منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الحماية الرقمية

عبر 33 دولة.. شبكة “764” ابتزاز إلكتروني يقود الأطفال للعنف والانتحار

21 يوليو 2026
الحماية من الاستغلال الرقمي
الحماية من الاستغلال الرقمي

أصبحت الحماية من الاستغلال الرقمي واحدة من أكثر القضايا الحقوقية إلحاحاً مع تصاعد أنشطة شبكات إلكترونية تستهدف الأطفال والمراهقين، وتستدرجهم تدريجياً إلى دوائر من الابتزاز والعنف وإيذاء النفس، في انتهاك لحقوقهم في الأمان والسلامة والحماية من الاستغلال.

ولم تعد هذه الجرائم تقتصر على الفضاء الافتراضي، بل امتدت إلى أرض الواقع، بعدما تحولت غرف الدردشة والألعاب الإلكترونية إلى أدوات لتجنيد الأطفال، ودفع بعضهم إلى إيذاء أنفسهم أو الاعتداء على الآخرين، في حين تتوالى القضايا المرتبطة بهذه الشبكات أمام المحاكم في عدد متزايد من الدول.

كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة الغارديان عن اتساع نشاط شبكة إلكترونية تعرف باسم “764”، تعد جزءاً من منظومة عالمية تستقطب صغار السن عبر الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل، وتدفع بعضهم إلى ارتكاب أعمال عنف أو إيذاء أنفسهم والآخرين.

استند التحقيق إلى وثائق قضائية، وملفات اتهام، ومقابلات مع مسؤولين قضائيين وباحثين وخبراء في عدة دول، ليكشف أن مرتكبي هذه الجرائم وضحاياها ينتشرون في عشرات البلدان، وأن الشبكة ليست سوى جزء من منظومة إلكترونية كبرى تقوم على الابتزاز والسيطرة والتلاعب النفسي.

بدأت خيوط القضية في أواخر عام 2024 داخل أحد الأحياء الهادئة في ضواحي ستوكهولم، عندما اقترب فتى يبلغ من العمر 14 عاماً من رجل تجاوز الثمانين كان يستخدم جهازاً للمساعدة على المشي، قبل أن يطعنه ثلاث مرات في ظهره.

شبكات إلكترونية تمجد العنف

انتشر مقطع الفيديو الذي وثق الاعتداء بسرعة، ليصبح جزءاً من المحتوى الذي تتداوله شبكات إلكترونية تمجد العنف، في حين وصف الباحث مارك أندريه أرجنتينو هذه الظاهرة بأنها “تحويل الإيذاء إلى لعبة”.

وأشارت التحقيقات إلى أن الفتى كانت تربطه صلات بشبكة “764”، وهي إحدى المجموعات التي تستهدف الشباب عبر ألعاب مثل “روبلوكس” و”ماينكرافت”، إضافة إلى استهداف المراهقين الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو تساؤلات تتعلق بالهوية الجنسية، من خلال الابتزاز الإلكتروني والضغط عليهم لإيذاء أنفسهم أو ارتكاب أعمال عنف.

وأوضحت الوثائق أن الشبكة أسسها المراهق الأمريكي برادلي كادنهيد في ولاية تكساس، قبل أن يتحول اسمها إلى أحد أبرز مكونات منظومة إلكترونية متنامية تضم مرتكبين وضحايا في عشرات الدول، ويقضي كادنهيد حالياً حكماً بالسجن لمدة 80 عاماً في الولايات المتحدة بعد إدانته بحيازة مواد تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال.

وكشفت السجلات القضائية في عدد من الدول عن قضايا منظورة أمام المحاكم ترتبط بهذه الشبكات، والتي تعتمد على تمجيد العنف والتلاعب النفسي وإلحاق الأذى بالضحايا، مع الاحتفاظ بتسجيلات تلك الأفعال ونشرها داخل المجموعات المغلقة بهدف اكتساب النفوذ والمكانة بين الأعضاء.

وقال مؤسس شركة “ريفونتوليت” الأمنية، بيورن إيهلر، إن ما يحدث يمثل “ظاهرة شبابية”؛ لأن الشباب يجندون شباباً آخرين داخل هذه الشبكات، كما حذرت مفوضة الشرطة الفيدرالية الأسترالية، كريسي باريت، من اتجاه مقلق يتمثل في تحول بعض الضحايا إلى جناة بعد تعرضهم للاستدراج والابتزاز الإلكتروني، وإجبارهم على إيذاء أنفسهم أو غيرهم.

قضايا تمتد عبر القارات

قضت محكمة سويدية في أبريل 2025 بأن الفتى نفذ جريمة الطعن، رغم أنه لم يبلغ السن القانونية للمساءلة الجنائية، وخلال التحقيقات ظهر اسم إلكتروني آخر هو “تشاي”، بعدما تلقت الشرطة السويدية اتصالاً من فتاة أسترالية أرادت الإدلاء بمعلومات عنه.

روى الصحفي الاستقصائي في هيئة الإذاعة السويدية “SVT”، لينوس سفينسون، أنه لم يكن قد سمع بشبكة “764” قبل حادث الطعن، لكنه اكتشف لاحقاً ما لا يقل عن تسع قضايا أمام المحاكم السويدية ترتبط بما يعرف باسم “The Com”، وهو مصطلح يطلق على شبكة أوسع تضم مجموعات متورطة في الجرائم الإلكترونية والابتزاز والعنف، منها “764”.

وأضاف أنه تمكن من رصد عشرات الأعضاء السويديين داخل مجموعات الدردشة المرتبطة بهذه الشبكات، معتبراً أن حجم الظاهرة أكبر بكثير مما تكشفه القضايا المعروفة.

وتوصل الصحفي إلى قضية مراهق في شمال السويد أدين عام 2024 بمحاولة إجبار طفل يبلغ 13 عاماً على إنهاء حياته، وأكدت كبيرة المدعين العامين في الوحدة الوطنية السويدية لمكافحة الجريمة الدولية والمنظمة، جيني أوستلينغ، أن هذا المراهق هو صاحب الاسم الإلكتروني “تشاي”.

شبكات إلكترونية تمجد العنف

يواجه المتهم أكثر من 70 تهمة، وفقاً لقرار الاتهام، منها التحريض على إيذاء النفس والانتحار، وإنتاج مواد تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال، في حين ارتبطت غالبية الوقائع بفتاة أسترالية. كما يواجه اتهاماً بدفع شاب في ألمانيا إلى إيذاء نفسه بصورة كادت تودي بحياته.

وأكدت محامية الدفاع، إيميلي تويرا، أن موكلها ينكر جميع الاتهامات، في حين قررت المحكمة السويدية في أواخر يونيو تعليق المحاكمة وإحالته إلى فحص نفسي شرعي، بعدما رأت وجود “أدلة قوية” على ارتكابه عدداً من الأفعال المنسوبة إليه، على أن تستأنف المحاكمة في أغسطس.

واعتبرت كبيرة المدعين العامين جيني أوستلينغ أن القضية ستختبر مدى إمكانية مساءلة أشخاص يجبرون آخرين عن بُعد على إيذاء أنفسهم أو ارتكاب أعمال عنف.

وأوضحت أن أعضاء هذه المجموعات يسعون إلى اكتساب مكانة داخلها من خلال إنتاج محتوى جديد، يبدأ غالباً بإجبار الضحايا على جرح أنفسهم أو القيام بأفعال جنسية، قبل تصعيد الابتزاز إلى ممارسات أكثر خطورة.

منظومة عالمية للابتزاز

أظهرت لائحة اتهام أعلنتها وزارة العدل الأمريكية في أبريل 2025 أن الأمريكيين ليونيداس فاراغيانيس وبراسان نيبال كانا عضوين في غرفة دردشة تحمل اسم “764 Inferno”، والتي وصفت بأنها مخصصة للدائرة الداخلية للشبكة، ويواجه الاثنان اتهامات بالتآمر مع أعضاء آخرين لإنتاج وتوزيع صور استغلال للأطفال، ضمن تهم أخرى.

رصد باحثون ما لا يقل عن 295 عملية توقيف مرتبطة بشبكة “The Com” في 33 دولة، منها أستراليا، حيث لا تزال عدة قضايا قيد نظر القضاء.

أدين في نيوزيلندا روندوغ كيف عام 2025 بعد اعترافه بـ13 تهمة، منها توزيع مواد وصفت بأنها “مروعة وصادمة” تتعلق باستغلال الأطفال، وصدر بحقه حكم بالسجن لأكثر من خمس سنوات.

وأصدرت محكمة بريطانية العام الماضي حكماً بالسجن المشدد لمدة تسع سنوات بحق كاميرون فينيغان بعد إدانته بحيازة دليل إرهابي وصور غير لائقة للأطفال، وتحريض شخص عبر الإنترنت على الانتحار، في حين خلصت المحكمة إلى ارتباطه بشبكة “764”.

وفي يونيو، أدين المراهق البريطاني إيلايجا بالمر بالتحريض على إيذاء النفس، مع إعلان الشرطة ارتباطه بالشبكة واستهدافه أحد الضحايا عبر لعبة “روبلوكس” ومنصة “ديسكورد”.

أيديولوجية متغيرة ورمزية

ناقش خبراء توصيف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لهذه الأنشطة باعتبارها “تطرفاً عنيفاً عدمياً “، في حين رأى باحثون أن أيديولوجية هذه المجموعات متغيرة ورمزية، وأن استخدام رموز النازية الجديدة أو الرموز الغامضة يمثل في كثير من الأحيان وسيلة لإظهار الانتماء داخل الجماعة أكثر من كونه مشروعاً سياسياً متكاملاً.

وشدد مؤسس شركة “ريفونتوليت” الأمنية، بيورن إيهلر، على أن الهدف الأساسي من هذه الشبكات يتمثل في فرض السيطرة الكاملة على الضحايا، موضحاً أن المواد المنتزعة منهم يعاد تداولها داخل مجموعات مغلقة لتسهيل استهدافهم مجدداً، في حين يمنح نشرها أصحابها مكانة ونفوذاً داخل الشبكة.

واختتم التحقيق بتأكيد أن الضحايا يواجهون آثاراً نفسية عميقة، في حين دعت الباحثة المستقلة بيكا سبينكس إلى رفع مستوى الوعي لدى الأسر وأجهزة إنفاذ القانون، محذرة من أن كثيراً من الأطفال قد يطلبون المساعدة دون أن تدرك الجهات المختصة أنهم وقعوا ضحية لشبكات مثل “764”.

وأشارت إلى أن الشرطة الفيدرالية الأسترالية حددت مؤشرات إنذار تشمل إيذاء النفس، والانعزال المفاجئ عن الأسرة والأصدقاء، والسرية المفرطة في التعامل مع الأنشطة الإلكترونية، مؤكدة أن أخطر الاعتقادات الخاطئة هو الظن بأن هذه الجرائم لا يمكن أن تطول إلا فئة محددة من الأطفال، في حين تؤكد الوقائع أنها قد تطول أي طفل.