتمل عند كشف المعلومات الشخصية، بحسب صالح، إذ قد يحول تعطل الأنظمة دون وصول الطبيب إلى التاريخ المرضي أو بيانات الأدوية ومواعيد الجرعات، وقد يمتد إلى الأجهزة الطبية المرتبطة بشبكة المستشفى، تبعاً لطبيعة الهجوم.
وبالنسبة للمريض، قد يتحول العطل الإلكتروني إلى انتظار لفحص ضروري أو تأخر في الحصول على دواء أو قرار علاجي. وهنا تصبح قدرة المستشفى على استمرار تقديم خدماته أثناء الطوارئ جزءاً أساسياً من ضمان الحق في الصحة.

رقمنة الملفات.. ضمانات الخصوصية تحت الاختبار
في 31 يوليو/تموز 2026، دشّن مركز الاستطباب الوطني في نواكشوط نظاما لرقمنة الملفات الطبية وإدارة المعلومات الاستشفائية، بالتعاون مع وزارة التحول الرقمي، يشمل مراحل رحلة المريض من التسجيل والوصفات وصرف الأدوية إلى الفحوصات والتدخلات الجراحية.
وأوضح الدكتور محمد فال، من مركز الاستطباب الوطني بنواكشوط، في حديث لمنصة “صفر”أن النظام يتيح الوصول إلى الملفات الطبية بصورة آمنة وسرية، بالتوازي مع تحديث الشبكة المعلوماتية لتغطية مختلف الأقسام والخدمات، مؤكداً متابعة مشروع رقمنة الملف الصحي بمشاركة فرق من وزارتي الصحة والتحول الرقمي وفريق تقني متخصص.
وتعكس هذه الخطوة توجهاً نحو تطوير الخدمات الصحية، لكنها تفتح في المقابل ملف الضمانات العملية لحماية المعلومات، خصوصا في ظل عدم توافر تفاصيل منشورة كافية عن التدابير التقنية المعتمدة داخل المؤسسات الصحية لمواجهة الاختراقات وضمان استمرار الخدمات عند تعطل الأنظمة.
حماية البيانات التزام قانوني
اعتمدت موريتانيا القانون رقم 2017-020 المتعلق بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي، وأنشأت بموجبه سلطة مختصة بمراقبة الامتثال لأحكامه واستقبال الشكاوى ومتابعة الجهات التي تجمع المعلومات الشخصية وتعالجها.
ويرى كمال بن عمر، الخبير القانوني المختص بحقوق الإنسان، أن حماية البيانات الطبية التزام قانوني يقع على عاتق المؤسسات الصحية، باعتبارها معلومات حساسة ترتبط بخصوصية الإنسان وكرامته.
ويؤكد في حديث لـ”صفر” ضرورة اتخاذ تدابير فعالة تمنع تسريب الملفات أو الوصول إليها دون تصريح، والالتزام بأحكام التشريع الموريتاني.
ويوضح أن المسؤولية القانونية عند وقوع اختراق تتحدد وفق ظروف الحادث ومدى وجود تقصير في إجراءات الحماية والأضرار الناجمة عنه، مشيراً إلى أن التداعيات قد تتجاوز انتهاك الخصوصية إلى تعطيل المعلومات الطبية وتأخير العلاج.
وتتقاطع هذه المسؤولية مع المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن حماية الخصوصية، والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتعلقة بالحق في الصحة. كما يؤكد التعليق العام رقم 14 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أهمية سرية البيانات الصحية الشخصية ضمن ضمانات هذا الحق.
حق المريض في معرفة مصير بياناته
تضع الرقمنة الصحية موريتانيا أمام فرصة لتحسين جودة العلاج وتوسيع الوصول إلى الخدمات، لكنها تفرض في الوقت نفسه مسؤولية تتجاوز حماية الأجهزة والشبكات إلى حماية الإنسان الذي تحفظ هذه الأنظمة تفاصيل حياته الصحية.
ومن هنا يبرز جانب حقوقي يستحق أن يرافق التوسع الرقمي: حق المريض في معرفة كيفية استخدام بياناته، والجهات المخولة بالاطلاع عليها، والسبل المتاحة للاعتراض أو تقديم شكوى عند إساءة استخدامها.
كما تبرز الحاجة إلى رقابة واضحة على امتثال المؤسسات الصحية لقواعد حماية البيانات، وإجراءات معلنة تضمن استمرار الرعاية عند وقوع الأعطال، حتى لا يتحمل المريض وحده تبعات خلل لم يكن طرفاً في صنعه، فالثقة في المستشفى الرقمي لا تُبنى على سرعة الوصول إلى الملف الطبي وحدها، بل على قدرة المريض على الاطمئنان إلى أن معلوماته لن تصبح عبئا عليه، وأن حقه في العلاج سيبقى مصوناً حتى عندما تتعطل التكنولوجيا.
