هوارد هوسوك*
في يوليو، أصدر اتحاد الحريات المدنية في نيويورك تقريرًا يدعو إلى اعتماد التعويضات فورًا، وكما تقول لانيسا أوينز-تشابلين، إحدى واضعات التقرير ومديرة مركز العدالة العرقية في اتحاد الحريات المدنية في نيويورك: “التعويضات دين مستحق.. لقد بنى السود المستعبدون أساس اقتصاد نيويورك.. ويجب أن تمتد التعويضات إلى جميع سكان نيويورك السود المنحدرين من أشخاص استعبدتهم ولاية نيويورك”.
ويستند تقرير اتحاد الحريات المدنية في نيويورك إلى حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي استمرار فجوة الثروة بين الأسر السوداء والبيضاء، لكن كل ذلك يفشل في التعامل مع المشكلة الأساسية المتعلقة بمدفوعات التعويضات: فليس جميع سكان نيويورك البيض استفادوا من العبودية، بينما سيتعين على جميع سكان نيويورك دفع الأموال لتمويل هذه المدفوعات.
واكتشفت تعقيدات هذه القضية عندما بحثت، في إطار مشروع محلي بمناسبة الذكرى الـ250 لأمريكا، تاريخ العبودية في ضاحيتي الواقعة في مقاطعة ويستشستر، وكانت بلدة راي ذات يوم قرية زراعية على شواطئ لونغ آيلاند ساوند.
وكانت المزارع العائلية الصغيرة تتجاور مع ضياع أكبر كان يعمل فيها المستعبدون، ويربون الماشية ويزرعون المنتجات التي كانت تُرسل إلى سوق مانهاتن.
لكن هنا تكمن التعقيدات: “لم تكن ملكية العبيد بين السكان البيض أمرًا شائعًا على الإطلاق” فمن بين 130 عبدًا كانوا موجودين في البلدة عام 1790، كان 68 منهم مملوكين لست عائلات فقط، من بينها عائلة جون جاي، أول رئيس للمحكمة العليا في البلاد وأحد أبرز دعاة إلغاء العبودية، وفوق ذلك، كان عدد الأسر التي لم تكن تملك عبيدًا على الإطلاق، وبلغ 163 أسرة، أكبر بكثير من عدد الأسر المالكة للعبيد، الذي بلغ 42 أسرة.
وكان معظم سكان البلدة البيض، في الواقع، فقراء، فقد أُدرجت 77 أسرة على أنها لا تملك سوى “منزل وقطعة أرض”. وكانت ممتلكاتهم الصغيرة تساوي أقل من 500 دولار، أي نحو 10 آلاف دولار بعد احتساب التضخم، وكانت قيمة بعضها لا تتجاوز 60 دولارًا، أي نحو ألف دولار بقيمة اليوم.
وكان هناك أيضًا ملاك أراضٍ أثرياء لم ينخرطوا في العبودية على الإطلاق، ومن بينهم، على نحو لافت، عائلة من طائفة الكويكرز، وكان جميع أفراد تلك العائلة يعملون في الأرض بأنفسهم، ويتنافسون مع قوة العمل غير المدفوعة التي كان يستخدمها مالكو العبيد.
وفي عام 1799، وقّع الحاكم جون جاي قانون الإلغاء التدريجي للعبودية، الذي حرر أبناء العبيد المولودين بعد 4 يوليو 1799، ثم صدر قانون آخر عام 1817 ألزم بتحرير جميع العبيد الذين ولدوا قبل عام 1799 خلال السنوات العشر التالية.
وأطلق مالكو العبيد في راي سراح معظم عبيدهم قبل الموعد النهائي بوقت طويل، فبحلول عام 1820، لم يتبقَ في البلدة سوى 14 عبدًا، مقارنة بـ126 شخصًا أسود محررًا.
وبحلول عام 1850، بدأت أعداد سكان البلدة في الارتفاع مع وصول خدم وعمال أيرلنديين وألمان بيض، وصلوا بعد فترة طويلة من اختفاء العبودية.
ولم تكن بلدتي حالة استثنائية، فتُظهر سجلات التعداد أنه في عام 1800 كان 417 من أصل 4320 من سكان مانهاتن السفلى مستعبدين، وهذا عدد كبير.. لكن 76% من الأسر لم تكن تملك عبيدًا.
يصبح من الصعب الدفاع عن فكرة أن أحفاد هذه الأسر ينبغي أن يُجبروا على دفع تعويضات عن شيء لم يشاركوا فيه، وربما كانوا قد حاربوه بنشاط، لكن هذه هي منطقية إدراج بند للتعويضات في ميزانية الولاية.
واضطرت الولايات التي تدرس تقديم تعويضات إلى التعامل مع هذه التعقيدات، وقد أدت مثل هذه الأسئلة إلى عرقلة الجهود في كاليفورنيا، بل إن الولاية الذهبية ذهبت إلى حد إنشاء “فريق عمل للتعويضات” من أجل بحث هذه القضايا وحسمها.
وأقر المشرعون في كاليفورنيا مجموعة من مشاريع قوانين التعويضات عام 2025، من بينها مشروع كان سيمنح أولوية في القبول بالجامعات لأحفاد المستعبدين، واستخدم الحاكم جافين نيوسوم حق النقض ضد العديد من هذه المشاريع، لكنه وقّع مشروعًا آخر يهدف إلى إنشاء إطار لإدارة المدفوعات.
واتخذ حاكم ولاية ماريلاند، ويس مور، وهو ديمقراطي من أصول أفريقية، خطوة شجاعة باستخدام حق النقض ضد تشريع كان سيُلزم الولاية بدراسة التعويضات، مشددًا على نحو مناسب على ضرورة أن تسعى الحكومة إلى تحسين الآفاق الاقتصادية لجميع المواطنين، لكن الجمعية العامة للولاية تجاوزت حق النقض الذي استخدمه.
وتشير الوقائع التاريخية التي اكتشفتها في بلدتي إلى أن مور كان محقًا، ويغفل المدافعون عن التعويضات أيضًا حقيقة خطيرة أخرى، وهي أن تدخل الحكومة يمكن أن تكون له آثار غير متوقعة.
وللنظر، مثلًا، إلى ظلم تاريخي آخر يسلطون الضوء عليه، وهو إزالة الأحياء الفقيرة، ويحق لاتحاد الحريات المدنية في نيويورك القول إن هدم الأحياء السوداء يمكن ربطه بالتفاوت الحالي في الأصول بين الأسر البيضاء والسوداء، التي فقدت ممتلكات وشركات خلال مثل هذه العمليات.
لكن إزالة الأحياء الفقيرة بهدف “تجديد” المدن لم يروج لها عنصريون، بل تقدميون، من بينهم هاري ترومان، فقد كان يعتقد أن هدم الأحياء السوداء الفقيرة واستبدالها بمساكن عامة من شأنه أن يعود بالنفع على الأمريكيين السود.
وقد تكون فوائد التعويضات بعيدة المنال أيضًا. فمن المرجح ألا يسهم دفع مبلغ نقدي لمرة واحدة كثيرًا في سد فجوة الثروة، وسيؤدي حتمًا إلى انقسام سياسي، ومن المؤكد أنه “لن يساعد بالقدر الذي يمكن أن يساعد به نظام تعليم عام فعال وأمن عام جيد”.
ومن الأفضل الاستثمار في هذه الممارسات بدلًا من مطالبة أشخاص لم يشاركوا في خطيئة العبودية بدفع ثمنها.
*نيويورك بوست
ترجمة- زينب مكي
