فتحت مشاركة نساء صمّ وأبناء لآباء وأمهات صمّ في اجتماع نظمه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في تركيا نقاشا أوسع حول موقع النساء ذوات الإعاقة داخل المجالين العام والسياسي، وحول معنى السلام عندما لا يشمل الفئات الأكثر تعرضا للتهميش.
ولا يقتصر الحديث عن السلام والمجتمع الديمقراطي على وقف العنف أو إنهاء النزاعات السياسية، بل يمتد إلى إزالة أشكال التمييز التي تمنع النساء وذوي الإعاقة من الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات العامة والمشاركة في صنع القرار، ومن هذا المنظور، تبدو قضية النساء الصمّ وذوات الإعاقة جزءا من نقاش حقوقي أوسع حول العدالة والمساواة والإتاحة.
وتؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن النساء والفتيات ذوات الإعاقة يتعرضن لأشكال متعددة من التمييز، وتلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمتعهن الكامل والمتساوي بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
كما تشدد الاتفاقية على أهمية الإتاحة، بما في ذلك توفير مترجمي لغة الإشارة وأشكال المساعدة التي تمكّن الأشخاص ذوي الإعاقة من الوصول إلى المعلومات والخدمات والمرافق العامة.
تمييز مركّب لا يراه الجميع
تواجه النساء ذوات الإعاقة، ومن بينهن النساء الصمّ، تمييزا مركبا يجمع بين النوع الاجتماعي والإعاقة، ويؤثر في قدرتهن على الوصول إلى التعليم والصحة والعمل والسياسة.
وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء والفتيات ذوات الإعاقة يواجهن أشكالا متعددة ومتقاطعة من التمييز، كما يتعرضن لمخاطر أعلى من العنف والوصمة والاستبعاد. وتوضح الهيئة أن النساء ذوات الإعاقة أكثر عرضة بمرتين إلى ثلاث مرات للعنف مقارنة بغيرهن من النساء.
وفي هذا السياق، قالت خالدة تورك أوغلو، المتحدثة باسم مجلس المرأة في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، إن كون المرأة والإنسان الكردي في هذا البلد يحملان أعباء ثقيلة، فإن هذه الأعباء “تتضاعف مرات عديدة عندما يتعلق الأمر بالإعاقة”، بحسب وكالة “فرات” للأنباء.
وتعكس هذه الإشارة طبيعة التمييز المتقاطع الذي تواجهه بعض النساء، حيث لا تأتي الهشاشة من عامل واحد فقط، بل من تداخل النوع الاجتماعي، والإعاقة، والانتماء القومي أو اللغوي، والفقر، وضعف الإتاحة.
لغة الإشارة كحق
من أبرز المطالب التي طرحتها تورك أوغلو جعل لغة الإشارة إلزامية في مختلف مجالات المجتمع، وإزالة العوائق أمام التعليم والعمل والخدمات العامة. وهذا المطلب لا يتعلق بتسهيل تقني فحسب، بل يمس جوهر الحق في المساواة والوصول إلى المعلومات.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الاعتراف بلغات الإشارة الوطنية بوصفها لغات رسمية يعزز المساواة في المشاركة في النقاش العام، ويمنح مجتمعات الصم مكانة متكافئة داخل الحياة العامة.
كما تنص اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على قبول وتيسير استخدام لغات الإشارة ووسائل التواصل المعززة والبديلة، وعلى توفير مترجمي لغة الإشارة لتسهيل الإتاحة في المرافق والخدمات العامة.
ومن هنا، فإن غياب لغة الإشارة عن المؤسسات العامة والمدارس والمستشفيات والمحاكم والفضاءات السياسية لا يعني مجرد صعوبة في التواصل، بل قد يتحول إلى شكل من أشكال الإقصاء الفعلي، لأنه يحرم النساء الصمّ من فهم حقوقهن والمطالبة بها والمشاركة في القرارات التي تمس حياتهن.
السلام لا يكتمل دون عدالة اجتماعية
ربطت تورك أوغلو اجتماع النساء الصمّ وأبناء الآباء والأمهات الصمّ بما وصفته بـ“نداء السلام والمجتمع الديمقراطي” الذي أطلقه عبدالله أوجلان في 27 فبراير 2025.
وقالت إن اللقاء منح المشاركات “قوة وأملا كبيرين”، لكنه حملهن في الوقت نفسه مسؤولية مهمة.
وفي خطابها، شددت على أن السلام لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل إنهاء التمييز وعدم المساواة، وبناء حياة حرة ومتساوية تشمل التعليم والصحة والثقافة والفن والعمل والسياسة.
وتنسجم هذه الرؤية مع المقاربة الحقوقية للسلام، التي ترى أن إنهاء النزاعات لا يضمن العدالة تلقائيا إذا بقيت الفئات المهمشة خارج المؤسسات والفضاءات العامة. فالنساء ذوات الإعاقة لا يحتجن فقط إلى الحماية من العنف، بل إلى ضمانات عملية للمشاركة والتنظيم والوصول إلى القرار.
المشاركة السياسية وصنع القرار
تؤكد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن المشاركة في الحياة السياسية والعامة حق أساسي للأشخاص ذوي الإعاقة على قدم المساواة مع الآخرين.
وتشدد الأمم المتحدة على أن إدماج النساء والفتيات ذوات الإعاقة لا يتحقق عبر الحديث عنهن فقط، بل عبر تمكينهن من قيادة النقاشات والسياسات التي تمس حقوقهن وحياتهن.
وفي هذا السياق، دعت تورك أوغلو إلى تمكين النساء ذوات الإعاقة من المشاركة المباشرة في عمليات صنع القرار والتنظيم، مؤكدة أن النضال من أجل السلام يجب أن يتسع ليشمل مطالب النساء والقوى الداعمة للديمقراطية والمساواة والحرية.
وقالت: “نطالب بأن تصبح لغة الإشارة إلزامية في جميع مجالات المجتمع، وإزالة العوائق أمام التعليم وفرص العمل والخدمات العامة، وتمكين النساء ذوات الإعاقة من المشاركة المباشرة في عمليات صنع القرار والتنظيم، لن نتوقف عن النضال، وسنواصل توسيع نضالنا من أجل سلام مشرّف ومتساوٍ، وجعل السلام واقعا اجتماعيا”.
من الإعاقة إلى الإتاحة
توضح منظمة الصحة العالمية أن الإعاقة لا تنتج فقط عن الحالة الصحية أو الجسدية للفرد، بل عن التفاعل بين الأشخاص والحواجز البيئية والاجتماعية التي تمنعهم من المشاركة الكاملة.
ولذلك، فإن إزالة العوائق في التعليم والعمل والصحة والخدمات العامة ليست إجراء مساعدا، بل شرطا أساسيا للمساواة والكرامة.
وتعني هذه المقاربة أن المشكلة لا تكمن في النساء الصمّ أو ذوات الإعاقة، بل في المدن والمؤسسات والسياسات التي لا توفر الإتاحة.. فحين لا تتوفر لغة الإشارة، أو لا تكون المدارس شاملة، أو لا تراعي أماكن العمل احتياجات ذوي الإعاقة، يصبح التمييز جزءا من بنية الحياة اليومية.
