في السياقات الديمقراطية، يُفترض أن تكون الانتخابات وسيلة للتعبير الحر عن الإرادة الشعبية، لكنها في ميانمار، وفق ما عُرض أمام مجلس حقوق الإنسان، تحولت إلى محطة إضافية في مسار القمع والعنف، لا إلى مخرج سياسي من الأزمة، فالانتخابات التي أشرفت عليها السلطات العسكرية في 25 يناير 2026 لم تُقدَّم باعتبارها عملية ذات مصداقية، بل باعتبارها جزءاً من مشهد أوسع يسعى فيه المجلس العسكري إلى فرض شرعية شكلية تحت وقع القصف والاعتقال والتهديد.
التقرير الذي عرضه ممثل المفوضة السامية لحقوق الإنسان أشار بوضوح إلى أن الفترة الانتخابية شهدت تصعيداً في أعمال العنف، وخلال تلك الفترة وحدها، قُتل ما لا يقل عن 702 مدني، بينهم 124 امرأة و153 طفلاً، والأخطر أن 505 من هؤلاء الضحايا سقطوا نتيجة هجمات جوية وهجمات بالطائرات المسيّرة، هذه الأرقام تجعل من الصعب التعامل مع العملية الانتخابية بوصفها حدثاً سياسياً عادياً؛ لأنها جرت في بيئة كان المدنيون فيها يواجهون تهديداً مباشراً لحياتهم.
الانتخابات، في هذه الحالة، لم تجرِ في ظل حرية سياسية أو أمن عام أو مشاركة طوعية، بل في ظل حرب مفتوحة على المجتمع، فالمدنيون، بحسب ما ورد في الإحاطة، تعرضوا لضغوط للمشاركة في الاقتراع، وفي بعض الحالات جرت عمليات التصويت تحت التهديد والعنف، كما تمت معاقبة مئات الأفراد بسبب مخالفتهم للقواعد الانتخابية المفروضة.
هذا المشهد يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن اعتبار أي انتخابات ذات معنى حين يكون الناخبون خائفين؟ فالاقتراع لا يكون حراً إذا جرى تحت التهديد، ولا يكون نزيهاً إذا كان رفض المشاركة سبباً للعقاب، ولا يكون معبّراً عن الإرادة الشعبية إذا كانت السلطة التي تنظمه تستخدم القوة العسكرية ضد المدنيين.
ومن هنا، فإن المشكلة في انتخابات ميانمار لا تتعلق فقط بإجراءات فنية أو إدارية، بل بغياب البيئة السياسية والحقوقية التي تجعل الانتخابات ممكنة أصلاً، فالانتخابات لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل بحرية التعبير، وحرية التنظيم، وأمن الناخبين، وحق المعارضة في العمل، وقدرة الصحافة والمجتمع المدني على المراقبة، وغياب الترهيب والعنف، وكل هذه الشروط بدت، وفق التقرير، غائبة أو مقوضة بشدة.
وقد أشار التقرير إلى أن العملية الانتخابية تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية، وأنها مرفوضة من قطاعات واسعة من الشعب الميانماري الذي يواصل المطالبة بالديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، وهذا الرفض الشعبي مهم؛ لأنه يكشف الفجوة بين ما يسعى المجلس العسكري إلى تقديمه للعالم بوصفه عملية سياسية، وما يعيشه المواطنون على الأرض بوصفه امتداداً للقمع.
في هذا السياق، لا تبدو الانتخابات أداة لحل الأزمة، بل أداة لإدارتها لمصلحة السلطة العسكرية، فالمجلس العسكري يحاول عبرها إنتاج صورة مؤسسية توحي بوجود مسار سياسي، في حين تستمر الهجمات ضد المدنيين، وتستمر الاعتقالات، وتستمر القيود على المساعدات، ويستمر غياب المساءلة، وبذلك تتحول الانتخابات إلى وسيلة لإعادة تغليف السيطرة العسكرية بلغة سياسية.
وتزداد خطورة هذا الاستخدام عندما يترافق مع ملاحقة من ينتقدون العملية الانتخابية، فقد ورد في الإحاطة أن أشخاصاً صدرت بحقهم أحكام قاسية تصل في بعض الحالات إلى 48 سنة سجن لمجرد تداول منشورات تنتقد العملية الانتخابية أو تتعلق بها، وهذا يعكس أن السلطات لا تريد فقط فرض المشاركة، بل تريد أيضاً منع أي نقاش عام حول شرعية العملية نفسها.
إن تجريم النقد الانتخابي يضرب جوهر الحقوق السياسية، فحرية الرأي والتعبير شرط أساسي لأي عملية انتخابية ذات مصداقية، وإذا كان المواطن قد يواجه عقوبة قاسية بسبب منشور أو رأي، فإن المجال العام يصبح مغلقاً، وتصبح الانتخابات مجرد إجراء مفروض من أعلى، لا عملية يشارك فيها المجتمع بحرية.
كما أن وضع أونغ سان سو تشي بقي حاضراً في التقرير، حيث أكدت المفوضية أن حالتها لا تعكس إفراجاً حقيقياً، وجددت الدعوة إلى الإفراج غير المشروط عنها وعن جميع المعتقلين تعسفاً، وهذا البعد يذكّر بأن أي عملية سياسية في ميانمار لا يمكن أن تكون ذات مصداقية في حين تستمر القيادات المدنية والمعارضون والمعتقلون السياسيون في وضع مقيد أو غامض أو تعسفي.
والأخطر أن الأوضاع لم تتحسن بعد الانتخابات، فقد أوضح التقرير أن الهجمات ضد المدنيين ازدادت، ومنها الضربات الجوية، إلى جانب تزايد أوامر التفتيش والاعتقال، وهذا يعني أن الانتخابات لم تكن نقطة انتقال نحو الاستقرار، بل تبعتها مرحلة أشد من القمع والعنف، وهنا يسقط الادعاء بأن الاقتراع كان خطوة نحو الحل أو التهدئة.
من منظور حقوقي، لا يمكن فصل الانتخابات عن حماية المدنيين، فالدولة أو السلطة القائمة التي تنظم اقتراعاً في حين تستهدف المدنيين أو تعرقل المساعدات أو تعاقب الرافضين للمشاركة، لا توفر الشروط الدنيا للممارسة السياسية الحرة، لذلك، فإن الحديث عن الشرعية في هذه الظروف يصبح خطيراً إذا لم يرتبط بمعايير حقوق الإنسان.
ولهذا شددت المفوضية على ضرورة عدم منح أي شرعية دولية للمجلس العسكري، فإضفاء الشرعية على انتخابات تُجرى تحت القصف والتهديد قد يفتح الباب أمام مكافأة القوة بدلاً من محاسبتها، كما قد يضعف مطالب الشعب الميانماري بالديمقراطية والعدالة، ويحوّل الانتهاكات إلى تفاصيل جانبية في مسار سياسي مصطنع.
إن المجتمع الدولي أمام اختبار واضح في ميانمار: هل يتعامل مع الانتخابات باعتبارها إجراءً شكلياً كافياً، أم ينظر إلى البيئة التي أُجريت فيها؟ فالانتخابات التي تُفرض بالقوة لا تصنع شرعية، والاقتراع الذي يجري تحت القصف لا يعبر عن إرادة حرة، والعملية السياسية التي تُبنى فوق الخوف لا يمكن أن تؤسس سلاماً دائماً.
في النهاية، تكشف انتخابات 25 يناير 2026 في ميانمار أن المجلس العسكري لم يستخدم الاقتراع بوصفه طريقاً للخروج من الأزمة، بل بوصفه أداة لإعادة إنتاجها، فقد جرت العملية في ظل قتل مدنيين، وضغوط على السكان، وعقوبات ضد المخالفين، وملاحقة للمنتقدين، وغياب للثقة الشعبية، ولذلك، فإن أي مقاربة حقوقية جادة يجب أن ترفض تحويل الانتخابات إلى غطاء للانتهاكات.
فالانتخابات الحقيقية لا تُقاس بفتح مراكز الاقتراع فقط، بل بقدرة الناس على الاختيار دون خوف، وفي ميانمار، كما أظهرت الإحاطة الأممية، كان الخوف حاضراً بقوة: في السماء عبر الطائرات المسيّرة، وعلى الأرض عبر الاعتقال والتهديد، وفي المجال العام عبر تجريم النقد، ولهذا، فإن الطريق إلى الديمقراطية لا يبدأ من صناديق اقتراع مفروضة، بل من وقف العنف، وإطلاق سراح المعتقلين، وحماية المدنيين، وضمان حق الشعب في تقرير مستقبله بحرية وكرامة.
