فتحت جمهورية الكونغو الديمقراطية فصلاً جديداً في واحدة من أطول الأزمات الدموية في القارة الإفريقية، بعدما رفعت دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد رواندا، متهمة إياها بالمسؤولية عن انتهاكات جسيمة ارتُكبت في شرق الكونغو منذ عام 1996، بينها أفعال تقول كينشاسا إنها تدخل في إطار الإبادة الجماعية والتمييز العنصري والتعذيب والعنف الجنسي والتهجير القسري.
وتؤكد الكونغو في دعواها أن رواندا لم تكن مجرد طرف خارجي في الأزمة، بل أرسلت قوات إلى أراضيها، ودعمت أو وجهت جماعات مسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية غير مشروعة، أدت إلى استهداف مدنيين على أسس عرقية وسياسية، خصوصاً من عرق الهوتو، إلى جانب مجموعات كونغولية أخرى في الشرق.
وتطالب الكونغو محكمة العدل الدولية بإلزام رواندا بوقف الانتهاكات المزعومة، وتقديم ضمانات بعدم تكرارها، ودفع تعويضات للدولة الكونغولية والضحايا المدنيين.
وتأتي هذه الدعوى في سياق تاريخي شديد التعقيد بدأ بعد الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، حين فرّ مئات الآلاف من الهوتو، بينهم عناصر متورطة في قتل التوتسي والهوتو المعتدلين، إلى شرق الكونغو، لتتحول المنطقة منذ ذلك الوقت إلى ساحة حروب متكررة وتدخلات إقليمية وجماعات مسلحة.
توصيف الإبادة الجماعية
رغم أن توصيف “الإبادة الجماعية” لا يصبح حكماً قانونياً نهائياً إلا بقرار من محكمة مختصة، فإن تقارير أممية وحقوقية منذ سنوات طويلة وثقت أنماطاً من العنف الواسع والمنظم ضد المدنيين في الكونغو، بعضها قد يرقى، إذا ثبت قضائياً، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم إبادة.
ويُعد تقرير الأمم المتحدة المعروف باسم “تقرير رسم الانتهاكات” أو “Mapping Report”، الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عام 2010، من أبرز الوثائق المرجعية في هذا الملف.
فقد وثق التقرير أخطر الانتهاكات التي ارتكبت داخل الكونغو بين مارس 1993 ويونيو 2003، ورصد 617 حادثة خطيرة شملت القتل الجماعي، والاغتصاب، والتعذيب، والاختفاء القسري، وتجنيد الأطفال، والتهجير القسري، والهجمات على المدنيين.
وأوضح التقرير أن معظم هذه الوقائع، إذا خضعت لتحقيق قضائي وأُثبتت، يمكن أن تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بسبب اتساع نطاقها واستهدافها المباشر للسكان المدنيين، خاصة النساء والأطفال واللاجئين والنازحين.
الهجمات على اللاجئين والمدنيين
تبرز خطورة الملف في الجزء المتعلق بالهجمات على اللاجئين والمدنيين الهوتو بين عامي 1996 و1997، فقد أشار التقرير إلى أن الهجمات الواسعة والمنظمة ضد أعداد كبيرة من اللاجئين الهوتو والمدنيين الهوتو قد تتضمن عناصر يمكن، إذا ثبتت أمام محكمة مختصة، أن تُصنف جرائم إبادة جماعية.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الحسم القانوني في هذه المسألة يتطلب تحقيقاً قضائياً كاملاً وإثباتاً يتجاوز الشك المعقول.
ولم تقتصر الانتهاكات التاريخية على الهوتو وحدهم؛ إذ وثق التقرير أيضاً هجمات ضد مدنيين من التوتسي والبانيا مولينغي، وضد مجموعات عرقية كونغولية أخرى، إلى جانب موجات واسعة من العنف الجنسي والانتهاكات ضد الأطفال، ما يجعل مأساة الكونغو واحدة من أكثر ملفات العدالة الانتقالية تعقيداً في إفريقيا.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن غياب العدالة عن جرائم التسعينيات وبداية الألفية أسهم في استمرار دائرة العنف، فالإفلات من العقاب خلق بيئة تسمح بإعادة إنتاج الانتهاكات نفسها عبر جماعات مسلحة جديدة، وفي مناطق النزاع نفسها، وبأنماط استهداف مشابهة للمدنيين.
ملف مسؤولية دولية
في السنوات الأخيرة، عاد اسم حركة 23 مارس “M23” إلى الواجهة باعتبارها أبرز الجماعات المسلحة في شرق الكونغو.
وتتهم الكونغو رواندا بدعم الحركة عسكرياً وسياسياً، في حين تنفي رواندا هذه الاتهامات بشكل متكرر، غير أن تقارير خبراء أمميين وحكومات غربية خلصت إلى وجود دعم رواندي للحركة، وهو ما جعل الأزمة تتحول من نزاع داخلي إلى ملف مسؤولية دولية.
وخلال عام 2025، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مقتل أكثر من 140 مدنياً، معظمهم من الهوتو، في قرى ومناطق زراعية قرب متنزه فيرونغا في إقليم شمال كيفو، ووصفت عمليات القتل بأنها إعدامات ميدانية ارتكبتها حركة M23 المدعومة من رواندا.
وأشارت تقارير حقوقية إلى أن عدد الضحايا في بعض المناطق قد يكون أعلى من المعلن، بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال وخوف الشهود من الانتقام.
تحذيرات أممية من الانتهاكات
تزامنت هذه الوقائع مع تحذيرات أممية من أن الانتهاكات المرتكبة منذ أواخر عام 2024 في شمال وجنوب كيفو قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، سواء من جانب حركة M23 المدعومة من قوات الدفاع الرواندية، أو من جانب القوات الكونغولية والجماعات المتحالفة معها.
وتكشف الأزمة الإنسانية حجم الكارثة التي أنتجها هذا العنف الممتد، فبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تواجه الكونغو الديمقراطية أزمة نزوح حادة، إذ يوجد نحو 6.9 مليون نازح داخلياً، أكثر من 5 ملايين منهم في شرق البلاد، خصوصاً في شمال كيفو وجنوب كيفو وإيتوري، كما يعيش أكثر من 990 ألف لاجئ وطالب لجوء كونغولي في دول إفريقية مجاورة.
وتؤكد بيانات إنسانية أن 14.9 مليون شخص في الكونغو يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، في حين يواجه 26.6 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
وتعكس هذه الأرقام أن الانتهاكات ليست مجرد ملف قانوني، بل أزمة إنسانية مفتوحة تهدد حياة ملايين المدنيين.
النساء والفتيات الأكثر تضرراً
تعد النساء والفتيات من أكثر الفئات تضرراً في هذا النزاع، فقد أعلنت اليونيسف أن أكثر من 35 ألف حالة اغتصاب واعتداء جنسي ضد الأطفال سُجلت في الكونغو خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 وحدها.
وأشارت إلى أن العنف الجنسي ضد الأطفال أصبح متجذراً ومنتشراً على نطاق واسع، وأن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بسبب الخوف والوصم وصعوبة الوصول إلى الخدمات.
وتظهر هذه المعطيات أن ملف “الإبادة الجماعية في الكونغو” لا يمكن اختزاله في دعوى قانونية واحدة أو طرف واحد، بل هو ملف تاريخي ممتد يتداخل فيه الصراع العرقي، والتدخلات الإقليمية، ونهب الموارد، وضعف الدولة، والإفلات من العقاب.
ومع ذلك، فإن الدعوى الجديدة أمام محكمة العدل الدولية قد تمثل اختباراً مهماً لقدرة القانون الدولي على التعامل مع جرائم لم تُحاسب منذ عقود.
وتبقى الحقيقة الأساسية أن الضحايا في شرق الكونغو لا يبحثون فقط عن توصيف قانوني لما حدث، بل عن اعتراف، ومحاسبة، وتعويض، وضمانات تمنع تكرار المذابح والتهجير والعنف الجنسي، فبدون عدالة حقيقية، ستظل الكونغو عالقة في دائرة دماء بدأت قبل أكثر من ثلاثين عاماً ولم تُغلق بعد.

