منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من أفغانستان إلى تايوان.. فيضانات آسيا تكشف الثمن الإنساني لاضطراب المناخ

28 يوليو 2026
الأمطار أصبحت أشد غزارة وتأتي في وقت أبكر من كل عام
الأمطار أصبحت أشد غزارة وتأتي في وقت أبكر من كل عام

لم تعد الفيضانات التي تجتاح آسيا مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت إلى اختبار يومي لجملة من الحقوق الأساسية، بعدما دفعت أمطار غير مسبوقة ملايين الأشخاص إلى فقدان منازلهم ومصادر رزقهم، ووضعت الحق في الحياة والسكن والغذاء والصحة أمام تهديد متزايد.

وبينما امتدت الكارثة من القرى الجبلية في أفغانستان إلى السواحل المنخفضة في بنغلاديش، ومن الأنهار المتدفقة في الهند إلى مناطق واسعة من الصين، برزت الكلفة الإنسانية لاضطراب المناخ بصورة أكثر وضوحاً، مع سقوط عشرات القتلى، وتشريد مئات الآلاف، وتدمير البنية الأساسية والمحاصيل الزراعية في عدة دول آسيوية.

وروت صحيفة “الغارديان” هذه المأساة من قلب المجتمعات المنكوبة، عبر شهادات لسكان وجدوا أنفسهم فجأة أمام أمطار لم يألفوها من قبل، قال عامل البناء أنار غول الذي يعيش في منطقة دور بابا النائية شرقي أفغانستان، إن المطر استمر “عشرة أيام وعشر ليالٍ متواصلة”، مضيفاً أنه لم يشهد شيئاً مماثلاً طوال حياته.

وتعتمد قرية غول على منازل مبنية من الحجر والطين، ما جعلها شديدة الهشاشة أمام الأمطار الغزيرة، إذ انهار مطبخه بعد أيام من الهطول المستمر، في حين شاهد جاره سيد أفسار سادات أجزاءً كبيرة من منزله تنهار بالكامل.

وأكد عامل البناء أن ما جرى لم يكن مجرد موسم أمطار اعتيادي، في حين أوضح سيد أفسار سادات أن الأمطار أصبحت أشد غزارة وتأتي في وقت أبكر من كل عام، مضيفاً أنها تدمر الطرق وتجرف المحاصيل الزراعية وتؤثر بصورة مباشرة في حياة السكان.

وتعكس هذه الشهادات حجم التحول الذي تشهده المناطق الأكثر هشاشة أمام تغير المناخ، حيث تتحول الأمطار إلى تهديد مباشر للسكن ومصادر الرزق.

بحسب الغارديان، اجتاحت أمطار غزيرة وسيول جارفة خلال الأسبوع الماضي قرى وبلدات أفغانية، مخلفة ما لا يقل عن 31 قتيلاً ومئات المفقودين، في حين امتدت الفوضى إلى دول الجوار مع اضطراب الرياح الموسمية وهطول أمطار مفاجئة وغير منتظمة في الهند وبنغلاديش وباكستان.

أضافت وكالة “رويترز” أن حصيلة الضحايا في الهند وباكستان وأفغانستان بلغت 82 قتيلاً على الأقل، بعدما تسببت الأمطار الغزيرة في أضرار واسعة بالأراضي الزراعية والبنية التحتية والمرافق العامة.

وأوضحت أن ولاية آسام الهندية وحدها سجلت مقتل 36 شخصاً خلال أسبوع، في حين تضرر أكثر من 650 ألف شخص في 11 مقاطعة نتيجة الفيضانات، في حين أسفرت الفيضانات في ولاية نورستان الأفغانية وإقليم خيبر بختونخوا الباكستاني عن مقتل ما لا يقل عن 46 شخصاً وإصابة أكثر من 100 آخرين خلال 72 ساعة.

وقال أحد سكان عاصمة ولاية نورستان، مجيب الرحمن، في تصريح نقلته رويترز، إن الفيضانات جرفت المنازل والفنادق، مضيفاً: “كل شيء ضاع.. دمار شامل”، في حين كانت الآليات تعمل لإنقاذ العالقين وسط الدمار الواسع.

الثمن الإنساني

كشفت قصة ياسمين أختر التي تعيش في مدينة تشاتوجرام الساحلية جنوب شرقي بنغلاديش حجم الخسارة التي خلفتها الأمطار القياسية، فقد شهدت المدينة هطول 412.3 مليمتراً من الأمطار خلال 24 ساعة فقط في أوائل يوليو، وهو رقم قياسي أدى إلى فيضان مفاجئ اجتاح منطقة بانشخالي التي تقطنها الأسرة.

وصفت ياسمين أختر كيف جرفت المياه خلال ليلة واحدة كل ما تملكه العائلة، فنفقت الدواجن، وغمرت المياه حقول الأرز، وانهار المنزل، وتلفت الكتب المدرسية والحقائب والألعاب والملابس وأدوات المطبخ، ولم تجد سوى حمل أطفالها الستة عبر مياه وصلت إلى منزل والدتها، حيث عاشوا في ظروف مكتظة لأكثر من أسبوع.

وقالت ياسمين أختر: “لقد فقدنا كل شيء”، موضحة أن منزل الأسرة كان قد خضع للترميم قبل أشهر قليلة فقط، قبل أن تدمره الفيضانات مجدداً، وأضافت أن الأسرة لا تملك المال، وتعتمد على المساعدات الغذائية التي تقدمها منظمات الإغاثة، في حين ينام أطفالها فوق أغطية بلاستيكية على أرضية مبتلة، في ظل مخاوف من انتشار الأمراض، بعدما أصيبت إحدى بناتها بالحمى.

وسّعت “أسوشيتد برس” صورة الكارثة في الهند، موضحة أن الفيضانات في ولاية آسام أودت بحياة 50 شخصاً على الأقل، وشردت نحو 700 ألف آخرين بعد فيضان نهر براهمابوترا، أحد أكبر أنهار آسيا، وأشارت إلى أن نحو 300 ألف شخص لجؤوا إلى مراكز الإغاثة الحكومية، في حين غمرت المياه نحو 900 قرية، وانقطعت الكهرباء عن أكثر من 7000 منزل.

أوضح رئيس وزراء ولاية آسام هيمانتا بيسوا سارما أن السلطات نفذت عمليات إغاثة واسعة، شملت إيصال الغذاء والمساعدات، إضافة إلى عمليات إنزال جوي بالمروحيات، في وقت واصلت فيه الشرطة وفرق الاستجابة للكوارث والمتطوعون عمليات الإنقاذ وإيصال الإمدادات إلى المناطق المعزولة.

روى المزارع جاتين غوغوي البالغ من العمر 52 عاماً أن المياه جرفت منزله المبني من الخيزران ودمرت جميع مواشيه، مضيفاً أنه لم يعد يملك مع أفراد أسرته الخمسة مكاناً يلجؤون إليه سوى منزل أحد الأقارب.

ووصف الصحفي سوديب مازومدار المشهد في مدينة غواهاتي بأنه اضطر إلى المبيت في مكتبه بعدما غمرت المياه الطرق ووصل منسوبها في بعض المناطق إلى مستوى الخصر.

اضطراب المناخ

امتدت آثار الأمطار الغزيرة إلى مناطق أخرى من آسيا، في حين كانت حرائق الغابات تشتعل في أوروبا وأمريكا الشمالية، وذكرت الغارديان أن كوريا الجنوبية شهدت تتابعاً بين موجات الحر والأمطار الغزيرة، في حين تسببت الأمطار في اليابان وفيتنام بانهيارات أرضية.

وسجلت الصين منذ بداية موسم الفيضانات في أبريل ارتفاع منسوب أكثر من 600 نهر فوق مستويات الإنذار، بزيادة بلغت 35% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، وفي مدينة تشونغتشينغ جنوب غربي الصين، أدى انهيار أرضي أعقب هطول أمطار غزيرة إلى مقتل 11 شخصاً على الأقل وفقدان 50 آخرين.

وربطت الصحيفة البريطانية هذه الظواهر مباشرة بتغير المناخ، مشيرة إلى أن أحدث تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة حذر من أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد مخاطر الفيضانات في مناطق الرياح الموسمية بجنوب وجنوب شرق وشرق آسيا، إضافة إلى تسارع ذوبان الأنهار الجليدية في منطقة هندوكوش–هيمالايا.

وحذر علماء مشروع “إسناد الطقس العالمي” من أن الأمطار الغزيرة المصاحبة للأعاصير أصبحت أكثر كثافة في جنوب شرق آسيا، مع نمط واضح لازدياد غزارة الهطول خلال العقود الأخيرة، في وقت شهد فيه عام 2025 عواصف مدمرة وارتفاعاً قياسياً في درجات حرارة المحيطات، في حين سجل العام الحالي موجات حر غير مسبوقة.

وأكد رئيس قسم التأثيرات المناخية الاستراتيجية في مركز هادلي التابع لمكتب الأرصاد الجوية، ريتشارد بيتس، أن زيادة غزارة الأمطار تمثل نتيجة متوقعة لارتفاع حرارة الأرض بسبب حرق الوقود الأحفوري وتراكم ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، موضحاً أن الهواء الأكثر دفئاً يحمل كميات كبرى من بخار الماء، وعندما يهطل المطر يصبح أكثر كثافة، كما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى عواصف رعدية أشد قوة.

أشارت “رويترز” إلى أن إسهامات أفغانستان وباكستان في الانبعاثات العالمية تظل محدودة، رغم أنهما من بين أكثر الدول تعرضاً لتداعيات تغير المناخ، حيث يهدد تزايد الفيضانات والجفاف وذوبان الأنهار الجليدية ونقص المياه حياة ملايين الأشخاص، في صورة تلخص المفارقة التي تجعل الفئات الأقل إسهاماً في أزمة المناخ من بين الأكثر تحملاً لكلفتها الإنسانية.