أثارت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على مسؤول أمني تنزاني بارز تساؤلات واسعة بشأن قدرة الضغوط الغربية على كبح التراجع الديمقراطي في إفريقيا، في وقت تتزايد فيه القيود على الحريات العامة، وتتسع مساحات الحكم العسكري أو السلطوي في عدد من دول القارة.
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في 21 مايو 2026، فرض قيود على دخول مساعد مفوض الشرطة التنزانية الأول، فوستين جاكسون مافويلي، إلى الولايات المتحدة، استناداً إلى ما وصفته واشنطن بـ“معلومات موثوقة” عن تورطه في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وجاء القرار على خلفية اتهامات موجهة لعناصر من الشرطة التنزانية باحتجاز وتعذيب والاعتداء جنسياً على الناشطة الأوغندية أغاثر أتوهير والناشط الكيني بونيفاس موانغي، خلال وجودهما في تنزانيا عام 2025 لمتابعة محاكمة زعيم المعارضة توندو ليسو.
وتأتي هذه الخطوة في ظل مراجعة أمريكية أوسع للعلاقات مع تنزانيا، بعد انتخابات 29 أكتوبر 2025 التي فازت فيها الرئيسة سامية صولوحو حسن بأكثر من 97 بالمئة من الأصوات، وسط اتهامات من المعارضة ومنظمات حقوقية بتضييق المجال السياسي وقمع الاحتجاجات.
وأفادت لجنة تحقيق شكلتها الرئيسة التنزانية بمقتل 518 شخصاً وإصابة الآلاف في أعمال عنف أعقبت الانتخابات، في حين تقول المعارضة إن الحصيلة قد تكون عليا.
انتخابات تحت ضغط أمني
شهدت تنزانيا خلال الانتخابات الأخيرة توتراً سياسياً واسعاً، شمل نشر قوات عسكرية وفرض حظر تجول في دار السلام وتعطيل خدمات الإنترنت على نطاق واسع، بالتزامن مع احتجاجات على ما وصفته المعارضة ببيئة انتخابية غير تنافسية.
وكانت تقارير حقوقية قد أشارت إلى اعتقالات، واختفاءات قسرية، ومناخ من الترهيب سبق التصويت.
كما دعا حزب “تشاديما” المعارض إلى تشكيل سلطة انتقالية بعد الانتخابات، معتبراً أن العملية الانتخابية فقدت شرعيتها بسبب استبعاد قوى معارضة واعتقال زعيم الحزب توندو ليسو منذ أبريل 2025 على خلفية اتهامات مرتبطة بالخيانة.
وأوردت وكالة أسوشيتد برس أن الاحتجاجات التي أعقبت التصويت أسفرت عن مئات القتلى وأكثر من ألفي معتقل، إلى جانب انقطاع للإنترنت استمر 10 أيام.
“انسوا الديمقراطية”.. إشارة من الساحل
ولا تنفصل الأزمة التنزانية عن مسار أوسع في القارة، حيث تواجه الديمقراطية في عدد من الدول الإفريقية ضغوطاً متزايدة، خصوصاً في منطقة الساحل وغرب إفريقيا التي شهدت خلال السنوات الماضية سلسلة انقلابات عسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وفي بوركينا فاسو، أثار رئيس المجلس العسكري الانتقالي إبراهيم تراوري جدلاً كبيراً بعد قوله إن على المواطنين “نسيان الديمقراطية”، معتبراً أن الظروف الأمنية لا تسمح بتنظيم انتخابات، في وقت سبق أن حلت السلطات العسكرية الأحزاب السياسية وأرجأت العودة إلى الحكم المدني.
وتعتمد واشنطن في مثل هذه الحالات على أدوات متعددة، منها حظر السفر، وتجميد الأصول، وفرض قيود على التعاملات المالية، بهدف الضغط على مسؤولين متهمين بانتهاكات حقوقية أو بتقويض المؤسسات الديمقراطية.
اختبار للضغط الدولي
ورغم أن العقوبات الأمريكية تمنح ملف حقوق الإنسان زخماً سياسياً وإعلامياً، فإن فعاليتها تبقى موضع اختبار، خصوصاً عندما تُفرض على أفراد دون أن ترافقها ضغوط دبلوماسية مستمرة أو آليات إقليمية للمساءلة.
ففي إفريقيا لا تتعلق أزمة الديمقراطية بالعقوبات وحدها، بل بمنظومة أوسع تشمل ضعف المؤسسات، وتسييس أجهزة الأمن، وتراجع استقلال القضاء، وتقييد المجتمع المدني، وتنامي خطاب أمني يبرر تأجيل الانتخابات أو حل الأحزاب أو إسكات المعارضة.
وتشير التحركات الأمريكية الأخيرة إلى محاولة لاستعادة حضور واشنطن في القارة عبر مزيج من الدبلوماسية والضغط الحقوقي والتعاون الأمني، غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرتبطاً بمدى اتساقها، وقدرتها على عدم الفصل بين المصالح الأمنية والاقتصادية من جهة، واحترام الحقوق السياسية والمدنية من جهة أخرى.
