منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يوصي بإصلاح النظام المالي الدولي وتوسيع الحيز المالي للدول النامية

09 سبتمبر 2026
من فعاليات جلسة مجلس حقوق الانسان الدورة 63
من فعاليات جلسة مجلس حقوق الانسان الدورة 63

تصدّرت قضايا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نقاشات مجلس حقوق الإنسان، وسط تحذيرات من اتساع فجوات عدم المساواة، وتزايد أعباء الديون، وتأثير الأزمات الاقتصادية والمالية على قدرة الدول، خصوصًا النامية، على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها.

وطالبت المداخلات بضرورة تعزيز الحماية الاجتماعية، وتوسيع الإنفاق على الصحة والتعليم والإسكان، إلى جانب معالجة أزمات الديون وتوفير التمويل الميسر للدول التي تعاني من ضيق الحيز المالي.

وتأتي هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، التي تبحث عددًا من الملفات المرتبطة بحماية وتعزيز حقوق الإنسان، ومن بينها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحق في التنمية، وأوضاع الفئات الأكثر احتياجًا، إلى جانب حقوق كبار السن والأشخاص الذين يعيشون مع الخلل المعرفي، وذلك في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متشابكة تواجه العديد من دول العالم.

وأكدت المداخلات أن الفقر وعدم المساواة لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما مجرد مشكلات اقتصادية، وإنما باعتبارهما قضايا ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الأفراد على التمتع بحقوقهم الأساسية. وفي هذا السياق، حذر المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن ارتفاع الإنفاق العسكري في بعض الدول يأتي على حساب مجالات أساسية مثل التعليم والإسكان والرعاية الصحية و الحماية الاجتماعية.

وتكشف الأرقام المطروحة خلال النقاش حجم التفاوت في توزيع الثروة عالميًا؛ إذ استحوذت نسبة 1% الأكثر ثراءً منذ عام 2000 على نحو 41% من الثروات الجديدة، في حين لم يحصل نصف المليار الأكثر فقرًا سوى على نحو 1% منها، بما يعكس اتساع الفجوة الاقتصادية والحاجة إلى سياسات أكثر عدالة في توزيع الموارد.

وأصبحت أزمة الديون واحدة من أبرز القضايا المطروحة، بعدما باتت خدمة الدين تمثل عبئًا متزايدًا على موازنات الدول النامية، وتحد من قدرتها على توجيه الموارد إلى القطاعات الاجتماعية. وأظهرت البيانات المقدمة خلال الجلسات أن نحو 3.4 مليار شخص يعيشون في بلدان تنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفق على الصحة والتعليم.

وتشير المعطيات كذلك إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض بالنسبة إلى الدول النامية، إذ دفعت البلدان النامية، باستثناء الصين، خلال الفترة من عام 2000 إلى 2025 فوائد أعلى بنحو ثلاث مرات في المتوسط مقارنة بالدول المتقدمة. وفي عام 2025، وصلت مدفوعات فوائد الدين العام لهذه الدول إلى نحو تريليون دولار وهو ما يعكس حجم الموارد التي تخرج من الاقتصادات النامية بدلًا من توجيهها إلى التنمية والخدمات الأساسية.

وتزداد خطورة هذه الأعباء مع وجود دول تنفق على خدمة الدين أكثر من إنفاقها على قطاعات اجتماعية حيوية. ووفق الأرقام المطروحة، تنفق نحو 25 دولة نامية على خدمة الدين أكثر مما تنفق على التعليم، بينما تجاوز الإنفاق على الدين الإنفاق على الصحة أو التعليم في عام 2024 في دول تضم نحو 3.7 مليار شخص.

ولا تقتصر آثار الأزمة المالية على الموازنات الحكومية، وإنما تمتد إلى حياة المواطنين اليومية ومستوى حصولهم على الخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، أشارت رئيسة نادي مدريد لورا تشينشيلا إلى أن نحو 2.1 مليار شخص لم يكن لديهم في عام 2024 وصول آمن إلى مياه الشرب، بينما لم يحصل نحو 3.4 مليار شخص على خدمات الصرف الصحي، في حين لم يكن لدى نحو 1.7 مليار شخص وصول كافٍ إلى الخدمات الصحية.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الفجوة بين الاعتراف بالحقوق في المواثيق الدولية وبين قدرة المواطنين على التمتع الفعلي بها لا تزال كبيرة، خصوصًا في الدول التي تواجه أزمات اقتصادية أو صراعات أو ضعفًا في البنية الأساسية والخدمات العامة. كما أن ضعف التمويل وتراجع القدرة على الإنفاق الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى تفاقم أوضاع الفئات الأكثر هشاشة.

وفي ملف الأطفال، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» من التداعيات المتزايدة للأزمات الاقتصادية والصراعات وعدم الاستقرار والديون، وقدرت أن نحو 23 مليون طفل قد يقعون في براثن الفقر بحلول نهاية عام 2026.

ودعت المنظمة إلى إعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي المنصف، إلى جانب تبني سياسات ضريبية تدعم العدالة وتحد من اتساع فجوات الفقر.

وأكدت المناقشات أن معالجة هذه التحديات تحتاج إلى إصلاحات على المستويين الوطني والدولي، وفي مقدمتها توسيع الحيز المالي أمام الدول النامية، وتوفير تمويل ميسر يمكن التنبؤ به، وتخفيف أعباء الديون، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية. كما شددت المداخلات على أهمية تطوير التعاون الدولي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، بما يساعد الدول على تحويل الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان إلى سياسات وبرامج عملية.

وفي هذا الإطار، دعت المجموعة الأفريقية إلى التعامل مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية باعتبارها جزءًا أصيلًا من منظومة حقوق الإنسان، مؤكدة أن تحقيقها يحتاج إلى تمويل إنمائي مناسب، وتعاون دولي، وبناء للقدرات، فضلًا عن توفير بيئة اقتصادية ومالية أكثر إنصافًا للدول النامية.

كما شددت المجموعة العربية على أهمية تعزيز الرعاية الصحية والاجتماعية وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع مراعاة السياقات الوطنية والخصوصيات الثقافية والاجتماعية. وأكدت ضرورة تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات وبناء القدرات، بما يساعد الدول النامية على تطوير نظم مستدامة للحماية الاجتماعية و ضمان حياة كريمة لجميع أفراد المجتمع.

وتطرقت المناقشات أيضًا إلى حقوق كبار السن، خاصة الأشخاص الذين يعيشون مع الخلل المعرفي، حيث أكدت المداخلات أن التراجع في بعض القدرات المعرفية لا يعني فقدان الإنسان لحقوقه أو كرامته. وشددت الدول المشاركة على أهمية احترام إرادة كبار السن وتفضيلاتهم، وتمكينهم من المشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم، وتوفير الدعم اللازم لهم دون أن يتحول هذا الدعم إلى وسيلة للحد من استقلاليتهم.

وأبرزت المجموعة العربية أهمية دور الأسرة في رعاية كبار السن، مع ضرورة توفير الدعم للأسر ومقدمي الرعاية حتى يتمكنوا من أداء هذا الدور، إلى جانب ضمان حماية كبار السن من الإهمال والاستغلال والتمييز. كما أكدت مداخلات أفريقية أن فقدان بعض القدرات المعرفية لا يجب أن يؤدي إلى فقدان الحقوق، داعية إلى توفير المساعدة اللازمة لكبار السن للتعبير عن آرائهم والمشاركة في الحياة العامة.

وتكشف مجمل المناقشات أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية باتت ترتبط بصورة مباشرة بالتحديات الاقتصادية العالمية، من الديون وعدم المساواة إلى ضعف التمويل وتغير المناخ والتحولات التكنولوجية. ومن ثم، فإن حماية هذه الحقوق تتطلب سياسات وطنية قادرة على توجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر احتياجًا، بالتوازي مع إصلاحات دولية تساعد الدول النامية على مواجهة القيود المالية التي تعوق جهود التنمية.

ويبرز من النقاش أن معالجة الفقر وعدم المساواة لا تتوقف عند زيادة الإنفاق، وإنما تحتاج أيضًا إلى تحسين طريقة توزيع الموارد، وتعزيز كفاءة المؤسسات، ومواجهة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة، وضمان وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر احتياجًا.

وفي المحصلة، تؤكد مناقشات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان أن الاستثمار في الإنسان يمثل جزءًا أساسيًا من تحقيق التنمية والاستقرار، وأن حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يمكن فصلها عن السياسات المالية والاقتصادية للدول. فتمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتوفير المياه والصرف الصحي والسكن والعمل اللائق ليست مجرد أهداف تنموية، وإنما التزامات ترتبط بصورة مباشرة بحقوق الإنسان وكرامته.

وتظل الرسالة الأبرز التي تطرحها المناقشات هي أن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب نظامًا اقتصاديًا أكثر عدالة، وقدرة أكبر للدول على تمويل احتياجات مواطنيها، وتعاونًا دوليًا يساند الدول النامية في مواجهة أعباء الديون و الأزمات. ومن هذا المنظور، يصبح إصلاح النظام المالي الدولي وتوسيع الحيز المالي وتعزيز الحماية الاجتماعية أدوات أساسية لتحويل الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية إلى واقع ملموس في حياة الملايين.