منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المراقبة الرقمية أمام مجلس حقوق الإنسان.. تحذيرات أممية من تهديد متصاعد للحريات

23 يونيو 2026
مخاوف حقوقية من تنامي المراقبة الرقمية
مخاوف حقوقية من تنامي المراقبة الرقمية

تتزايد المخاوف الدولية من التحول المتسارع نحو استخدام تقنيات المراقبة الرقمية والذكاء الاصطناعي في مراقبة الأفراد والنشطاء ومنظمات المجتمع المدني، وسط تحذيرات من أن هذه الأدوات لم تعد تقتصر على أغراض أمنية مشروعة، بل باتت في كثير من الحالات وسيلة لتقييد الحريات العامة وتقليص الفضاء المدني وإضعاف الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.

وفي هذا السياق، ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال أعمال دورته الثانية والستين المنعقدة في جنيف، تقرير المقررة الخاصة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، جينا روميرو، التي خصصت تقريرها للآثار المتنامية لما وصفته بـ«البيئة الرقمية للمراقبة» على الحقوق والحريات الأساسية، محذرة من أن التطور التكنولوجي السريع يسبق في كثير من الأحيان الضمانات القانونية والرقابية اللازمة لحماية حقوق الإنسان.

وأكدت المقررة الخاصة أن تقريرها يتجاوز النظرة التقليدية التي تربط المراقبة الرقمية فقط بالحق في الخصوصية، موضحة أن التدخلات الرقمية الحديثة أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات في مختلف مناطق العالم.

وأشارت إلى أن هناك نقصاً واضحاً في إدراك حجم التأثيرات المترتبة على هذه الممارسات، الأمر الذي يؤدي إلى التقليل من خطورتها أو تجاهل آثارها المركبة على المجتمع المدني.

ولفتت إلى أن منظومة المراقبة الحديثة ينبغي النظر إليها كنظام متكامل ومترابط وليس كمجموعة أدوات منفصلة.

وأضافت أن الانتشار العالمي السريع للتقنيات المعتمدة على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وأدوات التحليل الرقمي عزز قدرة الدول على تنفيذ عمليات مراقبة واسعة النطاق وبسرعة غير مسبوقة، ما خلق تحديات جديدة أمام حماية الحقوق الأساسية.

الأمن القومي والمراقبة

حذّرت روميرو من أن بعض الدول تستخدم اعتبارات الأمن القومي أو قوانين مكافحة الإرهاب والجريمة السيبرانية لتبرير توسيع نطاق المراقبة الرقمية بصورة تتجاوز الحدود المقبولة دولياً.

وقالت إن الاستثناءات الواسعة المتعلقة بالأمن الوطني والتعاون غير الشفاف بين الحكومات وبعض الجهات الخاصة يؤديان إلى تقويض حقوق الإنسان بشكل خطير، مشيرة إلى أن إجراءات كانت تعتبر استثنائية أصبحت اليوم جزءاً من السياسات اليومية في العديد من الدول.

وأوضحت أن بعض أدوات المراقبة الحديثة تمتلك قدرات متطورة كانت تقتصر في السابق على الاستخدامات العسكرية والاستخباراتية، لكنها باتت تُستخدم في سياقات مدنية دون رقابة كافية أو مساءلة فعالة.

منظومة من جمع البيانات

وبحسب التقرير، فإن الخطر لا يكمن في أداة بعينها، بل في الطبيعة المترابطة لمنظومة المراقبة الحديثة التي تعتمد على جمع ومعالجة وتخزين كميات هائلة من البيانات الشخصية.

وأشارت المقررة الخاصة إلى أن هذه البيانات قد تبقى متاحة لسنوات طويلة، ما يفتح المجال أمام إساءة استخدامها مستقبلاً، سواء من قبل الحكومات أو الجهات الأخرى التي تتمكن من الوصول إليها.

وأكدت أن التعاون المتنامي بين الحكومات والشركات التقنية أسهم في بناء منظومة مراقبة معقدة ومتداخلة، يصعب على الأفراد إدراك حدودها أو معرفة كيفية استخدام بياناتهم الشخصية داخلها.

أثر يهدد المجتمع المدني

وركز التقرير بشكل خاص على ما وصفته المقررة الخاصة بـ«الأثر الرادع» للمراقبة الرقمية، وهو التأثير النفسي والاجتماعي الذي يدفع الأفراد إلى تغيير سلوكهم خوفاً من التعرض للمراقبة.

وأوضحت أن مجرد شعور الأشخاص بأنهم قد يكونون خاضعين للمراقبة يجعلهم أكثر تردداً في المشاركة في الأنشطة المدنية أو الانضمام إلى الحركات الاجتماعية أو حضور الاحتجاجات السلمية.

وأضافت أن هذا الخوف يؤدي إلى تقليص التفاعل المجتمعي وإضعاف العمل الجماعي وتراجع قدرة المواطنين على التنظيم والتعبئة والمطالبة بحقوقهم.

وقالت إن هذا التأثير لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يمتد إلى الأسر والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، ما يؤدي في النهاية إلى تضييق الفضاء المدني وتقويض المشاركة الديمقراطية.

آثار خطيرة لـ”المراقبة الرقمية”

وأشار التقرير إلى أن المراقبة الرقمية لا تؤدي فقط إلى تقييد الحقوق السياسية والمدنية، بل تترك أيضاً آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الضحايا.

فالأشخاص الذين يشعرون بأنهم مراقبون باستمرار قد يعانون من القلق المزمن وفرط اليقظة والاكتئاب والصدمات النفسية، كما قد يضطر بعض النشطاء إلى الحد من تواصلهم الاجتماعي أو قطع علاقاتهم الشخصية خوفاً من تعريض أحبائهم للخطر.

وأكدت المقررة الخاصة أن هذه الأضرار تتفاقم بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون والنشطاء السياسيون وأفراد الأقليات.

دعوة إلى تقييمات حقوقية

وشدد التقرير على ضرورة إخضاع جميع تقنيات المراقبة الرقمية لتقييمات مسبقة للأثر على حقوق الإنسان قبل تطويرها أو اعتمادها أو إعادة توظيفها.

وأكدت روميرو، أن هذه التقييمات يجب أن تأخذ في الاعتبار التأثير التراكمي لمنظومة المراقبة ككل، وليس فقط آثار كل تقنية بشكل منفصل.

وأضافت أن اعتماد نهج وقائي قائم على تقييم المخاطر يمكن أن يسهم في منع الانتهاكات قبل وقوعها بدلاً من الاكتفاء بمعالجتها بعد حدوث الضرر.

تشيلي تدافع عن سجلها الحقوقي

وخلال الحوار التفاعلي، قدّمت تشيلي مداخلة بصفتها الدولة المعنية بإحدى زيارات المقررة الخاصة، مؤكدة التزامها التاريخي بحماية حرية التجمع السلمي وتعزيز الفضاء المدني.

وأشارت إلى أن زيارة المقررة الخاصة في يوليو 2025 شهدت حواراً مفتوحاً مع السلطات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، وأسهمت في مراجعة التقدم المحرز والتحديات القائمة.

وأكد الوفد التشيلي أن الحكومة اتخذت خطوات مهمة خلال السنوات الأخيرة لتحديث بروتوكولات عمل الشرطة وتعزيز التدريب على حقوق الإنسان وتحسين آليات الرقابة الداخلية.

وشددت تشيلي على أن مؤسسات الأمن العام تعمل في إطار دستوري وقانوني وديمقراطي، وأن حماية الأمن وحقوق الإنسان هدفان متكاملان لا يتعارضان.

وفي ما يتعلق باحتجاجات عامي 2019 و2020، أكدت الحكومة استمرار التحقيقات والإجراءات الرامية إلى تحقيق العدالة للضحايا وتعزيز المؤسسات المختصة وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

دعم عمل المقررة الخاصة

أعربت جمهورية التشيك، باسم مجموعة من الدول الراعية لمشروع القرار الخاص بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، عن دعمها الكامل لولاية المقررة الخاصة.

وأكدت المجموعة أن حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات تمثل ركناً أساسياً لأي مجتمع ديمقراطي، محذرة من أن تقييد هذه الحريات يؤدي إلى إضعاف المجتمع المدني وتقويض المشاركة العامة.

ورحّبت المجموعة بالتركيز الذي أولاه التقرير لمسألة المراقبة الرقمية وآثارها السلبية على النشاط المدني.

ومن جانبها، حذّرت كندا، متحدثة باسم مجموعة من الدول، من الاستخدام المتزايد لبرامج التجسس والتقنيات البيومترية ومراقبة الإنترنت في استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والعاملين في المجتمع المدني.

وأكدت أن المراقبة الرقمية التعسفية تقوّض الثقة والخصوصية وحرية الاتصال، داعية إلى ضمان توافق جميع إجراءات المراقبة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وطالبت كندا بوضع آليات فعالة لتقييم الآثار التراكمية للمراقبة الرقمية حتى في الحالات التي تكون فيها الأضرار غير مباشرة أو غير مرئية.

دعوة إلى ضوابط صارمة

بدوره، شدد الاتحاد الأوروبي على أن المراقبة غير القانونية أو غير المتناسبة تخلق بيئة من الخوف وتؤثر بشكل مباشر على حرية التعبير والمشاركة السياسية.

وأكد ضرورة الالتزام بمبدأي الضرورة والتناسب عند استخدام أدوات المراقبة، داعياً إلى فرض قيود صارمة على بعض التقنيات عالية الخطورة، بما في ذلك أنظمة التعرف على الوجه واسعة النطاق والتصنيف البيومتري للسمات الحساسة.

وأشار الاتحاد إلى الجهود الأوروبية الرامية إلى تنظيم المنصات الرقمية وتعزيز حرية الإعلام وحماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من الاستهداف ببرامج التجسس.

وأثارت ليتوانيا، باسم مجموعة من الدول الإسكندنافية ودول البلطيق، مخاوف بشأن استخدام تقنيات التعرف على الوجه وإغلاق الإنترنت أثناء الاحتجاجات السلمية.

وحذرت من تنامي ظاهرة المراقبة العابرة للحدود واستخدام بعض التشريعات الخاصة بـ«الوكلاء الأجانب» لتقييد عمل منظمات المجتمع المدني وخلق مناخ من الخوف بين النشطاء.

وأكدت هولندا، باسم دول البنلوكس، أن استخدام المراقبة الرقمية لقمع النشاط المدني يمثل تهديداً مباشراً للديمقراطية وسيادة القانون.

ودعت إلى وضع أطر تنظيمية قوية وشفافة تضمن خضوع جميع عمليات المراقبة للمساءلة والرقابة القضائية، مع توفير الدعم القانوني والنفسي للضحايا.

قمع رقمي يتجاوز الحدود

من جانبها، حذّرت بولندا، باسم مجموعة من الدول، من تزايد استخدام المراقبة الرقمية في استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين عبر الحدود الوطنية.

وأكدت أن بعض الأنظمة تستخدم أدوات رقمية متطورة إلى جانب تشريعات مقيدة للمجتمع المدني بهدف تجريم النشطاء وملاحقتهم وترهيبهم.

وأعرب تحالف الحرية على الإنترنت، الذي يضم 42 دولة، عن قلقه من إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي وبرامج التجسس والهجمات السيبرانية وحملات التضليل الرقمي في تقويض حرية التجمع السلمي.

وأكد التحالف أن مجرد الإحساس بالمراقبة قد يؤدي إلى الرقابة الذاتية والعزوف عن المشاركة في الحياة العامة، بما ينعكس سلباً على الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ودعا إلى تعزيز الضمانات القانونية والشفافية والمساءلة سواء بالنسبة للدول أو لشركات التكنولوجيا التي تطور أو توفر أدوات المراقبة.

التكنولوجيا سلاح ذو حدين

أما جمهورية كوريا فأكدت أن الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات يشكل أحد الأسس الرئيسية للديمقراطية.

وأشارت إلى أن التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تكون أداة إيجابية لتعزيز المشاركة المدنية والتنظيم المجتمعي، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى وسيلة للقمع إذا أسيء استخدامها أو غابت الضوابط القانونية اللازمة.

وأظهرت المناقشات التي شهدها مجلس حقوق الإنسان أن المراقبة الرقمية أصبحت واحدة من أبرز التحديات الحقوقية في العصر الحديث، مع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأنظمة البيومترية.

وبينما تؤكد الدول حقها في حماية الأمن القومي ومكافحة الجريمة والإرهاب، يشدد خبراء الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني على أن هذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق على حساب الحريات الأساسية والحقوق المدنية.

ويبدو أن النقاش العالمي حول حدود استخدام التكنولوجيا في المجال الأمني سيظل أحد أكثر الملفات حساسية خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار التطور السريع للأدوات الرقمية واتساع نطاق استخدامها في الحياة العامة.

وفي ختام الحوار، أكدت المقررة الخاصة جينا روميرو أن حماية الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات تتطلب إعادة النظر في منظومة المراقبة الرقمية بأكملها، وليس فقط في بعض أدواتها الفردية.

وشددت على أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها الخوف أو الشعور الدائم بالمراقبة، وأن ضمان الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان يجب أن يبقى حجر الأساس لأي سياسة تتعلق بالتكنولوجيا والأمن في العصر الرقمي.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print