منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قانون الحضانة في العراق.. حين يصبح الطفل ساحة صراع بين النص الديني وحقوق الأسرة

06 أغسطس 2026
تظاهرة في بغداد تطالب بتعديل قانون الحضانة
تظاهرة في بغداد تطالب بتعديل قانون الحضانة

تحول ملف الحضانة في العراق إلى واحدة من أكثر القضايا الحقوقية حساسية بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، وما تبعه من إقرار مدونة جعفرية للأحوال الشخصية عام 2025، فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمن يحق له رعاية الطفل بعد الطلاق، بل باتت تمس جوهر حقوق الطفل، ومكانة الأم، ووحدة النظام القانوني، ومدى التزام الدولة بمبدأ “المصلحة الفضلى للطفل”.

ويحذر حقوقيون ومنظمات نسوية من أن نقل جانب من قضايا الأسرة إلى مرجعيات مذهبية قد يؤدي إلى تقليص حماية النساء والأطفال، خصوصاً في مسائل الحضانة والزواج والطلاق والنفقة.

وفي المقابل، يدافع مؤيدو التعديلات عن القانون باعتباره استجابة لحرية العراقيين في تنظيم أحوالهم الشخصية وفقاً لأديانهم ومذاهبهم، استناداً إلى المادة 41 من الدستور العراقي التي تنص على حرية العراقيين في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب أديانهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، على أن ينظم ذلك بقانون.

القانون محل الجدل

كان قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 من أبرز القوانين التي وحّدت مسائل الزواج والطلاق والحضانة والميراث أمام محاكم الدولة، واعتُبر لعقود إطاراً مدنياً نسبياً لتنظيم الأسرة في بلد متعدد المذاهب والأديان.

وبحسب دليل قانوني صادر عن المجلس النرويجي للاجئين بشأن حقوق الطفل في العراق، تمنح القواعد المعمول بها الأم عادة حق حضانة الطفل حتى سن العاشرة، مع إمكانية التمديد حتى سن الخامسة عشرة إذا رأت المحكمة أن ذلك يحقق مصلحة الطفل، ثم يكون للطفل حق اختيار الإقامة مع أحد الأبوين عند بلوغ هذه السن. كما يراعي القضاء عند النزاع مصلحة الطفل وسنه ومدى أهلية الوالدين للحضانة.

لكن التعديلات التي دخلت حيز التنفيذ في 17 فبراير 2025، بحسب هيومن رايتس ووتش، غيّرت الإطار العام لقضايا الأحوال الشخصية، عبر السماح، في بعض الحالات، بالاحتكام إلى مدونات مذهبية، وهو ما أثار مخاوف من تراجع الحماية الموحدة للنساء والأطفال.

الحضانة قبل التعديلات

في الإطار السابق لقانون 1959، كان الأصل أن تكون حضانة الطفل للأم في السنوات الأولى، مع سلطة للمحكمة في التمديد حتى سن الخامسة عشرة إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك. كما كان من المفترض أن يظل تقدير الحضانة مرتبطاً بأهلية الحاضن ومصلحة الطفل وليس فقط بالنوع الاجتماعي أو الولاية الأبوية.

هذا الإطار لم يكن خالياً من المشكلات. فقد أشارت تحليلات قانونية إلى أن النظام العملي للحضانة والزيارة في العراق ظل يعاني من غموض وبطء ونزاعات متكررة حول حق الطرف غير الحاضن في رؤية الطفل، إضافة إلى ضعف آليات تنفيذ قرارات الزيارة.

وذكرت مؤسسة كارنيغي أن القانون القائم يمنح الأم الحضانة حتى سن العاشرة، لكنه لا يضع نظاماً فعالاً ومفصلاً لزيارات الأب، ما يفتح الباب لنزاعات طويلة داخل المحاكم.

ومع ذلك، ترى منظمات حقوقية أن بقاء الحضانة تحت مظلة قانون وطني موحد كان يوفر حماية نسبية من التفاوتات المذهبية، ويمنح المحكمة المدنية مساحة لتقييم مصلحة الطفل في كل حالة.

التعديلات الجديدة

أقر البرلمان العراقي تعديلات على قانون الأحوال الشخصية في 21 يناير 2025، ضمن حزمة قوانين مثيرة للجدل. وعلقت المحكمة الاتحادية العليا التنفيذ مؤقتاً في 4 فبراير 2025 بسبب طعون إجرائية مرتبطة بطريقة التصويت، قبل أن تُلغى أوامر التعليق لاحقاً وتدخل التعديلات حيز النفاذ.

وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن التعديلات تمنح المحاكم أو السلطات الدينية دوراً أكبر في مسائل الأسرة، بينها الزواج والطلاق والميراث، في حين دافع مؤيدوها عنها باعتبارها منسجمة مع المبادئ الإسلامية.

وبحسب الوكالة الأوروبية للجوء، دخل تعديل قانون الأحوال الشخصية حيز التنفيذ في 17 فبراير 2025، ثم أُقرت المدونة الجعفرية في 27 أغسطس 2025، لتتيح للشيعة اختيار الخضوع لقانون الأحوال الشخصية لعام 1959 أو للمدونة الجعفرية في مسائل الأسرة.

وتوضح هيومن رايتس ووتش أن المدونة الجعفرية الجديدة تميز ضد النساء في مسائل الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال والوصاية عليهم، معتبرة أنها تمنح الرجال موقعاً تفضيلياً داخل الأسرة.

أثر الحضانة الجديد

أبرز المخاوف الحقوقية تتعلق بأن بعض أحكام المدونة الجعفرية تقلص حق الأم في الحضانة مقارنة بالنظام السابق، فقد خلصت الوكالة الأوروبية للجوء، استناداً إلى هيومن رايتس ووتش ومصادر أخرى، إلى أن قانون 1959 يمنح المرأة حضانة الطفل حتى سن العاشرة مع إمكانية التمديد إلى الخامسة عشرة، في حين تنقل المدونة الجعفرية الحضانة تلقائياً إلى الأب بعد سن السابعة.

وتشير تقارير حقوقية ومحلية إلى أن الخطر لا يكمن فقط في السن، بل في منطق الحضانة نفسه. فالنقل التلقائي للحضانة إلى الأب قد يضعف سلطة القاضي في فحص مصلحة الطفل، ومدى أهلية الأب أو الأم، والروابط النفسية والاجتماعية التي تربط الطفل بالحاضن، وهذا يتعارض مع مبدأ المصلحة الفضلى للطفل الذي يوجب النظر إلى كل حالة بشكل فردي.

وحذرت منظمات محلية، مثل منظمة زهرة اللوتس، من أن التعديلات قد تحد بشدة من حقوق النساء في الطلاق والحضانة، وتمنح صلاحيات واسعة للسلطات الدينية على حساب الرقابة القضائية المدنية.

الموقف الرسمي

يرتكز الموقف الرسمي وموقف مؤيدي التعديلات على فكرة أن القانون يستجيب للتعدد الديني والمذهبي في العراق، ويمنح المواطنين حرية اختيار المرجعية التي تنظم أحوالهم الشخصية.

ويستند هذا الخطاب إلى المادة 41 من الدستور العراقي التي تنص على أن العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية وفقاً لأديانهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، على أن ينظم ذلك بقانون.

كما دافع مؤيدو التعديلات، وفق أسوشيتد برس، عنها باعتبارها وسيلة لمواءمة مسائل الأسرة مع المبادئ الإسلامية والحد مما يصفونه بتأثيرات غربية في الثقافة العراقية.

وتشير الصيغة النهائية للتعديل، وفق هيومن رايتس ووتش، إلى أن المدونة ينبغي ألا تتضمن ما يخالف “المصلحة الفضلى للأطفال”، كما تضمن حق الوالد غير الحاضن في لقاء أطفاله والتواصل معهم في مكان وزمان مناسبين.

غير أن المنظمات الحقوقية تقول إن إدراج عبارة “المصلحة الفضلى” لا يكفي إذا كانت القواعد التفصيلية تنقل الحضانة تلقائياً أو تقلص حق الأم دون تقييم مستقل لحالة الطفل.

انتكاسة لحقوق النساء

وصفت هيومن رايتس ووتش تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي دخل حيز التنفيذ في فبراير 2025، بأنه انتكاسة لحقوق النساء والفتيات في العراق، وقالت إن التعديل ينتهك حقهن في المساواة أمام القانون ويعرضهن لمخاطر إضافية.

وفي أكتوبر 2025 قالت المنظمة إن المدونة الجعفرية الجديدة تجعل النساء “مواطنات من الدرجة الثانية”؛ لأنها تفضل الرجال في شؤون الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال والوصاية عليهم.

ودعت منظمة العفو الدولية، قبل إقرار التعديلات، البرلمان العراقي إلى رفضها، معتبرة أنها قد ترسخ التمييز وتفتح الباب أمام زواج الأطفال وتراجع الحماية القانونية للنساء والفتيات.

وحذرت منظمة المساواة الآن من أن التغييرات الأخيرة تهدد حقوق الأطفال؛ بسبب أثرها المحتمل في زواج القاصرات وقضايا الأسرة، واعتبرت أن المسار التشريعي قد يعمق دوائر الاستغلال والعنف وعدم المساواة.

الموقف الأممي

أعرب خبراء الأمم المتحدة في سبتمبر 2024 عن قلقهم من أن التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي قد تقوض حقوق النساء والأطفال، مؤكدين أن القانون رقم 188 لسنة 1959 كان يوفر حماية مهمة نسبياً، وأن أي تعديل ينبغي ألا يؤدي إلى تراجع في المساواة أو إلى إضعاف حماية الأطفال.

وفي مايو 2025 ناقشت لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة وضع العراق، وأعرب خبراء اللجنة عن قلقهم إزاء تعديل قانون الأحوال المدنية أو الشخصية لعام 2025، مشيرين إلى تقارير تفيد بأنه قد يسمح بزواج الأطفال من سن مبكرة، كما أثاروا أسئلة حول حماية الأطفال من الممارسات الضارة.

ويستند الموقف الأممي إلى اتفاقية حقوق الطفل، التي تلزم الدول بأن تكون مصلحة الطفل الفضلى اعتباراً أساسياً في جميع الإجراءات المتعلقة بالأطفال، وهذا يعني أن قواعد الحضانة يجب أن تُبنى على تقييم فردي لسلامة الطفل واستقراره واحتياجاته، لا على افتراضات عامة أو انتقال تلقائي للحضانة بسبب سن محددة أو زواج الأم أو سلطة الأب.

البعد الإنساني

خلف الجدل القانوني توجد أسر وأطفال يعيشون آثار الطلاق والنزاع الأسري، فالحضانة ليست فقط نصاً في القانون، بل حياة يومية تشمل من يصطحب الطفل إلى المدرسة، ومن يتابع صحته، ومن يوفر له الأمان العاطفي، ومن يحافظ على صلته بالطرف الآخر من الأسرة دون تحويله إلى أداة انتقام.

عندما تُختزل الحضانة في قاعدة جامدة، أو تُنقل تلقائياً من الأم إلى الأب دون فحص ظروف الطفل، يصبح الطفل عرضة للانقطاع عن بيئته المستقرة، وفي المقابل، عندما تُمنع الزيارة أو تُستخدم الحضانة لعزل أحد الأبوين، يتضرر الطفل أيضاً.

لذلك تحتاج القواعد العادلة إلى توازن يحمي حق الطفل في الرعاية والاستقرار، وحقه في العلاقة الآمنة مع كلا الوالدين، مع وضع سلامته فوق أي اعتبار آخر.

وفي مجتمع لا تزال فيه الوصمة الاجتماعية والضغط العائلي قويين، قد يصبح تهديد الأم بفقدان أطفالها وسيلة لإجبارها على البقاء في زواج مؤذٍ أو التنازل عن حقوقها المالية والقانونية.

بين الدين والقانون

لا يعني انتقاد التعديلات رفضاً للدين أو للتعدد المذهبي، بقدر ما يرتبط بالسؤال عن كيفية ضمان ألا يؤدي هذا التعدد إلى تفاوت في حماية النساء والأطفال، فحقوق الطفل، والمساواة أمام القانون، والحماية من العنف، ليست قضايا يمكن تركها لموازين القوة داخل الأسرة أو للمساومة السياسية.

ويمكن لأي نظام قانوني أن يحترم الخصوصية الدينية وفي الوقت نفسه يضع حدوداً واضحة لا يجوز تجاوزها: لا زواج للأطفال، لا نقل حضانة تلقائياً دون تقييم، لا حرمان من الزيارة الآمنة، لا إسقاط لحقوق الأم بسبب زواجها دون فحص مصلحة الطفل، ولا إضعاف لسلطة القضاء في حماية الأطفال من الإهمال أو العنف.