منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في مواجهة الشكوك الأمنية.. مقابلات مع أفغان بالولايات المتحدة تثير مخاوف الترحيل

25 يوليو 2026
مخاوف الترحيل من أمريكا تنتاب المهاجرين الأفغان
مخاوف الترحيل من أمريكا تنتاب المهاجرين الأفغان

أثارت خطة أطلقها مكتب إعادة توطين اللاجئين في الولايات المتحدة لإجراء مقابلات مع مئات المهاجرين الأفغان مخاوف متزايدة لدى منظمات اللاجئين والمدافعين عن حقوق المهاجرين، وسط تساؤلات بشأن مصير البيانات التي ستُجمع من هذه الفئة التي وصلت إلى الولايات المتحدة بعد سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، وما إذا كانت ستُستخدم لاحقاً في إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة أو الترحيل.

وكشفت رسالة بريد إلكتروني داخلية، اطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”، أن مكتب إعادة توطين اللاجئين دعا في 14 يوليو متطوعين لإجراء مكالمات تواصل مع 800 أفغاني جرى جلبهم إلى الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، والذين وصفهم البريد الإلكتروني بأنهم “قد يكونون في أوضاع هشة”.

وأوضحت الوثائق الخاصة بالمبادرة التي تحمل اسم “مبادرة التواصل مع اللاجئين ورفاهيتهم” أن الوكالة تعتزم جمع معلومات تفصيلية عن المهاجرين الأفغان وأفراد أسرهم، منها الأسماء، والوظائف، واللغات المستخدمة داخل الأسرة، والوضع القانوني المتعلق بالهجرة.

وطرحت هذه الخطوة مخاوف مباشرة تتعلق بالحق في الحماية والخصوصية بالنسبة لفئة وصلت إلى الولايات المتحدة بعد فرارها من أفغانستان في ظروف استثنائية، خصوصاً في ظل الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه المهاجرين الأفغان منذ عودته إلى البيت الأبيض.

إعادة توطين اللاجئين

قالت الرئيسة التنفيذية لمنظمة HIAS لإعادة توطين اللاجئين بيث أوبنهايم إن الأفغان يمثلون إحدى أكثر الفئات ضعفاً، موضحة أن الكثير منهم يواجهون تراجع فرص لمّ شملهم بأسرهم وإغلاق مسارات الحماية أمامهم، وأضافت أن فكرة جمع البيانات عن هذه الفئة قد تؤدي إلى زعزعة الثقة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العديد منهم.

وأشار الاستبيان إلى أن الغرض من جمع المعلومات يتمثل في “تحديد التحديات المشتركة” وتقييم الحاجة إلى تقديم موارد أو خدمات دعم إضافية، كما أوضح البريد الإلكتروني الداخلي أن الحملة ستستمر حتى 7 أغسطس، وأن المكالمة الواحدة قد تستغرق نحو 30 دقيقة.

ولم تستجب إدارة إعادة توطين اللاجئين التابعة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية لطلبات التعليق على المبادرة، كما لم تستجب وزارة الأمن الداخلي لطلبات مماثلة.

ووفقاً لوكالة اسوشيتد برس، جاءت هذه التحركات بعد ما يقرب من خمس سنوات على الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والجهود التي رافقته لإجلاء الأفغان الذين تعاونوا مع الجيش الأمريكي خلال الحرب التي استمرت عقدين.

مخاوف من الترحيل

أعرب الجندي السابق في البحرية الأمريكية ومؤسس مجموعة #AfghanEvac الداعمة لإعادة توطين الأفغان شون فانديفر عن قلقه من خلفيات هذه المبادرة، مشيراً إلى أن تحركات الإدارة الأمريكية السابقة تجاه الأفغان تجعل كثيرين يتساءلون عن مصير المعلومات التي يجري جمعها.

وقال فانديفر إنه أُبلغ من قبل مسؤول أمريكي بوجود مخاوف لدى بعض العاملين داخل الحكومة الفيدرالية من إمكانية استخدام البيانات التي تُجمع خلال هذه المقابلات في عمليات ترحيل مستقبلية.

وأضاف فانديفر أن الحكومة الفيدرالية إذا كانت ترغب فعلاً في الاطمئنان على أوضاع العائلات الأفغانية، فإن بإمكانها القيام بذلك دون تحويل العملية إلى ما وصفه بـ”عملية ترحيل سرية”.

وناقش مسؤولو مكتب إعادة توطين اللاجئين الخطة مع منظمات إعادة توطين اللاجئين خلال اجتماعات عقدت في أواخر مايو، وفقاً لشخصين مطلعين على المناقشات تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتهما، وأوضح المسؤولون خلال تلك الاجتماعات أن المبادرة ستستهدف أشخاصاً لا يحملون إقامة دائمة.

وتولت القائمة بأعمال مدير مكتب إعادة توطين اللاجئين أنجي سالازار الإشراف على الوكالة في وقت تواجه فيه انتقادات تتعلق بسياسات الهجرة.

وكانت سالازار قد شغلت سابقاً منصباً في إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، كما واجهت انتقادات من مشرعين ديمقراطيين العام الماضي على خلفية دورها في محاولة ترحيل أطفال غير مصحوبين بذويهم إلى غواتيمالا في عملية أوقفها لاحقاً قاضٍ فيدرالي.

مقابلة المهاجرين الأفغان

تضمن الاستبيان الذي سيُقرأ على المهاجرين الأفغان عبر الهاتف إشعاراً بالموافقة يؤكد أن الاستبيان ليس مجهول الهوية، وأن البيانات التي سيتم جمعها قد تُحفظ لمدة تصل إلى 15 عاماً.

وأوضح نص الاستبيان أن المشاركة تنطوي على “مخاطر ضئيلة”، لكنه أقر بأن بعض الأسئلة تتناول تجارب أو تحديات قد تكون غير مريحة للمشاركين، مع منحهم الحق في تجاوز أي سؤال لا يرغبون في الإجابة عنه.

وشمل قسم “الاندماج والتأقلم” أسئلة تتعلق بمدى شعور المشاركين بالتأقلم مع الحياة في الولايات المتحدة، مع خيارات تتدرج من “جيد جداً” إلى “سيئ جداً”.

وطلب الاستبيان كذلك معلومات إضافية تتعلق بالوضع القانوني لكل فرد من أفراد الأسرة، إضافة إلى “رقم الأجنبي” الحكومي لأي شخص قد يحتاج إلى دعم إضافي أو يكون مؤهلاً للحصول على إعانات حكومية.

مستقبل غامض

ارتبطت هذه المبادرة بسياق أوسع من التغييرات التي شهدتها سياسة الهجرة الأمريكية تجاه الأفغان منذ عام 2025، حيث علّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إصدار جميع تأشيرات الهجرة وغير الهجرة من أفغانستان ضمن حظر سفر أوسع نطاقاً دخل حيز التنفيذ عام 2025.

وأنهت الإدارة الأمريكية بعد ذلك بشهر واحد وضع الحماية المؤقتة لنحو 12 ألف أفغاني كانوا يقيمون ويعملون بصورة قانونية في الولايات المتحدة، وبررت وزيرة الأمن الداخلي آنذاك كريستي نويم القرار بالقول إن الأوضاع الأمنية والاقتصادية في أفغانستان تحسنت تحسناً يسمح بعودتهم الآمنة.

واصلت وزارة الخارجية الأمريكية في الوقت نفسه إصدار تحذيرات لمواطنيها من السفر إلى أفغانستان بسبب مخاطر الاضطرابات المدنية والإرهاب والجريمة والاختطاف.

وأوقفت الإدارة الأمريكية كذلك معالجة طلبات الهجرة الأفغانية المعلقة بعد اتهام مهاجر أفغاني بإطلاق النار على اثنين من أفراد الحرس الوطني قرب البيت الأبيض في نوفمبر، ما أدى إلى مقتل أحدهما وإصابة الآخر بجروح خطيرة.

وكشفت جلسات استماع عقدها الكونغرس الأمريكي لاحقاً عن استمرار الجدل بشأن مصير أكثر من ألف أفغاني ساعدوا المجهود الحربي الأمريكي وما زالوا عالقين خارج الولايات المتحدة.

وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام المشرعين أن الولايات المتحدة لا تزال تجري محادثات مع عدة دول لإعادة توطين أكثر من ألف أفغاني تعاونوا مع القوات الأمريكية أو يرتبطون بعسكريين أمريكيين.

وأوضح روبيو أن المسؤولين الأمريكيين يتواصلون بصورة يومية بشأن هذا الملف، مشيراً إلى أن عدة دول أبدت استعداداً لاستقبال جزء من هؤلاء الأشخاص.

الإعادة إلى أفغانستان

حذر المدافعون عن حقوق اللاجئين من أن البديل المطروح أمام بعض هؤلاء الأفغان قد يكون إعادتهم إلى أفغانستان، حيث قد يواجهون مخاطر انتقامية من حركة طالبان.

وانتقدت النائبة الديمقراطية عن ولاية نيويورك غريس مينغ مقترحات تحدثت عنها تقارير إعلامية بشأن احتمال إرسال بعض الأفغان إلى دول أخرى، مؤكدة أن كثيراً من الموجودين في مراكز الانتظار هم مترجمون وعاملون سابقون مع القوات الأمريكية وأفراد من عائلات عسكريين أمريكيين.

وردّ روبيو بأن الإدارة لا تزال تبحث عن دول مستعدة لتحمل جزء من مسؤولية إعادة التوطين، موضحاً أن المسألة لا تتعلق بدولة واحدة تستقبل جميع الأشخاص، بل بإيجاد خيارات متعددة يمكن أن توفر لهم بيئات مناسبة للاستقرار.

واختتم الجدل الدائر حول هذه القضية بإعادة طرح سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الحلفاء الأفغان الذين غادروا بلادهم اعتماداً على تعهدات أمريكية بالحماية وإعادة التوطين، في وقت تتواصل فيه إجراءات جمع البيانات والمراجعات القانونية، في حين تترقب آلاف العائلات الأفغانية ما ستؤول إليه السياسات الأمريكية الخاصة بالهجرة واللجوء خلال المرحلة المقبلة.