جورج مونبيو*
في كل مرة أظن أن مستويات السخافة وصلت إلى القاع، أكتشف أنها قادرة على النزول إلى مستوى أعمق. لم أعد أتعامل مع الأمر باعتباره مجرد إنكار لأزمة المناخ، بل نحن الآن أمام شكل أكثر غرابة وخطورة: إنكار تأثيرات الإجهاد الحراري الناتج عن موجات الحر.
خلال الأسبوع الماضي، تابعت كيف خفّفت بعض الصحف الممولة من مليارديرات من خطورة موجات الحر، بل وذهبت إلى التقليل من آثارها الصحية، خصوصاً على الأطفال في المدارس. وأتوقع، للأسف، أن يتكرر الأمر مع ارتفاع درجات الحرارة مجدداً.
في إحدى افتتاحيات صحيفة “ديلي تلغراف”، قيل إن التحذيرات من الطقس الحار مبالغ فيها، وإن الدولة باتت تتعامل مع المواطنين وكأنهم أطفال يحتاجون إلى وصاية دائمة. وقيل أيضاً إنه في سبعينيات القرن الماضي كان الناس يُتركون لأنفسهم دون تحذيرات رسمية، وإن خرائط الطقس اليوم تُرسم بألوان حمراء “مخيفة” بلا داعٍ.
يقول هذا الخطاب ببساطة: دعوا الناس “يعتمدون على الفطرة السليمة”، وكأن الفطرة وحدها كافية للتعامل مع مخاطر حرارية قد تكون قاتلة.
وفي السياق نفسه، قرأت مقالات أخرى تستعيد صيف 1976 بوصفه زمناً “بريئاً” مليئاً بالمرح، حين كانت المدارس لا تُغلق، وكان الطلاب والمعلمون يتحملون درجات حرارة مرتفعة دون شكوى، وكأن ذلك دليل قوة وليس تجاهلاً للمخاطر.
كما رأيت في “ذا صن” نفس الفكرة تقريباً: رفض إغلاق المدارس في موجات الحر، والحنين إلى ما يُسمى بـ”روح التحمل القديمة” في سبعينيات القرن الماضي.
أما “ديلي ميل”، فقد ذهبت في الاتجاه ذاته، مؤكدة أن المدارس كانت تبقى مفتوحة في 1976. لكن عندما نظرت إلى الوقائع بشكل أدق، وجدت أن الصورة أكثر تعقيداً مما يُروى الآن، وأن بعض المدارس أغلقت مبكراً بالفعل، وأن المقارنات بين ذلك الزمن واليوم تتجاهل حقيقة علمية بسيطة: موجات الحر الحالية أكثر رطوبة، وبالتالي أكثر خطورة على الصحة.
ما يقلقني أكثر هو الفجوة بين هذا الخطاب وبين ما تقوله البيانات العلمية. تقارير الصليب الأحمر تُظهر أن الوعي بمخاطر موجات الحر ضعيف جداً، وأن نسبة كبيرة من الناس لا تعرف حتى كيفية التعامل معها بشكل صحيح.
وفي الوقت نفسه، تكشف الأبحاث حقيقة لا يمكن تجاهلها: الفقر يجعل موجات الحر أكثر قسوة. الأسر ذات الدخل المنخفض تجد صعوبة مضاعفة في تبريد منازلها مقارنة بالأسر الغنية، ما يعني أن الحرارة ليست مجرد ظاهرة مناخية، بل أيضاً قضية طبقية.
وتشير البيانات إلى أن 82% من الأسر تواجه صعوبة في الحفاظ على غرفة باردة خلال الصيف، وأن الفجوة بين الطبقات تظهر بوضوح في القدرة على النجاة من الحر.
الأطفال، على وجه الخصوص، هم الأكثر تأثراً. أجسامهم أكثر حساسية للحرارة، وقدرتهم على التنظيم الحراري أقل. وتشير الدراسات إلى أن الأداء الدراسي ينخفض بشكل ملحوظ في الأيام شديدة الحرارة، وأن درجات فوق 25 درجة مئوية تؤثر في التركيز، في حين تصل خسائر الأداء في الامتحانات إلى نسب كبرى في درجات حرارة عليا.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن حدود واضحة لدرجات الحرارة داخل المدارس في بعض السياسات الرسمية، ويُكتفى بتوصيات عامة مثل فتح النوافذ وتقليل مصادر الحرارة، وهي إجراءات تبدو غير كافية في ظل الواقع الحالي.
ما أراه مقلقاً أيضاً هو أن كثيراً من المدارس غير مجهزة أصلاً للتعامل مع هذا النوع من الحرارة، وأن بعض المباني القديمة أو سيئة التصميم أصبحت تمثل خطراً حقيقياً على صحة الطلاب.
في النهاية، لا أستطيع إلا أن أطرح السؤال الذي بدأ به هذا المقال: عندما يُقال إن التحذير من موجات الحر مبالغ فيه، فمن الذي يُطلب منه أن “يتحمل”؟ ومن الذي يُطلب منه أن يدفع الثمن؟
لأن ما يبدو لي واضحاً هو أن دعوات “التحمل” غالباً لا تعني الجميع، بل تعني الفئات الأضعف فقط. في حين تبقى الفئات الأكثر قدرة في أماكن أكثر راحة وبرودة.
وهكذا، يصبح إنكار الخطر ليس مجرد خطأ في التقدير، بل موقف له تبعات اجتماعية واضحة: من يدفع الثمن دائماً هم الأقل حظاً.
*نقلاً عن الغارديان
