أثارت مسودة قانون جديدة في تركيا جدلاً واسعاً بين المنظمات الحقوقية والمدنية، بعدما حذرت 160 منظمة من أن التعديلات المقترحة على قانون حماية الطفل وبعض القوانين الأخرى قد تؤدي إلى تغيير فلسفة عدالة الأحداث، عبر توسيع المقاربة العقابية على حساب الإصلاح والتأهيل.
وطالبت المنظمات، المنضوية تحت مظلة مجموعة النداء المشترك للعدالة من أجل الأطفال، بسحب مشروع القانون بشكل فوري، معتبرة أن النص المقترح يتجاهل المعايير العلمية والالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الطفولة.
وتتركز أبرز الانتقادات حول ما تعده المنظمات توجهاً نحو معاملة الأطفال في النظام الجنائي باعتبارهم بالغين، وهو ما قد يهدد الضمانات القانونية الخاصة بهم.
وحذرت الهيئات الحقوقية من أن نقل عدالة الأطفال من منطق الحماية وإعادة التأهيل إلى منطق العقوبة قد يفاقم مشكلات اجتماعية قائمة، مثل عمالة الأطفال، والتسرب المدرسي، وزواج القاصرات، والاستغلال الاقتصادي.
وترى المنظمات أن مسؤولية الدولة ينبغي ألا تقتصر على معاقبة الطفل بعد وقوع الجريمة، بل يجب أن تبدأ بمعالجة الأسباب التي تدفع بعض القاصرين إلى دائرة الخطر، وفي مقدمتها الفقر، والعنف الأسري، وضعف الدعم الاجتماعي.
اكتظاظ سجون الأطفال
استندت المنظمات في انتقاداتها إلى بيانات وتقارير رسمية، منها تقرير صادر عن مؤسسة حقوق الإنسان والمساواة التركية بشأن سجن قرة تبه المغلق للأطفال والشباب في مدينة تيكيرداغ.
وكشف التقرير أن المؤسسة التي تبلغ طاقتها الاستيعابية 288 نزيلاً، تضم 432 طفلاً، ما يعني تجاوز القدرة الاستيعابية بشكل كبير.
واعتبرت الجهات الحقوقية أن استمرار الاكتظاظ داخل مؤسسات احتجاز الأطفال يطرح تساؤلات حول جدوى توسيع العقوبات، في وقت تحتاج فيه منظومة حماية الطفولة إلى مزيد من برامج الدعم والتأهيل.
الفقر والعنف وراء دائرة الخطر
أشارت المنظمات إلى أن شهادات الأطفال المحتجزين خلال لقاءات مع لجنة التحقيق البرلمانية كشفت عن عوامل مشتركة دفعت بعضهم إلى مواجهة النظام القضائي.
وتضمنت هذه العوامل، الفقر والعوز الاقتصادي والعنف داخل الأسرة والتسرب من التعليم وغياب شبكات الدعم والرعاية الاجتماعية.
وترى الهيئات الحقوقية أن التعامل مع هذه العوامل باعتبارها قضايا اجتماعية وحقوقية قد يكون أكثر فاعلية من التركيز على العقوبات وحدها.
العدالة الجنائية أم حماية الطفولة؟
يعيد مشروع القانون النقاش حول طبيعة العدالة التي تحتاجها قضايا الأطفال في تركيا، بين من يدعو إلى تشديد الإجراءات لمواجهة الجرائم، ومن يرى أن حماية الطفل تتطلب منظومة تقوم على الوقاية والتأهيل وإعادة الدمج.
وتؤكد المنظمات المعترضة أن حماية المجتمع لا تتحقق فقط عبر زيادة العقوبات، بل عبر ضمان بيئة توفر للأطفال التعليم والرعاية والدعم النفسي والاجتماعي.
ويبقى الجدل مفتوحاً حول مستقبل مشروع القانون، وما إذا كانت تركيا ستتجه نحو تعزيز نظام عدالة يركز على حماية القاصر وإصلاحه، أم نحو توسيع المسار العقابي في التعامل مع الأطفال المخالفين للقانون.
