قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أزمة الروهينغا دخلت عامها التاسع دون أي مؤشرات حقيقية على حل مستدام، في حين يواصل آلاف اللاجئين المجازفة بحياتهم في رحلات بحرية شديدة الخطورة عبر خليج البنغال وبحر أندامان، هرباً من أوضاع معيشية تزداد صعوبة داخل المخيمات في بنغلاديش، أو فراراً من العنف المستمر في ولاية راخين بميانمار.
وأكدت المفوضية أن استمرار النزاع وانخفاض التمويل الإنساني وغياب أفق العودة الآمنة جعلت شبكات تهريب البشر المستفيد الأكبر من معاناة واحدة من أكثر الأقليات اضطهاداً في العالم.
وتجسد قصة اللاجئة الروهينغية راحلة بيغوم، التي بقيت يومين وليلة تتشبث بلوح خشبي وسط البحر قبل إنقاذها، جانبًا من مأساة تتكرر بصورة شبه يومية. فقد كانت ضمن قارب يقل نحو 280 مهاجراً انطلق من منطقة كوكس بازار في بنغلاديش باتجاه ماليزيا قبل أن يغرق بعد أيام من الإبحار، ولم ينجُ سوى تسعة أشخاص، وفق خفر السواحل في بنغلاديش، في حين فُقد أو مات بقية الركاب، في واحدة من أكثر الحوادث دموية خلال العام الجاري.
أكبر أزمة لجوء في آسيا
وأوضحت حكومة بنغلاديش والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن البلاد تستضيف اليوم نحو 1.2 مليون لاجئ من الروهينغا يعيش معظمهم في مخيمات كوكس بازار التي تعد أكبر تجمع للاجئين في العالم، إضافة إلى آلاف اللاجئين في جزيرة بهاسان تشار، ويعيش هؤلاء في ظروف إنسانية معقدة تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الدولية، في ظل غياب أي حل سياسي يسمح بعودتهم الآمنة والطوعية إلى ميانمار.
وأضافت الأمم المتحدة أن الأزمة تفاقمت مجدداً منذ اندلاع الحرب الأهلية في ميانمار عقب الانقلاب العسكري عام 2021، ثم مع تصاعد المعارك في ولاية راخين خلال عامي 2024 و2025، الأمر الذي دفع أكثر من 150 ألف شخص إلى الفرار من ميانمار إلى بنغلاديش منذ يناير 2025، رغم إعلان دكا مراراً أنها لم تعد قادرة على استيعاب موجات نزوح جديدة.
مأساة بدأت قبل سنوات
وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن جذور الأزمة تعود إلى عقود من التمييز الممنهج ضد الروهينغا في ميانمار، إلا أن نقطة التحول الكبرى جاءت في أغسطس 2017 عندما أطلقت القوات المسلحة في ميانمار عمليات عسكرية واسعة في ولاية راخين، دفعت أكثر من 740 ألف شخص إلى الفرار خلال أشهر قليلة نحو بنغلاديش، لينضموا إلى مئات الآلاف الذين كانوا قد نزحوا في موجات سابقة.
وأكدت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن ميانمار أن العمليات العسكرية التي شهدها عام 2017 اتسمت بانتهاكات واسعة شملت القتل الجماعي والعنف الجنسي والحرق المنهجي للقرى، في حين وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تلك الانتهاكات بأنها ترقى إلى جرائم بموجب القانون الدولي، ولا تزال القضية منظورة أمام محكمة العدل الدولية في الدعوى التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
المخيمات تتحول إلى بيئة طاردة
وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن معظم اللاجئين الروهينغا لا يغادرون المخيمات بدافع الرغبة في الهجرة الاقتصادية، وإنما نتيجة تدهور الظروف المعيشية بصورة متواصلة، وأشارت إلى أن الاكتظاظ الشديد، وقيود الحركة، ومنع العمل الرسمي، وضعف فرص التعليم، إضافة إلى انخفاض المساعدات الإنسانية، دفعت أعداداً متزايدة من الأسر إلى التفكير في الهجرة البحرية رغم إدراكها حجم المخاطر.
وأضافت ممثلة المفوضية في بنغلاديش أستريد كاستيلين أن عدد المغادرين من المخيمات عبر البحر ارتفع بصورة لافتة، إذ غادر نحو 1180 شخصاً خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، في حين ارتفع العدد إلى نحو 2300 شخص خلال الفترة نفسها من عام 2026، في مؤشر واضح على تزايد اليأس بين اللاجئين مع استمرار الأزمة الإنسانية.
خفض المساعدات يفاقم الأزمة
وأكد برنامج الأغذية العالمي أن أزمة التمويل العالمية انعكست بصورة مباشرة على أوضاع الروهينغا، بعدما اضطرت الوكالة إلى خفض قيمة المساعدات الغذائية المخصصة للاجئين خلال الفترات الماضية نتيجة نقص التمويل، محذرة من أن استمرار العجز المالي سيؤدي إلى مزيد من انعدام الأمن الغذائي، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.
وأوضحت الأمم المتحدة أن خطة الاستجابة الإنسانية الخاصة بالروهينغا لعام 2026 تحتاج إلى 710.5 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الأساسية لنحو 1.48 مليون شخص بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة في بنغلاديش، إلا أن التمويل لا يزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، الأمر الذي ينعكس على خدمات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والحماية.
عندما يصبح البحر الخيار الأخير
وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن خليج البنغال وبحر أندامان أصبحا أحد أخطر طرق الهجرة البحرية في العالم بالنسبة للاجئي الروهينغا، إذ يلجأ آلاف الأشخاص سنوياً إلى قوارب خشبية متهالكة يديرها مهربون مقابل مبالغ مالية كبيرة، على أمل الوصول إلى ماليزيا أو إندونيسيا أو تايلاند، رغم إدراكهم أن الرحلة قد تنتهي بالغرق أو الاتجار بالبشر أو الاحتجاز.
وأضافت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 6500 شخص حاولوا عبور البحر خلال عام 2025، في حين لقي نحو 900 شخص حتفهم أو فُقدوا خلال الرحلات البحرية، ليصبح العام الماضي الأكثر دموية منذ بدء توثيق هذه التحركات، وسط تحذيرات من استمرار ارتفاع عدد الضحايا خلال عام 2026 مع تزايد أعداد الفارين.
المهربون الرابح الأكبر
وأكدت السلطات القضائية في بنغلاديش أن شبكات تهريب البشر استغلت انسداد الأفق أمام اللاجئين، لتنشئ شبكات تمتد من مخيمات كوكس بازار إلى ميانمار وتايلاند وماليزيا، مستفيدة من الأرباح الضخمة التي تحققها من كل رحلة بحرية.
وأوضح المدعي العام في كوكس بازار توحيد الأنور أن النيابة تتعامل مع نحو 500 قضية مرتبطة بتهريب البشر، لكنه أشار إلى أن ضعف الإمكانات وصعوبة جمع الأدلة، إضافة إلى النفوذ الذي تتمتع به بعض الشبكات، يجعل ملاحقة المهربين أكثر تعقيداً، رغم أن القانون البنغلاديشي يفرض عقوبات قد تصل إلى السجن المؤبد في بعض القضايا.
وأضافت وكالات إنفاذ القانون في بنغلاديش أن بعض المهربين ينشطون داخل المخيمات نفسها، في حين ترتبط مجموعات أخرى بشبكات إجرامية عابرة للحدود تعمل في ميانمار وتايلاند وماليزيا، وهو ما يحول تجارة تهريب الروهينغا إلى نشاط منظم يدر أرباحاً بملايين الدولارات سنوياً، مستفيداً من غياب الحلول السياسية والإنسانية للأزمة.
النساء والأطفال في قلب المأساة
أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الأطفال يشكلون ما يقرب من نصف مجتمع اللاجئين الروهينغا في بنغلاديش، ويواجهون مخاطر متداخلة تشمل سوء التغذية، والانقطاع عن التعليم، والاستغلال، والعنف، والاتجار بالبشر، في ظل استمرار النزوح وتراجع التمويل الإنساني.
وأوضحت المنظمة أن استمرار الأزمة للعام التاسع حرم جيلاً كاملاً من الروهينغا من التعليم النظامي وفرص النمو الطبيعي، في حين تزايدت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل المخيمات بصورة دفعت مزيداً من الأسر إلى التفكير في إرسال أبنائها في رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر بحثاً عن مستقبل أفضل.
وأضافت اليونيسف أن الاكتظاظ داخل مخيمات كوكس بازار، إلى جانب محدودية فرص التعليم الرسمي، يضاعف من احتمالات عمالة الأطفال والزواج المبكر والاستغلال، مؤكدة أن الأطفال يظلون الفئة الأكثر تأثراً بأي تراجع في الخدمات الإنسانية، سواء في مجالات التعليم أو الصحة أو الحماية.
خفض المساعدات يغذي الهجرة
أكد برنامج الأغذية العالمي أن نقص التمويل الدولي أجبر الوكالة خلال العامين الماضيين على تقليص قيمة المساعدات الغذائية المخصصة للاجئين الروهينغا، محذراً من أن استمرار فجوة التمويل سيؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.
وأضاف برنامج الأغذية العالمي أن تقليص المساعدات لا يقتصر أثره على الغذاء، بل يمتد إلى زيادة الاعتماد على آليات التكيف السلبية، مثل الاستدانة، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر، واللجوء إلى المهربين، وهو ما يربط بصورة مباشرة بين الأزمة الإنسانية واتساع نشاط شبكات تهريب البشر.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن خطة الاستجابة الإنسانية للروهينغا تواجه عجزاً مالياً كبيراً، رغم أن الاحتياجات الإنسانية تتزايد مع استمرار وصول لاجئين جدد من ميانمار، وارتفاع أسعار الغذاء، وتدهور الأوضاع الأمنية داخل المخيمات.
المهربون يستغلون اليأس
قالت المنظمة الدولية للهجرة إن شبكات تهريب البشر تستغل بصورة متزايدة تدهور الظروف المعيشية داخل المخيمات، وتستهدف بصورة خاصة الشباب والنساء والأسر التي فقدت مصادر دخلها، عبر وعود بإيصالهم إلى ماليزيا أو إندونيسيا مقابل مبالغ مالية مرتفعة.
وأضافت المنظمة الدولية للهجرة أن المهربين يعتمدون على شبكات تمتد من مخيمات كوكس بازار إلى ميانمار وتايلاند وماليزيا، في حين تتداخل في كثير من الحالات جرائم تهريب المهاجرين مع جرائم الاتجار بالبشر، إذ يتعرض بعض اللاجئين بعد وصولهم إلى العمل القسري أو الابتزاز أو الاحتجاز غير القانوني أو الاستغلال الجنسي.
وأكدت منظمة فورتيفاي رايتس أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر إضافية خلال رحلات التهريب، تشمل العنف الجنسي، والزواج القسري، والابتزاز، والاستغلال على أيدي الشبكات الإجرامية، مشيرة إلى أن كثيراً من الضحايا يمتنعون عن الإبلاغ خوفاً من الانتقام أو فقدان فرصة الوصول إلى وجهتهم.
تصاعد الجريمة داخل المخيمات
أكدت الحكومة البنغلاديشية أن التحديات الأمنية داخل مخيمات كوكس بازار ازدادت تعقيداً خلال السنوات الأخيرة نتيجة تنامي نشاط العصابات المسلحة وشبكات تهريب البشر والاتجار بالمخدرات والأسلحة، وهو ما دفع السلطات إلى تعزيز الانتشار الأمني وتنفيذ حملات لملاحقة العناصر الإجرامية.
وأضاف رئيس لجنة إغاثة وإعادة اللاجئين في بنغلاديش محمد ميزان الرحمن أن الحكومة تواصل العمل مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية للحفاظ على الأمن داخل المخيمات، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة استمرار تدفق اللاجئين، وارتفاع الكثافة السكانية، وتراجع الدعم الدولي.
هيومن رايتس ووتش: الأزمة لا تقتصر على النزوح
أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن استمرار القيود المفروضة على حرية التنقل والعمل والتعليم داخل المخيمات، بالتزامن مع انخفاض المساعدات الإنسانية، يدفع مزيداً من اللاجئين إلى الاعتماد على المهربين، مطالبة المجتمع الدولي بزيادة التمويل الإنساني وتوسيع برامج إعادة التوطين وتوفير الحماية للاجئين الأكثر عرضة للخطر.
وأضافت هيومن رايتس ووتش أن المجتمع الدولي لم ينجح حتى الآن في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وفي مقدمتها غياب المساءلة عن الانتهاكات التي تعرض لها الروهينغا داخل ميانمار، واستمرار التمييز ضدهم وحرمانهم من الجنسية والحقوق الأساسية.
العودة الآمنة ما زالت مستحيلة
أكدت منظمة العفو الدولية أن الظروف داخل ولاية راخين لا تزال تحول دون أي عودة آمنة وكريمة وطوعية للاجئين، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة النزاع المسلح بين الجيش في ميانمار والجماعات المسلحة.
وأضافت منظمة العفو الدولية أن السلطات العسكرية في ميانمار لم تتخذ خطوات فعلية لضمان حماية الروهينغا أو إعادة حقوقهم الأساسية، الأمر الذي يجعل العودة في الظروف الحالية مخالفة للمعايير الدولية الخاصة بحماية اللاجئين.
الحرب في ميانمار تغلق باب العودة
أكدت منظمة بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) أن الحرب الأهلية في ميانمار تصاعدت بصورة غير مسبوقة منذ الانقلاب العسكري في فبراير 2021، وأسفرت عن مقتل أكثر من 100 ألف شخص من مختلف الأطراف حتى عام 2026، في حين توسعت رقعة الاشتباكات لتشمل معظم ولايات البلاد، ومنها ولاية راخين.
وأضافت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن تصاعد العمليات العسكرية في ولاية راخين خلال عامي 2025 و2026 أدى إلى موجات نزوح جديدة داخل ميانمار وإلى بنغلاديش، وهو ما جعل أي خطط لإعادة اللاجئين بصورة جماعية غير قابلة للتنفيذ في الوقت الراهن.
القانون الدولي يفرض التزامات واضحة
أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن مبدأ عدم الإعادة القسرية يمثل حجر الأساس في حماية اللاجئين، ويمنع إعادة أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وأضافت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يكفل الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، في حين تلزم اتفاقية حقوق الطفل الدول بتوفير الحماية والرعاية للأطفال اللاجئين دون تمييز.
وأكدت محكمة العدل الدولية استمرار التدابير المؤقتة الصادرة في الدعوى التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والتي تلزم سلطات ميانمار باتخاذ إجراءات لمنع أي أعمال قد تندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية والحفاظ على الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المرتكبة بحق الروهينغا.
أزمة تتجاوز حدود بنغلاديش
أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن استمرار الأزمة دون حل سياسي في ميانمار يحول قضية الروهينغا من أزمة لجوء إلى أزمة إقليمية عابرة للحدود، تمتد آثارها إلى دول جنوب شرق آسيا، مع تصاعد أنشطة التهريب والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.
وأضافت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على تعزيز الرقابة البحرية أو ملاحقة المهربين، بل تتطلب معالجة الأسباب التي تدفع آلاف الروهينغا إلى ركوب البحر، وفي مقدمتها انعدام الأمن في ميانمار، واستمرار القيود داخل المخيمات، وتراجع التمويل الإنساني، وغياب الحلول السياسية الدائمة، وهي عوامل جعلت من معاناة اللاجئين مورداً دائماً لشبكات الجريمة المنظمة، في حين يظل الروهينغا الخاسر الأكبر في واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.
بنغلاديش بين الاستضافة والإنهاك
أكدت حكومة بنغلاديش أن استمرار استضافة أكثر من مليون لاجئ روهينغي منذ عام 2017 وضع ضغوطاً اقتصادية واجتماعية وأمنية متزايدة على المناطق الحدودية، خاصة منطقة كوكس بازار التي تحولت إلى مركز لأكبر تجمع للاجئين في العالم. وقالت السلطات البنغلاديشية إن البلاد فتحت حدودها أمام الفارين من العنف لأسباب إنسانية، لكنها لم تعد قادرة على تحمل أعباء الأزمة بمفردها في ظل استمرار غياب حل سياسي داخل ميانمار.
وأضافت وزارة إدارة الكوارث والإغاثة في بنغلاديش أن الحكومة تواصل التنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتوفير الغذاء والرعاية الصحية والتعليم الأساسي، لكنها شددت على أن الحل الدائم يتمثل في ضمان عودة الروهينغا إلى ميانمار بصورة آمنة وطوعية وكريمة، مع توفير ضمانات دولية لحماية حقوقهم.
وأكدت الحكومة البنغلاديشية أن استمرار الأزمة يفرض تحديات على المجتمعات المحلية المضيفة، نتيجة الضغط على الموارد والخدمات وفرص العمل، مطالبة المجتمع الدولي بزيادة الدعم المالي وعدم ترك بنغلاديش تتحمل وحدها مسؤولية أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
دول جنوب شرق آسيا تواجه قوارب الموت
أوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن دول جنوب شرق آسيا أصبحت الوجهة الرئيسية لمحاولات فرار الروهينغا عبر البحر، خصوصاً ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند، حيث يبحث اللاجئون عن فرص للعمل أو الاستقرار بعيداً عن أوضاع المخيمات.
وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن الرحلات البحرية غير النظامية عبر بحر أندامان وخليج البنغال شهدت ارتفاعاً في المخاطر خلال السنوات الأخيرة؛ بسبب استخدام قوارب غير صالحة للإبحار، وتحميلها بأعداد تفوق قدرتها الاستيعابية، إضافة إلى تعرض الركاب للابتزاز والعنف على أيدي المهربين.
وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن عام 2025 سجل أعلى عدد من الضحايا في طرق الهجرة البحرية للروهينغا منذ بدء توثيق هذه الرحلات، بعدما حاول أكثر من 6500 شخص عبور البحر، في حين تُوفي أو فُقد نحو 900 شخص، وهو رقم يعكس خطورة الاعتماد على شبكات التهريب في ظل غياب مسارات آمنة وقانونية للحماية.
ماليزيا بين الحاجة الإنسانية والهواجس الأمنية
أكدت الحكومة الماليزية أنها استقبلت أعداداً كبيرة من الروهينغا خلال السنوات الماضية، لكنها لا تمنحهم وضع اللاجئ الرسمي بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين؛ لأنها ليست طرفاً فيها، وهو ما يجعل أوضاعهم القانونية والاقتصادية أكثر هشاشة.
وأضافت الحكومة الماليزية أنها تكثف عمليات مراقبة الحدود البحرية لمكافحة تهريب البشر والهجرة غير النظامية، لكنها تواجه انتقادات من منظمات حقوقية بسبب إعادة بعض القوارب أو احتجاز اللاجئين في مراكز مغلقة.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن دول المنطقة تحتاج إلى تحقيق توازن بين إدارة الحدود والالتزامات الإنسانية، مؤكدة أن إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يواجهون فيها خطر الاضطهاد أو العنف تخالف مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي.
إندونيسيا وسياسة الاستجابة المؤقتة
أوضحت الحكومة الإندونيسية أنها سمحت في عدة مناسبات بإنزال قوارب تحمل لاجئين من الروهينغا لأسباب إنسانية، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن استقبال أعداد كبيرة بصورة دائمة يمثل تحدياً للدولة، خاصة في المناطق الساحلية الفقيرة.
وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن استجابة إندونيسيا الإنسانية أسهمت في إنقاذ حياة آلاف الأشخاص، لكنها دعت دول المنطقة إلى تقاسم المسؤولية وعدم ترك الدول الساحلية وحدها في مواجهة تدفقات اللجوء.
آسيان وانتقادات ضعف الاستجابة
قالت منظمة العفو الدولية إن استجابة رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” لأزمة الروهينغا بقيت محدودة مقارنة بحجم المأساة، بسبب اعتماد مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وهو ما حد من قدرة المنظمة الإقليمية على الضغط على ميانمار.
وأضافت منظمة العفو الدولية أن استمرار الانتهاكات ضد الروهينغا داخل ميانمار يتطلب موقفاً إقليمياً أكثر حزماً، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية وغياب ضمانات العودة الآمنة.
العدالة الدولية ومحاسبة المسؤولين
أكدت محكمة العدل الدولية استمرار نظر الدعوى التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار عام 2019، والتي تتهم السلطات في ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية بسبب معاملتها للروهينغا.
وأوضحت محكمة العدل الدولية أن التدابير المؤقتة التي أصدرتها عام 2020 تلزم ميانمار باتخاذ إجراءات لمنع أعمال الإبادة والحفاظ على الأدلة المتعلقة بالانتهاكات، في حين تستمر الإجراءات القانونية في القضية.
وأضافت المحكمة الجنائية الدولية أنها تحقق في الجرائم التي ارتُكبت ضد الروهينغا، خصوصاً الجرائم التي وقعت أثناء عمليات النزوح القسري إلى بنغلاديش، باعتبار أن بنغلاديش دولة طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة.
لماذا يربح المهربون؟
أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن استمرار غياب الحلول القانونية والآمنة للهجرة يمنح شبكات التهريب مساحة كبرى للعمل، إذ تستفيد هذه الشبكات من اليأس والخوف وانعدام الخيارات أمام اللاجئين.
وأضافت منظمة فورتيفاي رايتس أن بعض المهربين يحصلون على آلاف الدولارات من كل شخص مقابل الرحلات البحرية، في حين يواجه الضحايا خطر الموت أو الاحتجاز أو الاستغلال بعد الوصول، ما يجعل تهريب الروهينغا نموذجاً واضحاً لاستغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق أرباح غير مشروعة.
وأوضحت السلطات القضائية في بنغلاديش أن ملاحقة المهربين تواجه عقبات كبيرة، منها صعوبة جمع الأدلة، وتداخل الشبكات عبر الحدود، ووجود عناصر تعمل داخل المخيمات وخارجها، رغم وجود قوانين تجرم تهريب البشر.
مستقبل معلق بين الحرب والعودة
أكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن العودة الآمنة للروهينغا إلى ميانمار تتطلب توافر شروط أساسية، تشمل وقف العنف، وضمان حقوق المواطنة، وحماية المدنيين، والسماح بعودة طوعية وكريمة تحت رقابة دولية.
وأضافت منظمة هيومن رايتس ووتش أن أي عودة لا تضمن الاعتراف بحقوق الروهينغا ومعالجة جذور التمييز ستؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، مشددة على أن الحل لا يكمن في إعادة اللاجئين إلى مناطق غير آمنة، بل في معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى الفرار.
وأكدت الأمم المتحدة أن مأساة الروهينغا تمثل اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، موضحة أن استمرار الأزمة منذ عام 2017 يثبت أن الاستجابة الإنسانية وحدها لا تكفي، وأن الحل السياسي والحقوقي داخل ميانمار يبقى العامل الحاسم لإنهاء واحدة من أطول أزمات النزوح في العالم.

