منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

كوبا بين أزمات متداخلة.. انهيار الطاقة والاقتصاد يهدد الخدمات ويعمّق الأزمة الإنسانية

20 مايو 2026
أزمة انقطاع الكهرباء في كوبا
أزمة انقطاع الكهرباء في كوبا

تعيش كوبا خلال عامي 2025 و2026 واحدة من أكثر مراحلها الإنسانية تعقيداً منذ عقود، مع تداخل أزمات الطاقة والاقتصاد والتغيرات المناخية والعقوبات الدولية، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من تحول الوضع إلى حالة طوارئ إنسانية ممتدة متعددة الأبعاد تهدد الخدمات الأساسية لحوالي مليوني شخص على الأقل داخل البلاد، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا.

وأكدت إيديم وسورنو، مديرة شعبة الاستجابة للأزمات في “أوتشا”، في إحاطة رسمية من نيويورك بعد زيارة ميدانية إلى كوبا، أن البلاد تواجه وضعاً مركباً يتداخل فيه الانكماش الاقتصادي مع أزمة الوقود والكهرباء وتداعيات الأعاصير والجفاف، مشيرة إلى أن هذه العوامل لم تعد أزمات منفصلة، بل تحولت إلى ضغط تراكمي يغيّر طبيعة الاحتياجات الإنسانية من حالات طارئة قصيرة الأمد إلى احتياجات مزمنة تهدد استمرارية الحياة اليومية، وأضافت أن السكان يواجهون صعوبات متصاعدة في الوصول إلى الغذاء والمياه والخدمات الصحية بسبب تراجع الطاقة وارتفاع القيود التشغيلية على القطاعات الحيوية، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

أزمة الطاقة في قلب الانهيار الخدمي

تُعد أزمة الكهرباء والوقود العامل الأكثر تأثيراً في تفاقم الوضع الإنساني في كوبا خلال 2025، حيث وثقت تقارير إعلامية وأممية انقطاعات كهربائية وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 20 ساعة يومياً، ما أدى إلى شلل واسع في الخدمات العامة، وفق تقرير نشرته منصة الطاقة الإخبارية.

وتشير بيانات وزارة الطاقة الكوبية إلى أن محطات توليد الكهرباء تعاني من تآكل البنية التحتية ونقص الوقود المستورد، مع اعتماد كبير على محطات حرارية قديمة تتطلب نحو 100 ألف برميل نفط يومياً لتغطية الطلب المحلي، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى جزء محدود من الاحتياجات، وهو ما يفاقم العجز في التوليد ويؤدي إلى انقطاعات متكررة واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، أكدت الأمم المتحدة في تقريرها الصادر في أبريل 2026 أن أزمة الطاقة في كوبا أصبحت عاملاً مضاعفاً للأزمة الإنسانية، حيث تؤثر بشكل مباشر في المياه النظيفة، ونقل الغذاء، وتشغيل المستشفيات، وسلاسل التبريد الخاصة بالأدوية واللقاحات، وفق مكتب الأمم المتحدة في جنيف.

القطاع الصحي تحت ضغط مباشر

يشكل النظام الصحي الكوبي أحد أكثر القطاعات تأثراً بالأزمة الحالية، رغم اعتباره تاريخياً من أكثر الأنظمة تغطية في أمريكا اللاتينية، ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن نقص الوقود والكهرباء والأدوية أدى إلى ضغط غير مسبوق على المستشفيات، مع تأجيل أكثر من 100 ألف عملية جراحية، بينها آلاف العمليات للأطفال، إضافة إلى وجود ما يقرب من 5 ملايين مريض يعانون من أمراض مزمنة مهددين بانقطاع العلاج المنتظم.

كما تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 16 ألف مريض يعتمدون على العلاج الإشعاعي، في حين يتلقى أكثر من 12 ألف مريض العلاج الكيميائي، وهو ما يجعل أي اضطراب في الكهرباء أو الإمدادات الطبية تهديداً مباشراً لحياتهم. وتضيف المنظمة أن أكثر من 32 ألف امرأة حامل يواجهن صعوبات متزايدة في الوصول إلى الرعاية الطبية الطارئة نتيجة نقص النقل الطبي والوقود، وفق تصريح مدير التدخلات الصحية الطارئة في المنظمة ألطاف موساني.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن استمرار انقطاع الكهرباء يهدد سلاسل التبريد الخاصة باللقاحات، ما قد يؤدي إلى تراجع برامج التحصين وزيادة مخاطر تفشي أمراض مثل حمى الضنك والأمراض المنقولة بالنواقل، بحسب تقارير المنظمة لعام 2025.

تداعيات إنسانية متسعة على السكان

يمتد أثر الأزمة إلى الحياة اليومية في أنحاء كوبا بشكل مباشر، حيث يشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نقص الوقود أدى إلى صعوبات كبيرة في نقل الغذاء والمياه، وإلى تراجع عمليات توزيع المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر الكوبية.

كما وثقت اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي تراجعاً في المؤشرات الاقتصادية الكوبية خلال 2025، مع ارتفاع التضخم وانكماش الناتج المحلي، ما انعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد على الإمدادات الحكومية.

وتشير تقارير برنامج الأغذية العالمي إلى أن آلاف الأسر أصبحت تعتمد بشكل جزئي على الدعم الخارجي أو التحويلات المالية من الخارج لتأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية، في ظل نقص واضح في السلع الأساسية داخل الأسواق المحلية.

الأطفال والنساء في صدارة المتضررين

أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأطفال في كوبا يواجهون آثاراً مركبة للأزمة، تشمل تراجع التغذية وانقطاع الكهرباء في المدارس وتأثر خدمات الصحة الأساسية، إضافة إلى الضغوط النفسية الناتجة عن تكرار الانقطاعات والأزمات اليومية.

كما تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن النساء الحوامل يمثلن إحدى أكثر الفئات عرضة للخطر نتيجة ضعف الوصول إلى الرعاية الطارئة والتشخيص المبكر، وهو ما يزيد احتمالات المضاعفات أثناء الولادة في ظل نقص الموارد الطبية.

الهجرة واستنزاف الكفاءات

تشهد كوبا خلال السنوات الأخيرة موجة هجرة واسعة، حيث غادر مئات الآلاف البلاد نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وفق المنظمة الدولية للهجرة، وقد أدى ذلك إلى استنزاف حاد في الكوادر الطبية والمهندسين والعاملين في القطاعات الحيوية، ما زاد من الضغط على النظام الصحي والخدمات العامة.

وتشير تقارير أممية إلى أن هجرة الكوادر الصحية بشكل خاص تسببت في فجوات كبيرة داخل المستشفيات، حيث تعمل بعض المؤسسات الصحية بعدد أقل بكثير من الطواقم المطلوبة، ما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمرضى.

الموقف الحقوقي والقانوني الدولي

أعربت منظمات حقوقية دولية، منها منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش، عن قلقها من تدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في كوبا، مؤكدة أن استمرار نقص الغذاء والدواء والطاقة يؤثر بشكل مباشر في الحق في الصحة والحياة الكريمة، وهو ما يتعارض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة الكوبية أن العقوبات الأمريكية المستمرة منذ عقود تمثل عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة؛ لأنها تحد من قدرة البلاد على استيراد الوقود والأدوية والمواد الأساسية، وهو ما تدعمه جزئياً تقارير أممية تشير إلى تأثير القيود الاقتصادية في القطاعات الحيوية.

جذور الأزمة

تعود جذور الأزمة الحالية إلى مزيج من العوامل التاريخية، أبرزها استمرار العقوبات الاقتصادية منذ ستينيات القرن الماضي، إضافة إلى التحديات التي خلفتها أزمة “الفترة الخاصة” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، والتي أدت إلى انهيار الدعم الاقتصادي الرئيسي لكوبا، كما أسهمت جائحة كورونا في تراجع قطاع السياحة، أحد أهم مصادر الدخل القومي، في حين أدت الأعاصير المتكررة والجفاف إلى إضعاف البنية التحتية الزراعية والطاقة.

وفي عامي 2024 و2025 أدت أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الوقود إلى تفاقم العجز في الإمدادات، ما جعل كوبا تواجه واحدة من أكثر فتراتها هشاشة منذ عقود، في ظل تزايد الاحتياجات الإنسانية وتراجع القدرة على الاستجابة المحلية.

وتؤكد المعطيات الأممية والحقوقية أن كوبا تواجه اليوم أزمة إنسانية متعددة الطبقات تتداخل فيها الطاقة والاقتصاد والصحة والغذاء والهجرة، ما يجعل من الصعب فصل أحد هذه العوامل عن الآخر، ومع استمرار نقص التمويل الإنساني وغياب الحلول الهيكلية، تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار الوضع الحالي قد يحول الأزمة من حالة ضغط مؤقت إلى أزمة ممتدة تهدد استقرار الحياة اليومية لملايين السكان داخل الجزيرة الكاريبية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية