في أحد الأحياء الفقيرة في كابول، تجلس طفلة في الثانية عشرة من عمرها أمام منزلها الطيني، تحمل كتبا قديمة لم تعد تستخدمها، بعد أن مُنعت من الذهاب إلى المدرسة، لم تعد أحلامها تتجاوز حدود المكان الذي تعيش فيه، بعدما تحولت المدرسة من حق أساسي إلى امتياز محروم منه ملايين الأطفال في أفغانستان، هذا المشهد يلخص واقع جيل كامل يواجه أزمات متداخلة، تبدأ من الحرمان من التعليم ولا تنتهي عند الفقر والجوع وانعدام الأمان.
يُعد التعليم أكثر المجالات تضررا في أفغانستان، حيث تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن أكثر من 2.2 مليون فتاة حُرمن من التعليم بعد المرحلة الابتدائية حتى عام 2025، فيما يواجه نحو 6 ملايين طفل بشكل عام خطر التسرب من المدارس أو عدم الالتحاق بها، وتوضح منظمة اليونسكو أن القيود المفروضة على تعليم الفتيات منذ عام 2021 أدت إلى تراجع حاد في نسب الالتحاق بالتعليم الثانوي، ما يهدد بفقدان جيل كامل من الفتيات فرص التعلم والعمل مستقبلا.
ووفق تقارير البنك الدولي لا تقتصر المشكلة على القيود الاجتماعية والسياسية، بل تشمل أيضا ضعف البنية التحتية التعليمية، حيث تعاني آلاف المدارس من نقص المعلمين، خاصة النساء، ومن تدني الإمكانات، ما يؤثر على جودة التعليم حتى لمن لا يزالون داخل النظام التعليمي.
الفقر وانعدام الأمن الغذائي
تتفاقم أوضاع الأطفال في ظل أزمة اقتصادية حادة، حيث تشير بيانات برنامج الغذاء العالمي إلى أن أكثر من 15 مليون شخص في أفغانستان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي في عام 2025، بينهم ملايين الأطفال، ويعاني نحو 3.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، وهو ما يهدد حياتهم ويؤثر على نموهم الجسدي والعقلي.
كما يدفع الفقر المتزايد العديد من الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس للعمل أو التسول، ما يعمق دائرة الحرمان ويحول دون حصولهم على التعليم، ويجعلهم عرضة للاستغلال.
عمالة الأطفال وزواج القاصرات
تشهد أفغانستان تصاعدا مقلقا في معدلات عمالة الأطفال، في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية، حيث تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن ملايين الأطفال اضطروا إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة، وغالبا في ظروف خطرة وغير منظمة، وتوضح تقارير مشتركة بين منظمة العمل الدولية واليونيسف أن نحو 29 بالمئة من الأطفال في أفغانستان انخرطوا في شكل من أشكال العمل خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع ملحوظ بعد عام 2021 نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، ويعمل هؤلاء الأطفال في قطاعات مثل الزراعة والبناء وجمع النفايات والأعمال اليدوية، حيث يواجهون مخاطر جسدية مباشرة، إضافة إلى آثار نفسية طويلة الأمد نتيجة التعرض للاستغلال والعنف.
وتؤكد بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن أكثر من 15 مليون شخص في أفغانستان يعيشون تحت خط الفقر في عام 2025، وهو ما يدفع الأسر إلى الاعتماد على عمل الأطفال كوسيلة للبقاء، وفي كثير من الحالات، يضطر الأطفال إلى ترك التعليم بشكل نهائي، ما يؤدي إلى تكريس دائرة الفقر عبر الأجيال، حيث يصبح غياب التعليم سببا ونتيجة في الوقت نفسه لاستمرار التهميش الاقتصادي والاجتماعي.
وفي السياق نفسه، تتفاقم ظاهرة زواج القاصرات بشكل ملحوظ، حيث تشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن نحو 28 بالمئة من الفتيات في أفغانستان يتزوجن قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، مع تسجيل ارتفاع في هذه النسبة خلال السنوات الأخيرة بسبب الفقر وانعدام فرص التعليم، وتلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة كآلية للتخفيف من الأعباء الاقتصادية أو للحصول على مهور تساعد في تأمين احتياجات الأسرة الأساسية، خاصة في المناطق الريفية.
وتوضح منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن زواج القاصرات يرتبط بشكل مباشر بحرمان الفتيات من التعليم، حيث تصبح الفتاة خارج النظام التعليمي بمجرد الزواج، ما يقلل من فرصها في العمل والاستقلال الاقتصادي لاحقا، كما يؤدي الزواج المبكر إلى مخاطر صحية جسيمة، إذ تزداد احتمالات المضاعفات أثناء الحمل والولادة بين الفتيات الصغيرات، وهو ما يسهم في ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال.
من جانبها، تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن زواج القاصرات في أفغانستان لا يمثل فقط أزمة اجتماعية، بل يعد انتهاكا واضحا لحقوق الإنسان، خاصة في ظل غياب الحماية القانونية الكافية، وضعف آليات إنفاذ القوانين التي تجرم هذه الممارسات، كما تحذر المنظمة من أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي إلى إدامة التمييز ضد النساء والفتيات، ويقوض فرص التنمية على المدى الطويل.
وتبرز هذه المعطيات أن عمالة الأطفال وزواج القاصرات ليستا مجرد ظاهرتين منفصلتين، بل هما نتيجتان مباشرتان لبنية اقتصادية واجتماعية هشة، حيث يتقاطع الفقر مع غياب التعليم وضعف الحماية القانونية، ليشكل حلقة مفرغة يصعب كسرها دون تدخلات شاملة ومستدامة على المستويين المحلي والدولي.
تدهور الخدمات الصحية
تنعكس الأزمات المتعددة على القطاع الصحي، حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النظام الصحي في أفغانستان يعاني من نقص حاد في التمويل والكوادر، خاصة بعد القيود المفروضة على عمل النساء، ويؤثر ذلك بشكل مباشر على الأطفال، خصوصا في المناطق الريفية التي تفتقر إلى الخدمات الطبية الأساسية.
كما يؤدي سوء التغذية وضعف الرعاية الصحية إلى ارتفاع معدلات الأمراض والوفيات بين الأطفال، في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات العلاجية، ما يجعل الأطفال من أكثر الفئات تضررا من الأزمة الإنسانية.
التحولات السياسية
ترتبط هذه الأوضاع بشكل وثيق بالتحولات السياسية التي شهدتها أفغانستان منذ عام 2021، حيث أدت السياسات المفروضة من قبل سلطات حركة طالبان إلى تقليص دور النساء في المجتمع، ما انعكس سلبا على قطاعات التعليم والصحة، وأدى منع النساء من العمل والتعليم إلى تراجع الخدمات الأساسية، خاصة تلك المرتبطة بالأطفال وفق البنك الدولي.
كما تؤكد الأمم المتحدة أن العزلة الدولية وتجميد الأصول المالية أسهما في تفاقم الأزمة الاقتصادية، ما حد من قدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة، وأدى إلى اعتماد ملايين الأسر على المساعدات الإنسانية.
البعد القانوني والحقوقي
يشكل حرمان الأطفال من التعليم انتهاكا واضحا لاتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على حق كل طفل في التعليم دون تمييز، كما يتعارض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتؤكد منظمة العفو الدولية أن القيود المفروضة على تعليم الفتيات تمثل تمييزا قائما على النوع الاجتماعي، وانتهاكا لحقوق الإنسان الأساسية.
كما أن عمالة الأطفال والزواج المبكر يشكلان انتهاكات جسيمة لحقوق الطفل، ويعكسان إخفاقا في حماية الفئات الأكثر هشاشة، ما يتطلب تدخلات عاجلة على المستوى الوطني والدولي وفق هيومن رايتس ووتش.
مطالب وتحذيرات
أثارت هذه الأوضاع قلقا واسعا في المجتمع الدولي، حيث دعت الأمم المتحدة إلى رفع القيود المفروضة على تعليم الفتيات، مؤكدة أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على مستقبل البلاد، كما حذرت منظمة اليونيسف من أن حرمان الفتيات من التعليم سيؤثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أفغانستان لعقود قادمة.
ودعا برنامج الغذاء العالمي إلى زيادة الدعم الإنساني، مع التأكيد على ضرورة ضمان وصول المساعدات إلى الأطفال، في ظل استمرار التحديات السياسية والاقتصادية.
أزمات إنسانية متداخلة
تفاقمت الأزمة نتيجة الكوارث الطبيعية مثل الجفاف والزلازل، حيث أدت هذه الأحداث إلى نزوح آلاف الأسر وتدمير البنية التحتية، ما أثر بشكل مباشر على الأطفال، وتشير بيانات الاتحاد الدولي للصليب الأحمر إلى أن مئات الآلاف من الأطفال تضرروا من هذه الكوارث خلال عام 2025، ما زاد من تعقيد الوضع الإنساني.
كما أدت عودة اللاجئين إلى زيادة الضغط على الموارد المحدودة، ما ساهم في تفاقم الأوضاع المعيشية للأطفال.
جذور تاريخية
شهدت أفغانستان تحسنا ملحوظا في قطاع التعليم بعد عام 2001، حيث ارتفعت معدلات الالتحاق بالمدارس، خاصة بين الفتيات، ووصل عدد الطلاب إلى أكثر من 9 ملايين في بعض الفترات، إلا أن هذا التقدم تراجع بشكل كبير بعد عام 2021، مع فرض قيود جديدة أدت إلى انخفاض معدلات الالتحاق، خاصة في التعليم الثانوي.
ويمثل هذا التراجع انتكاسة كبيرة في مسار التنمية، حيث يعيد البلاد إلى مستويات متدنية من حيث فرص التعليم، ويهدد بفقدان المكاسب التي تحققت خلال العقدين الماضيين.
يقف أطفال أفغانستان اليوم أمام واقع قاسٍ يتداخل فيه الحرمان من التعليم مع الفقر والجوع وانعدام الخدمات، ما يشكل تهديدا مباشرا لمستقبل جيل كامل، وبين القيود السياسية والتحديات الاقتصادية، تتسع الفجوة بين الحقوق التي تضمنها القوانين الدولية والواقع الذي يعيشه الأطفال على الأرض، إن استمرار هذه الأوضاع لا يعني فقط أزمة إنسانية آنية، بل ينذر بعواقب طويلة الأمد على استقرار أفغانستان وتنميتها.

